9 سنوات على انتفاضة 2000: وكأنّ توحّش الاحتلال يشير الى محدوديّات قوّته

single

مهما حدث ستظلّ تأتي وتشرق أجيال من المناضلين الفلسطينيين الشباب

 

بالنسبة للفلسطيني ولمن يوافقه الرأي والسعي الى التحرر الوطني وممارسة حق تقرير المصير، كانت انتفاضة 2000 معركة تحررية لها اسبابها الموضوعية وأولها الاحتلال. ولكن الامر ليس كذلك بالنسبة للاسرائيلي التقليدي بيمينه ويساره. فقد رأى فيها مجموعة من أعمال العنف، لا بل هاجم  الفلسطيني لأنه لجأ الى العنف ليحقق أهدافه السياسية. وكأن الفلسطيني قد أتى بجديد لم تعرفه الشعوب من قبل في مراحل نضالها على التحرر.
عمومًا، تبدو نضالات الشعب الفلسطيني بالعين الاسرائيلية المجرّدة من التعمّق، مجموعة افعال عنيفة غير مترابطة لا يجمعها شيء، لا سياسة ولا غيرها. فالانتفاضة كانت في ذلك العرف السقيم بالاستعلاء، وبالتالي بالانحطاط الأخلاقي، فعلا ادائيًا أحاديّ البعد وكأنه يقع خارج مسيرة التاريخ. وبالطبع فان إخراج فعل التحرر من التاريخ يعني (او انه اشتقاق من) اخراج الشعب نفسه خارج التاريخ، وهو ما يوازي إنكار إنسانيته. في هذه الحالات كان ولا يزال يجري استحضار الصناعة الرائجة، "الارهاب" طبعا، كخطابٍ اسرائيليّ دعائي مخطط ومحسوب.
 لقد حدث في مراحل الانتفاضة الثانية المختلفة فرز جديد داخل الضباب السياسي الاسرائيلي. لم تعد التسميات تلائم مقاييس المسمّى. فكل معسكر في هذه الدولة بات يسلك في العمق بشكل يطابق خصومه السياسيين الداخليين من حيث تعريف المصالح التي يزعم أنه يقتضي التشدد حيالها، وعبر تأجيج العنف العسكري المنظم. وها هو "العمل" يشارك "الليكود" في الحكم اليوم، بعد أن كان شريك "الليكود الجديد" (كاديما) أمس. فالجميع بعيدون بنفس المقدار تقريبًا عن الاعتراف بالحق الفلسطيني العادل. أو لنقلْ: جميعهم متفقون بنفس القدر على تعريف "مصالح اسرائيل الأمنية"، والتي تشكل التسمية الحركية للسعي الاسرائيلي الى الانتقاص من حق الفلسطيني، بل من قيمته الإنسانية أيضًا.
لقد ساد على الدوام اجماع اسرائيليّ على تحويل احتلال عام 1967 الى واقع دائم لا يجري الخوض فيه كحالة متكاملة. بل الخوض التكتيكي داخل مساحته المحدودة لا غير، وفي كل القضايا: تلك التي سبقته وتلك التي انتجها وكذلك التي ستترتب عليه مستقبلا. فمن جهته، خطط اليمين تاريخيًا لاستكمال تأسيس الدولة بالضم الكامل بينما اراد "اليسار" تأسيس التسوية عبر فرض حدود اللعبة في أقل من حيّز احتلال 1967 وفي أقل من حدود الحق الفلسطيني المتكافئ. فماذا كانت النتيجة؟ عندما رأت جميع معسكرات اسرائيل السياسية، المرة تلو المرة وصولا الى انتفاضة 2000، أن الشعب الفلسطيني يرفض أن يبدأ عدّ التاريخ من بداية تقويم الاحتلال الاسرائيلي عام1967 بل يصرّ على فتح الملفّات القديمة، "الخطيئة الصهيونية الأصلية"، تمترست جميعها في خندق البنادق كعادتها الاستحواذية. لأنها في الحقيقة ترفض الانتقال الى عهد التسوية بمفاهيم التسوية، بل تتوهّم بقدرتها على الانتقال اليه من خلال المراوحة فيما كان، أي في مساحات صنع السياسة بالقوة العسكرية.
ولنترجم هذه الكلمات: إن قضايا كاللاجئين وحقوقهم، والاملاك الفلسطينية التي جرت السيطرة عليها ونهبها، والتطهير العرقي عام1948 ، والاعتراف بالمسؤولية عن ذلك، هي قضايا خارج مساحة المسموح به في العرف الاسرائيليّ الاجماعيّ الراهن.
طبعا ستظل الصورة ناقصة تماما بدون التأمل في الموقف من الاستيطان والمستوطنين، وهذا يقتضي العودة بضع سنين الى الوراء.. الى يوم اغتيال رئيس الحكومة الاسبق يتسحاق رابين عام 1994. فبعد هذا الفعل القاصم في الواقع السياسي الاسرائيلي، والذي كان مدفوعا بحالة عامة من الهوس الاستيطاني والمسيحاني الغيبي لوأد أية امكانية للخروج الى فضاء سياسي مختلف ولو بقليل فيما يتعلّق بالعلاقة مع الفلسطيني، سارع المعسكر الذي قاده رابين الى اقتصار كل ذلك على "عمل فردي" ارتكبه "شخص متطرف" ضد رئيس حكومة اسرائيل. وهكذا انسجم "معسكر أوسلو الاسرائيلي"، في محاكاة للسينما، داخل عملية اخراجٍ وعرضٍ للحدث بالاشتراك مع المنتجين من اليمين المتطرف. يومها ألغى "معسكر أوسلو الاسرائيلي" فعل الاغتيال وألغى ذاته السياسية. ولم تمرّ فترة طويلة حتى رأينا حكومة ايهود براك تضم الآباء الروحيين لمنفذ اغتيال رابين، من زعماء القوميين المتدينين الاستيطانيين.
ما كشفته انتفاضة 2000 هو أن جميع أجزاء الإجماع الاسرائيلي، بما فيه "معسكر أوسلو" اصيبت بنوع فتّاك من عمى الألوان السياسي، لأنه لم يفقدها رؤية الألوان فقط، بل أفقدها ألوانها هي أيضًا. فهذه الانتفاضة انطلقت بمسؤولية "معسكر أوسلو الاسرائيلي"  الذي قاده ايهود براك. والذي اراد في البداية ممارسة الاملاء السياسي على الفلسطينيين، بأدوات الترهيب الدبلوماسي، وعندما فشل في "كامب ديفيد" (بفضل صلابة ياسر عرفات) اتجه الى الاملاء العسكري المتوحّش والمخطط مسبقا بأدق التفاصيل، قبل ان يتسلم منه البندقية (والدبابة الأمريكية) اريئيل شارون.
بعد تلك الفترة جاء مشروع الإحتلال الأضخم: اقامة جدار الضم والفصل العنصري. وهو صيغة مستحدثة لتنفيذ أشكال من "الترانسفير الداخلي" بغية تمرير مشروع "الحفاظ على كتل استيطانية" تتساوق مع "تطهير" خطوط الانسحاب الاسرائيلي أحادي الجانب من الفلسطينيين.
لقد وصلت الحال الى درجة تطور سياسيّ (منكفئ!) جديدة، في مركزها اجماع اسرائيلي مترامي الاطراف يمتد من حركة العمل التاريخية حتى طليعة المستوطنين اليمينيين. بهذه العدة استعد معسكر اليسار الرسمي بقيادة براك للسلام مع الشعب الفلسطيني. ووسط تداخل الحدود هذا، تبيّنت الحدود السياسية التي يخطط لها: مترامية الاطراف الى درجة غياب اية حدود لأية "دولة" فلسطينية محتملة!
اذن فما كان سيجري في مرحلة انتفاضة 2000 هو أشبه بالمتوقع: لقد واصل "معسكر أوسلو الاسرائيلي" الافتقار الى تميزه، حتى بصيغته المتخيلة، لصالح انخراطه النهائي في الاجماع القومي حول مائدة جاوره فيه دعاة الترانسفير والضم ورافضو أدنى شكل للتسوية السياسية مع الشعب الفلسطيني، قبل أن ينجرّ خلف أريئيل شارون. وليصل الى نهاية الطريق. لان مقوماته الاولية لم تكن تسمح بأكثر من هذا. فهو لم يخرج من الفضاءات الغيبية لـ "يهودا والسامرة" بل واصل التمسك بما اسماه "كتلا استيطانية"؛ لم نسمعه يتحدث ولو مرة واحدة عن حقوق وطنية مشروعة للشعب الفلسطيني بل صاغ المسائل فيما اعتبره ضرورة "التنازل" عن اجزاء من ارض اسرائيل لصالح الحفاظ على التفوق الديمغرافي؛ لم يغادر مساحات عقلية صنع السلام بالحراب؛ ولم يستوعب ان للفلسطيني حقوقا وطنية بل رأى فيه مجرد مصدر ازعاج يجب ازالته.
حاليًا، وصلت السفينة السياسية الاسرائيلية الى مناطق لم يعد من الممكن التقدم فيها. فالكلام البلاغي المنظم المغالي في التخويف والتضخيم بهدف التحشيد الجماهيري الاجماعي، لم يعد كافيًا لاخفاء الحقيقة الواضحة بأنه لا يمكن للقوة أن تفعل ما يفعله الايمان والأمل بالحق. فالوزن النوعي للقضية الفلسطينية، بوصفها قضية تحرر، سيظلّ في ارتفاع مستمر. ها هو الرئيس الأمريكي الحالي يتحدث بمفردات "عدم شرعية الاستيطان" "ووجوب انهاء احتلال 1967". فالاحتلال ينتج نقيضه من داخله، وهناك حدود للقوة مهما استثمرت قنابل بوزن طن من المتفجرات التي تطلقها طائرات "اف - 16" على الاحياء السكانية المكتظة. فالمفارقة (المؤلمة) هي أنه حين يجرى استعمال هذه الذخيرة الثقيلة المتوحّشة يبدو جهاز الاحتلال كمن أطلق النار على نفسه. وكأنه يشير الى حدود ما يمكنه المضيّ فيه.
أخيرًا، يظلّ سؤال لينين: "ما العمل؟" هو الأهم. سيظل الأمر منوطًا بسؤال الأسئلة: حكمة الممارسة الفلسطينية وصمودها، وإعادة استقطاب تضامن شعوب العالم مع مطالب الشعب الفلسطيني وحقوقه في قضيته العادلة. فلم يحدث أبدًا على امتداد التاريخ أن تحقق نيل المطالب لا بالتمنّي من قوى الاستعمار، ولا بالصلوات للسماوات، "ولكن تؤخذ الدنيا غلابا"!

قد يهمّكم أيضا..
featured

لطميّة النكبة وعرس العودة

featured

الدعوة الروسية لمؤتمر السلام الدولي

featured

لا تـعـنـيـنـي كـثـيـرًا...!

featured

متلازمة الكرب التنفسي عند الكهول

featured

أحمد سعد في الذاكرة

featured

مواقف حزبنا الشيوعي وسياسته أثبتت صحتها، خاصة في اللحظات الصعبة

featured

يوم الأرض – نقطة التحوّل في سطور

featured

زيارة غزة أمام اختبار الأفرقاء لإقامة الدولة