الحرب الســـــــــــورية… مــــــــــؤامــرة القــــــــــــــــــــــــرن

single

فوجئ العالم بالعدوان الثلاثي على سوريا فجر يوم 14 أبريل/نيسان بدعوى استخدام الجيش النظامي السوري لأسلحة كيماوية محظورة دوليا والذي شمل إطلاق حوالي 110 صواريخ من قبل سفينتين أمريكيتين من البحر الأحمر، وطائرات تكتيكية فوق البحر الأبيض المتوسط، وقاذفات "بي 1 بي" باتجاه أهداف محددة مدنية منها و عسكرية في دمشق و نواحيها أسقط معظمها من طرف منظومة الجو السوري التي أبانت عن قدرة عالية في التصدي لمثل هذا الهجوم، دون اللجوء لمساعدة الروس الذين تعمدوا عدم المشاركة حيث اكتفوا بجمع وتحليل معطيات القياس عن بعد العائدة للصواريخ الأمريكية "الذكية" التي وجهت إلى سوريا، وأنواع الصواريخ المجنحة وخصائصها وسرعتها واتجاه طيرانها خاصة صواريخ كروز من نوع AGM.158 سلاح جو أرض الذي يتميز بقدرته على التحليق لمدى بعيد ومصمم لإصابة مختلف الأهداف بدءا بأنظمة الدفاع الجوي و انتهاء بالمباني الكبيرة و الجسور المحمية و الاجسام المدرعة الأخرى.
إن عدم الرد الروسي في أوانه على الهجمات المدروسة سلفا والتي توخى من خلالها الغرب سحب بساط "الحرب بالوكالة" من تحت أقدام روسيا وإظهارها كمناصر ضعيف لا ينصح لأية دولة من الدول الاعتماد عليه لحل الازمات جعل روسيا تتعامل مع الموقف بحذر ودهاء سياسي و استراتيجي خطيرين، حيث ارتأت انه من السابق لأوانه إظهار أحدث أنظمتها الدفاعية ما دام العدوان لم يمس قواعدها العسكرية في حميمين و طرطوس بسوريا واقتصر على منشآت سورية صرفة.
فروسيا لديها احتمال كبير أن يبادر الغرب إلى شن ضربة أخرى لسوريا أكثر قسوة من سابقتها، حينها ستضطر إلى استخدام أنظمة صواريخ S400/S300 الأعلى تقنية ونجاعة في العالم للحفاظ على دم وجهها و كبريائها، والتي من المحتمل أن تسلمها للنظام السوري رغم إصرار الدول الغربية وإسرائيل خصوصا التي تلقت وعدا صريحا من روسيا بعدم امداد القوات السورية بهاته الانظمة الصاروخية سنة 2013، مقابل أن تبتعد اسرائيل أقصى ما يمكن عن التورط في الصراع الدائر في المنطقة، و هو ما لم يستطع نتنياهو الوفاء به، والمرجح أن يكون تسليم سوريا سرا لمنظومة S300 قد بدأ فعلا الشيء الذي أكده الخبير الروسي العسكري كونستانتين سيفكوف، "لمصلحة الأنباء الروسية" من خلال ملاحظته للحركة الدؤوبة للسفن الحربية الروسية بموانئ سوريا بعد العدوان، والذي خلص في حديثه بأن ما يحدث الآن في الأراضي السورية هو تحول هائل في المواجهات العسكرية بين الدول، فالولايات المتحدة الأمريكية كانت تعول على حروب آلية تشنها عن بعد "بصواريخ ذكية" من دون أن تلامس الجيوش الهدف أو العدو المرتقب مباشرة ليتضح الآن أن هذه الاستراتيجية الحربية غير فعالة و أنه يمكن أن يتم تدمير صواريخها حتى بواسطة أنظمة الصواريخ التقليدية القديمة في حال إدارتها بشكل جيد، وهو ما حصل إثر الهجوم الثلاثي على سوريا حيث تم اعتراض صواريخ كروز وصواريخ توماهوك بصواريخ قديمة S125 و 200 S سوفييتية الصنع .
إن جميع المؤشرات و القرائن تدل على أن روسيا في عهد رئيسها فلاديمير بوتين لم تكن في سبات عميق طيلة السنوات الفارطة، بل كانت متيقظة وبشكل غير مسبوق لتراقب و تتبع التحركات الغربية وعن كثب لمعرفتها المسبقة بان التحالف الغربي له رغبة أكيدة في جرها الى مستنقع الحرب الباردة ولم لا الى مواجهة عسكرية استنزافية، وهذا غير وارد الآن و ذلك من خلال الاستفزازات المتتالية تارة بدرع صاروخي أو توسع أطلسي في الدول السابقة للاتحاد السوفييتي، وتارة بإشعال فتيل الحرب مع غريمتها أوكرانيا وتارة أخرى بطرد ديبلوماسييها "الجواسيس" وإغلاق قنصلياتها ببعض المدن الأمريكية والبريطانية على اثر حادث تسميم سيرغي سكريبال الجاسوس المزدوج بغاز "نوفيتشوك "أو بحرمان لاعبيها من المشاركة في المنتديات الرياضية الكبرى بدعوى تعاطيهم للمنشطات، لينتهي التصعيد الغربي بالبوابة السورية وتضحى مواجهة صريحة وشاملة الهدف منها عزل روسيا سياسيا واقتصاديا عن بقية العالم وإبرازها كمصدر للشر بامتياز .
إلا أن الدب الروسي، وإدراكا منه للهفوات والمطبات التي توضع له للدفع به باتجاه ما بات يعرف "بالحرب الباردة 2"، اتسم رده في كل مرحلة من هذه المراحل ببرودة الاعصاب والتأمل مع الوعي التام بعدم إمكانية الرجوع إلى الوراء خصوصا أن الأمر يتعلق بسوريا الحليف الأول لها، والبوابة الرئيسية لموضع القدم في الشرق الأوسط، والذي على أساسه اختارت الرد على العدوان الغربي بسلوك ردة فعل ديبلوماسية سعت من جرائها فضح، وبالحجج، أسباب العدوان الثلاثي على سوريا في مجلس الامن بالأمم المتحدة مؤكدة على أنه عدوان جائر يفتقد إلى الشرعية الأممية و خارق لكل الأعراف والمواثيق الدولية، مرجحة سلوك خطوات سياسية ودبلوماسية عوض استعراض العضلات العسكرية على دولة ذات سيادة تعيش من الازمات ما يكفيها نتيجة المؤامرات المبرمجة سلفا من قبل بعض الدول الغربية ذات التوجه الاستعماري و التي تسعى جاهدة الى خلق بؤر التوتر في المنطقة وإعادة ترتيب موازين القوى حسب سيناريوهات معدة سلفا و منذ زمن لذلك.
ورغم كل هذا، تتوقع روسيا أن الدول المعتدية على سوريا ستدفع بالعلاقة مع موسكو نحو مزيد من التصعيد، وتبقى القضية السورية هي الإطار العام الذي ينبغي عليها مواجهته مع الغرب خلال المرحلة المقبلة التي ربما ستشهد تصعيدا عسكريا إذا ما فشلت القنوات الديبلوماسية و السياسية في تقريب وجهات النظر بين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين، حيث من المرتقب أن يقوم هذا الأخير بزيارة الي البيت الابيض في غضون الايام المقبلة والتي من المحتمل أن يطالب فيها الرئيس الأمريكي من الرئيس الروسي مقابل رأب الصدع بين البلدين و التخفيف من حدة التوتر بين الغرب وروسيا بنصيب الولايات المتحدة الامريكية وحلفائها من الكعكة السورية مع الضغط على روسيا بقبول مشروع "جون بولتن" مستشار الامن القومي الأمريكي والقاضي بتقسيم سوريا إلى ثلاثة كيانات سياسية مستقلة في قرارها السياسي عن دمشق العاصمة مع الإقرار بالكونفدرالية السورية على غرار العراق، الشيء الذي لن تقبل به تركيا خاصة في الشمال الشرقي لسوريا المتاخم لحدودها وهو ما تعتبره خطا أحمر لا يمكن تجاوزه وكل تفكير في إنشاء حكم ذاتي كردي في هذه المنطقة ليس إلا تهديدا صريحا لأمنها القومي .
إن الولايات المتحدة الامريكية لم تستسغ نجاح "قوات النظام السوري بمساعدة روسيا الاتحادية وإيران و ميليشيات حزب الله" كما تسميهم بتضليل، في استرجاع نصيب مهم من أراضيها %80، والقضاء شبه الكلي على الميليشيات الارهابية لداعش وجبهة النصرة وعودة اعداد من المهجرين إلى مدنهم وقراهم والبدء في التخطيط من طرف النظام السوري لإعادة الإعمار في الاراضي المسترجعة ، والذي سيكلف أزيد من 500 مليار دولار ستكون الشركات الروسية المستفيدة الأولى منه. كل هذا يثير حفيظة دونالد ترامب ويجعله غير راض عن موقع الولايات المتحدة في الساحة السورية و ليس على استعداد لإخلاء الساحة لغريمه بوتين خاصة وأن العملية تفوح منها رائحة ملايين الدولارات.
إن الرئيس الامريكي الحامل للواء "أمريكا أولا " غير آبه بالوحدة السورية وسيادتها على أراضيها واحقية الشعب السوري في تقرير مصيره، هذا الشعب المتحضر الذي انتقل من التنمية الشاملة قبيل الازمة سنة 2011 حسب الشبكة الاقتصادية CNBC إلى الخراب الشامل نتيجة التآمر الغربي الدي يسعى جاهدا إلى تنفيذ "مؤامرة القرن" المتمثلة في زعزعة استقرار دول الشرق الأوسط عبر الفوضى الخلاقة من جهة و تهديدها "بالمد الشيعي الصفوي الإيراني" من جهة أخرى، بغية استنفاد ثرواتها وضمان خنوعها و تبعيتها اللامشروطة كأساس للحفاظ على الأنظمة الكلاسيكية المتوارثة داخل دول مجلس التعاون الخليجي .
إن المرحلة المقبلة في الملف السوري أشد خطورة من المراحل السابقة، فالحرب السورية التي تنوي بعض الدول الخليجية الخوض فيها كالمملكة السعودية وامارة قطر بعد أن ساهمت في تأجيجها علنا وفي الخفاء، إلى جانب قوات من الأردن ومصر والسودان و باكستان وأندونيسيا بأمر من الرئيس الأمريكي تحت ذريعة ما يسمى ب"الجيش الإسلامي العربي"، سيجعل المنطقة برمتها على صفيح ساخن، صفيح سيحرك دواليب الاقتصاد في الغرب لا محالة و يعزز الامتداد الاسرائيلي في الشرق على حساب القضية الفلسطينية و سنرى ما لا تحمد عقباه في الخليج العربي خاصة أن بوادر الأزمة بين المملكة العربية السعودية و الجمهورية الاسلامية الايرانية من جهة و التصعيد اللامسبوق بين ايران واسرائيل من جهة أخرى قد لاحت في الأفق مما سيجعل سوريا لا محالة ساحة لمعارك حامية الوطيس.
وتبقى القضية السورية ككرة ثلج لا تذوب متأرجحة بين أستانا وجنيف على أمل انهاء خلاف عقيم بين معارضة سورية منقسمة حسب الولاء للدول الحاضنة و الداعمة لها و نظام مستبد جعل من الحجر و البشر حقل تجارب لأبشع الاسلحة و العتاد و التفرقة على أساس طائفي و عقائدي مع التهجير القسري، و تجاذب قوى إقليمية ودولية استطاعت ان تجعل من أرض الشام حقل تجارب على شعب ذاق الويلات أبت الدول الثرية الشقيقة احتضانه ليرتمي، لا طوعا، في أحضان غرب لا يعرف من الرحمة إلا الإسم.



*الكاتب: الأستاذ السعيد بنخديجة، خبير في العلاقات الدولية ورئيس المركز المغربي للدراسات الاستراتيجية لروسيا الاتحادية./ (المغرب)

قد يهمّكم أيضا..
featured

المصالحة واجب الساعة

featured

من ذكريات شيوعي مخضرم

featured

على كرسي الاعترف

featured

9 سنوات على انتفاضة 2000: وكأنّ توحّش الاحتلال يشير الى محدوديّات قوّته

featured

"فِش مين يدفش"؟

featured

في الرعب من ذاك التنظيم

featured

السّلطتان الفلسطينيّتان