ثلاثة مواقع، تعرفت منها على شخصية المرحوم الأستاذ نمر مرقس.
أولها: أيام كان مطاردا من قبل الحكم العسكري، في السنوات الأولى من سنة 1950، لقد كانت شرطة الحكم العسكري تلاحقه من مكان إلى مكان، في المدرسة التي يعلم فيها، وعند أصدقائه، وفي العديد من المواقع في دير الأسد.
وكانت هذه الأيام، تحمله أعباء ثقالا، يصعب على الإنسان الاعتيادي حملها، فحملها، وصبر على تحمل همومها، دون ان يكل أو يمل.
في هاتيك الأيام، فتحت له قلبي، وبيتي، وعاملته كواحد من أعز أهل البيت، خبأته عدة مرات، ونام عندي، بين الأهل مرارا، آمنا مطمئنا في بيتي العتيق، المكون من قاع البيت، والمصطبة الطينية المملسة بالمدلكة. وبعكر الزيتون، ثم السدة ذات السلم الخشبي.
واذكر في يوم من تلك الأيام، ان الشرطة طوقته، فهرب متجها نحو بيتي، "وبالصدفة" كنت واقفا بجانب داري، فقلت للأستاذ! ادخل هذي الدار، لها مدخل ومخرج، وأشرت إليها بيدي، وهي دار جارتنا والدة الأستاذ عبد الخالق أسدي.
على التو دخلها، وبأسرع من البرق كما يقال خبأته المرحومة داخل حصيرة من القش.
وبعد دقائق قليلة دخل أفراد الشرطة البيت الذي دخله الأستاذ، فقالوا لها: "وينه" فقالت لهم: الحقوه، هرب من الباب الثاني، الحقوه ممكن نزل للحارة التحتى.
يا سلام! ضيعتهم، وضيعت دليلهم، "العين" التي لا تنام، ولا يهدأ لها بال، بلبلتهم، "وجازفت" حرصا على معلم أبنائها وعطفا عليه، كما تعطف كل أم حنون على أبنائها وحفدتها.
قد لا تكون الحاجة من الضرورة بمكان لسرد هذا الكلام. إنما هي ذكريات يجب ان تعرفها الأجيال الحاضرة، وأجيال المستقبل، فهل يعرف أبناؤنا وحفدتنا، ولو القليل عن أيام الحكم العسكري التي اكتوى بها فقيدنا الراحل وشعبنا؟
هل تعرف هذه الأجيال ان شغل الشرطة الشاغل في ذلك الوقت، ملاحقة الوطنيين والشيوعيين والمتسللين، أي أهل البلد الذين تشردوا وحاولوا التسلل للعودة الى بلدهم وبيوتهم وأراضيهم؟
وهل تعرف هذه الأجيال ان الشرطة أيام الحكم العسكري، لا تترك قرانا، وملاحقة الذين يدخنون الدخان العربي وملاحقة الذين يتاجرون بالبيض العربي؟
وهل تعرف هذه الأجيال ان شرطة الحكم العسكري كانت تلاحق الذين يقرأون الصحف العربية الوطنية كالاتحاد والغد والجديد والدرب، ولا تترك بابا الا وتدقه لدب الخلافات بين الناس؟!
انها لأيام سوداء، لم يذق طعمها المر فقط فقيدنا الأستاذ نمر مرقس، إنما شعبنا كله الذي صمد في وطنه، وبقى لفتره طويلة تحت أعباء الحكم العسكري، بين مآسي فرض التصاريح علينا للوصول إلى أراضينا، القريبة منا أو الى محّال أعمالنا.
لم ينس المرحوم جميلي، فقد زارني أكثر من مرة، وأكثر من مناسبة، غير أني في العقود الأخيرة، وهذا ما يؤسفني، لم اشد خيوط الصلة، ولم أمكنها، تلك التي تربطني بالمرحوم، نتيجة للظروف الاجتماعية والحياتية الصعبة في بلاد السمن والعسل.
وما هذا الخلل الا تقصير فادح من جانبي، لان بلد المرحوم كفر ياسيف ليس بعيدا عني، وهو الذي تعلمت فيه وتربيت، وأخذت عنه الكثير الكثير من الأمور الهامة الاجتماعية والسياسية.
وثانيها: في حين كنت أتعلم في مدرسة كفر ياسيف الثانوية، زمن المرحوم رئيس المجلس يني يني ما بين 1954-1958، كان هنالك اجتماع في النادي الثقافي في كفر ياسيف لانتخاب رئيس النادي والهيئة الإدارية له. وكون مثل هذا الأمر غريبا مني وعلي رغبت الحضور. والخليق بالذكر اني حضرت ولكني لم أناقش، ولم انتخب، وإنما استمعت ورأيت ما يدور داخل النادي ليس الا. فلقد أعطى الجمهور كل الثقة والتزكية للأستاذ نمر كي يكون رئيسا للنادي.
لم يفاجأ أستاذنا، لأنه أهل لها، غير انه بأسلوب هادئ وجذاب وقف وشكر الجمهور جزيل الشكر وقال: اعذروني، أنا اعمل في الحزب الشيوعي، وفي كتلة المعلم الديمقراطي، وفي عدة مجالات، لذلك ليس بمقدوري القيام بخدمة هذا النادي. نادي الجميع، كما تتطلبه قدسية هذا المنصب الحساس. وعلى الرغم من عدم القبول، الا اني سأظل معكم، قلبا وقالبا، متعاونا بأمانة صادقة مع الرئيس الذي تنتخبونه، والهيئات الإدارية. وسأبذل ما تتيح لي الفرص في هذا السبيل ان شاء الله.
وبعد ان عرض أستاذنا رأيه على المجتمعين، وبعد ان ملأ قلوبهم ونفوسهم رضا وإعجابا، استمالوا لرأيه، وتمت عملية الانتخاب بشكل ديمقراطي، وهكذا كان.
وهنا ايها الأخوة والأخوات، القراء والقارئات، لا بد من وقفة قصيرة عند جواب فقيدنا، انه درس ذو قيمة عالية، قدمه لنا في تلك المناسبة، يكشف عن شخصية مثالية ذات ثقافة وطنية وشعبية لا تنزرع في صدور الكثيرين في مجتمعنا.
فهو لم يمسه الغرور بتلك الثقة، ولم تشعله نار النرجسية حيث لا وقت فراغ عنده للعمل وتطوير النادي.
وهو لم يقبل رئاسة النادي، لأنها ليست متعة، وليست رحلة أو زعامة، كما يفكر البعض من الناس. انها مسؤولية صعبة ومقدسة تعود بفوائدها على كل فئات المجتمع.
مع ان كثيرين يطمحون إليها، فيجلسون على هذه الكراسي شهور وسنين، فلا تقدم لهذه النوادي، ولو بعدة خطوات، وبالطبع من لا يتقدم يتأخر.
إنني اكتب هذا الكلام عن إنسان بذل جهودا مضنية في جميع حقولنا السياسية والاجتماعية والتربوية، يعترف بها ويقدرها أبناء شعبنا خالص التقدير ولكني مع ذلك كله لست بصدد، بحث تلك النواحي في هذه العجالة، وقد اكتفيت بتلخيص ما حددت من المواقع التي أشرت إليها أول حديثي.
ولم يكن بد لي بعد من الموقع الثالث الذي عرفت المرحوم أكثر مما كنت أتوقع.
فقد دعيت وعقيلتي قبل عدة سنوات لحضور مهرجان في كفر ياسيف لتوزيع شهادات تقدير على الذين اشتركوا في مظاهرة أول أيار سنة 1958.
وكانت المفاجأة الكبرى، هناك وجدت المرحوم يجلس بجانب الدكتور أحمد سعد، ولي معرفة معهما، سلمت على الدكتور، وقبلت الأستاذ نمر في صباحه، وقلت له: كيف حالك يا أستاذ، أجابني مندهشا: أحمد علي طه - المختار قلت له "أصبت"، قال أهلا أهلا اجلس بجانبي.
أربعون عاما من الغياب! من صوتي عرفني، وذكر اسمي كاملا، كان ذكيا ولا شك في ذلك. وكان ذا فطنة لا ينكرها أي واحد ممن عرفوه ورافقوه طيلة حياته.
صحيح انه مات لكنه أقوى من النسيان، وهذه الذكريات مهما يطول الزمان، ومهما تتغير الأمور والأحوال لا ولن تغيب عن البال، يا معلمنا الغالي على قلوبنا جميعًا.
(دير الأسد)
