لا غرفة التوقيف باقية ولا زرد السلاسل (2)

single

*تربيت في كنف الحزب الشيوعي، ذلك الحزب الذي وقف، فورا بعد النكبة، وحيدا عاريا حافيا أمام جبروت السلطة الصهيونية. قوته تمثلت بالفهم العميق للصهيونية بكافة مركباتها وأهمها خبثها وكذبها ومبدأها المقدس القائم على اساس "فرق تسد". تلك التربية الجليلة التي نمَوت فيها وعملي السياسي على مدار تعلمي الجامعي وقبله وبعده، جعل فهم ديناميكية السجون كأمر مفروغ منه وواضح لي حتى دون الحاجة لدرس "علم السجون" وهوسي بذلك*

 


بكت أم أمامي، ابنتها ممنوعة من زيارتها وهي مقبلة على زواج ليستا راضيات عنه. تمكنت من تقديم طلبات والضغط على اتمام الزيارة، الأمر الذي أوصل لفسخ ذلك العقد. (نجاحي ذلك، جعل مني شبه أسطورة فكل من لها مشكلة تتعلق بالزيارات أو بمشاكل عائلية تتعلق بتجاهل العائلة، تتوجه لي وتحدثني عن أدق التفاصيل).
كما أن عدة طلبات شخصية هنا وهناك قد حصلت عليها، ناهيك عن طلبات أفتخر بنجاحها شبه الفوري اذ كانوا يهددون بمصادرة جميع الهدايا التي تخرجها الأسيرات معهن بتحرر احداهن، طلبي استجيب له بشكل فوري وأعيدت الأغراض لأصحابها بدلا من أن "تصادر" أو بشكل أدق تنهب.
لم يرق لي هذا الدور تماما لأنني لست بصدد أمور شخصية وانما هدفي تغير أشمل من ذلك، فقمت بتقديم طلبات ومناشدات عامة جزء منها كان آيلا للفشل منذ البداية فهو بحاجة لعمل محوري عام أوسع وأشمل من البقعة التي أتعامل فيها، وأما الجزء الثاني فللأسف عرفت خبث المستعلين للالتفاف عليها بواسطة تمرير طلبات شخصية لبعضهن على حساب التنازل عن المطالب التي قدمتها، فكمن يقلد مشية الحجلة وينسى مشيته فلا مطالبهن الشخصية يتحقق الا بعض منها والعامة تتنازلن عنها فيتوجهن إليّ راجيات مساعدتي ومساندتي الشخصية على الأقل، استصعبت حتى ذلك خاصة عندما أرى شخصية تساوم أمامي على حق مشروع لها واضح، وأنا كنت قد قمت بتوضيحه أمام الجهة التي تحاوره هي أمامي.
**
الحمد لله لم أواجه ذلك المصير مع آمنة بل عكسه تماما، الطلبات العامة سارت على أتم ما يجب وأما الخاصة فحصلت عليها عن "طريق الصدفة"، اذ أن من عاشر قوما أربعين يوما صار منهم، وبما أنني عاشرت طويلا الخبثاء المستعلين فصرت نوعا ما أستخدم أساليبهم دون الانتباه لذلك.
مرة وأنا أحدثها عن مستجدات الطلب العام الذي قدمته أخبرتها أنه في السجن الآخر سمحوا بزيارة مفتوحة للأهل (أي دون الحاجز الزجاجي)، هل ستأكل الطعم وتتنازل عن بعض المطالب العامة مقابل هذا المطلب الذي لم تحصل عليه لسنوات عدة (سألت نفسي).
طبعا كلا، المطالب تمت كما يجب وذلك بحسب الآخرين ممن هم ليسوا معها، وحصلت عن طريق الصدفة على تلك الزيارة المفتوحة. لن أفصل الصدف الايجابية بالسجن كي تتكرر.

**
بداياتي كانت صعبة وشاقة، التحريض ضدي كان جاهزا فلا شكلي ولا مظهري ولا تراكميات تجارب سابقة مع آخرين غيري سهلت عليّ بداية مشواري ذاك، عانيت من المقاطعة، الا أن تلك الأم قد عرفتني منذ البداية وهي التي أعطتني فرصتي بالعطاء وأنا كلي أمل أني لم أبخل عليها ولا على علاقتها بعائلتها.
لم أحزن حينما علمت أن احدى المحرضات قد حصلت على أفضلية معينة بشكل شبه علاج طبي، قلت (صحتين عليها، أخرتها تندم عغلطتها) وهذا ما حدث لاحقا.
**
تربيت في كنف الحزب الشيوعي ذلك الحزب الذي وقف، فورا بعد النكبة، وحيدا عاريا حافيا أمام جبروت السلطة الصهيونية وحكمها العسكري وأذرعه القمعية العنيفة، ونجح بكسر ودحر مخططاته وارجاع لاجئين واقناعهم أن الأسبوعين (حسب وعد الأنظمة العربية) هي كذب ووهم، فلسطين هناك ولا شيء سوى هنا.  لم يجد بدا من أي امكانية لأي كفاح مسلح في ظل ظروف مستحيلة وفي صراع بقاء جنوني. طبعا قوته تمثلت بنظري بالفهم العميق للصهيونية بكافة مركباتها وأهمها خبثها وكذبها ومبدأها المقدس القائم على اساس "فرق تسد".
تلك التربية الجليلة التي نموت فيها وعملي السياسي على مدار تعلمي الجامعي وقبله وبعده، جعل فهم ديناميكية السجون كأمر مفروغ منه وواضح لي حتى دون الحاجة لدرس "علم السجون" وهوسي بذلك.
 **
أذكر صوت عبير عمرو بالهاتف أول وصولها الى بيتها توصل أمانة أمونة بسلامات وغيرها وتشكرني على كل شيء.
ربما قلة تواضع مني، لكن تلك الأسيرة المحررة لم أتابع قضاياها ولا همومها الا جزءًا يسيرًا جدا وحتى أني أظن أنني ربما أرهقتها بمحاولاتها لفهم كنه غرابتي وهوسي العجيب. أما الباقي، أين الباقي!؟ ممن كنت أجري اتصالات من أجلهن حالما أخرج من بوابة السجن لأطمئن أحبتهن أو ليبقوا على تواصل معهن عبر الاذاعات، وممن تابعت طلبات شخصية وعامة لهن وحصلت لهن على أمور جوهرية لمن يعاني الأسر، وكنت على حد قولهن وقول أحبتهن دعما وسندا. 
تأثرت كثيرا، لكني قدرت اللحظة وقدرتها كثيرا.
**
بعد لقائي الأول بها مباشرة التقيت بشخص منظره يوحي بالغرابة، لم أكن قد أجريت بحثا تفصيليا عنها الا أنني سمعت كلمة رمتها معزولة ذكية ومجنونة قالت فيها عن تلك الغريبة أنها لا تؤتمن على أمور. كنت أعلم أنها تضع نفسها منافسا لتلك العزيزة، حاولت تدقيق النظر بماذا يمكنها أن تنافسها!! فلا مجال للمقارنة ما بالك بالمنافسة، لكن مع استمرار حديثها المكثف فهمت أنها نجحت عدة مرات بقول جمل تروق لي وكأنها سرقتها من مجموعة أفكاري، وبما أنني تربيت في حضن حزبي الذي من ضمن ما نبهني اليه الرفيق وأبي الروحي تنظيميا وسياسيا دائما كان يقول لي: احذري من يحادثك بجمل جميلة وطنانة احذري من ينفخ بنفسه وأحذري أكثر وأكثر ممن يتحدث بكلام أكبر من حجمه بدرجات.
استذكرته بخيالي وابتسمت ابتسامة بلهاء اذ انه حينما حدثني بذلك الحديث استهزأت به أن يحدثني عن طرق قد أكل الدهر عليها وشرب، من المفروض، ولكن ابتسامتي اتسعت أكثر وأكثر عندما استحضرت بمخيلتي شخصية في مسلسل سوري جميل فيها أيضا استهزأت ولكن ابتساماتي تلك تحولت الى ضحكة مكتومة (أو حاولت كتمانها قدر الامكان) عندما تذكرت محامين آخرين عاديين وقعوا بهذا "الفخ العسلي" وهو بعيد كل البعد عن العسل الطيب المذاق.
المهم أنني حاولت استقصاء ما هو الذي يثير ضجة ما، تستخدمه لاثارة تلك الضجة، وهي كانت تكملة لنصيحة رفيقي وأبي الروحي والحزبي الذي قال لي: اسحبي منهن علو صوتهن، بتنفسيهن زي البالون.
طبعا كالعادة علو الصوت مصدره كذبة كبيرة مبالغ بها، أما كيفية اظهار الكاذب لكذبته، فهي وسيلة مكتوبة في قصص أطفال الحضانة، امنحه ثقتك وأجعله يكبر ويضخم من كذبته أكثر وأكثر حتى تنفجر بوجه صاحبها، لذا عملت كل ما بوسعي لتأكيد صدقي بالتعامل مع تلك الكذبة.
المسرحية كانت من المفروض أن تمر بسلاسة الا أن محاولات لتدخلات من قبل الأميرة وحتى أحد أفراد عائلتها لاقناعي أنني ساذجة ولا أفهم من يقف أمامي، ردي كان قاسيا للأخيرة للأسف خوفا من أن تضع هي نفسها في موقف مكذب الكذبة قبل أوانها فتنفجر في وجهها بدلا من أن تنفجر في وجه أصحابها.
ردي ذاك قد كلفني غاليا مستقبلا حالة الشك التي أعاني منها ارتفعت لديهم.
**
تكاثرت الأسئلة والتساؤلات وتخطت حدود السجانين لتصل لاسيرات وليشرعن بتحريض قريب لي أن يسألني هل هناك منفعة مادية لاهتمامي الواضح بتلك البطلة... في البداية استهزأت بتلك التساؤلات لكنني فطنت لحقيقة عرفتها منذ نعومة أظفاري أن الهم الأكبر للصهيونية ومبدأها وقاعدتها الأولى هي المادة والأرباح المالية لذا ضرب لأي تمويل وأي مصدر ضربا لا يرحم هو أمر حيوي، كما أنه من جهة أخرى رئيسهم الحالي قد سرق مقولة وألصقها لاسمه: أصعب مواجهة هي مواجهة متطوع.
فما بين قلة الرحمة وما بين مواجهة فتاكة اعتقدت أنه بامكاني المراوغة.
**
وافقت على عرض عمل مع جمعية توجه بعضا من أعضائها لا يتفق مع توجه التنظيم الذي تنتمي اليه آمنة.
بدأت بالعمل وفي بداياته تم ايقافي والتحقيق معي عن من يدفع مقابل عملي لم أكن قد أخذت مقابلا لعملي ذاك لكنني فهمت انذارهم، هم يريدون مواجهتي كمتطوعة وستتوقف التساؤلات تلك.
ارتحت لهذا الحل، وفطنت لأمر آخر قد ذكره مفكر صهيوني أمامي، النقد البناء ليس شرطا أن يصدر من أصدقائك ولكن النقد البناء الحقيقي يصدر من ألد أعدائك فهم يبحثون عن نقاط ضعفك كبحث الجرذ على الجبن. فتساءلت بيني وبين نفسي هل يرون بي الجرذ المفيد بالمجان.
**
بدأت بمحاسبة نفسي نعم نجحت بادخال أطباء لمعالجة اسيرات، لا بل نجحت بعد يوم متعب وشاق بالاتصال بالحاكم العسكري والضغط عليه حيث فشل الارتباط لمنح تصريح لطبيبة لعبور الحاجز لأجزاء أخرى من وطنها كي تتمكن من معالجة أسيرات. لكنه رفض ارسال التصريح للارتباط واشترط مثولها بالمبنى العسكري. نعم خرقت نقطة ضعف لكنني حصنتهم لاحقا من طلبات مستقبلية. حصنت أوامرهم واجراءاتهم المكتوبة المتعلقة بالسجون، فأعادوا نصها من بعد سلسلة طلبات قدمتها تحققت. غيروا الجهات المخولة باعطاء الموافقة على العديد من الطلبات المكررة.
هل أنا في مواجهة حرب استنزاف فيها الرابح الأكبر هو من له الكلمة الأخيرة. (يتبع)

قد يهمّكم أيضا..
featured

بلاغ روسي-ايراني قويّ

featured

هل لهؤلاء دين وأي دين يدينون؟ لا دين لهم

featured

نحن بحاجة لبدائل مؤثرة فعلا

featured

اسرائيل ضيفة أنظمة الخليج!

featured

"رَفْرِفْ لِوَاءَكَ وانْتَصِبْ أَيَّارُ"

featured

الى جهنمَ وبئس المصير أيها الاوباش

featured

إمتحان في الصمود والثبات!

featured

الحرب الســـــــــــورية… مــــــــــؤامــرة القــــــــــــــــــــــــرن