"خذوا أسرارهم من صغارهم.."، يقول مثلنا الشعبي. فما قولكم، أيها السادة، أيتها السيدات، في ما رشح من "مشاهدات" بعض الصغار - وليس صغار السنّ أو المنصب بالضرورة - من مسيرة العودة إلى لوبية الأسبوع الفائت؟
لم يروا الألوف المؤلفة، يأتين من كل فجٍّ عميق، رغم عراقيل الشرطة العنصرية واستفزازاتها، ورغم أنف الفاشيين الذين كذبوا الكذبة وصدّقوها.
لم يروا ردّة فعل أهل هذا الوطن، الفطرية والواعية في آن معًا، على تعريف وطنهم على أنه "دولة القومية اليهودية"، وعلى مخططات سلخهم عن بعضهم بعضًا.
لم يروا مئات الرايات تشرّف وترفرف، بالأحمر والأخضر والأسود والأبيض، بين زرقة السماء وزرقة البحرة. لم تخفق قلوبهم على نبض "موطني".
لم يروا الجيل الثالث والرابع للنكبة، أبناء وبنات صفورية ومعلول والمجيدل وميعار والدامون وحطين وإقرث وبرعم والبروة والبصة والكفرين واللجون وأم الزينات وعمقا والكويكات، أحفاد من ولّوا بظهورهم من هذا المكان، يصعدون برؤوس مرفوعة، بأعناق مشرئبّة، إلى لوبية، على وقع الأناشيد والهتافات.
لم يروا الكهول الذين ذاقوا مرارة النكبة، يتنفسّون هواء "طبريِّة"، ومعه الصعداء، مطمئنين إلى أنّ القضية في أيدٍ أمينة، في عشرات ألوف الأيدي الأمينة.
لم يسمعوا تلك السيدة السمراء الجميلة من المثلث التي أنشدت للوبية وأخواتها. لم يسمعوا الطفلين من عرّابة وهما يقولان: "كم يصبح سرحان مخيفًا.. إن فهم". لم ينصتوا للفتى ذي العينين الخضراوين وهو يوصل رسالة شقيقه الرافض الراقد في المستشفى.
لم يروا الأطفال الفرحين، يمرّون في النفق في طريق عودتهم إلى الحافلات والسيارات، غير آبهين بجنود "حرس الحدود" المدجّجين بالمسدّسات والهراوات، وبـ "خوف الغزاة من الذكريات".
لم يروا شيئًا.. إلا "بلوزة" هنا و"حومرة" هناك. يريدونها مسيرة لطم وبكاء، "احترامًا للشهداء". ونحن نريدها مسيرة تتدفق بالحياة، وفاءً للشهداء، وللأحياء، ولقضيتهم. يريدونها جنازة وطنية، ونريدها عرسًا وطنيًا فلسطينيًا جامعًا؛ عرسٌ للبقاء، والذاكرة، والعودة.
في اليوم التالي، قال بعض خطباء الجمعة: "ليست قضيتنا العودة لقرى مهجّرة، بل قضيتنا العودة إلى الإسلام..". والحقيقة هي أنّ المطلوب فعلاً هو العودة إلى الإسلام الحقيقي، البريء من تجارتكم ورجعيتكم، العفيف من خزعبلاتكم ووساوسكم، النظيف من خدماتكم، المجانية أو غير المجانية، للصهيونية والاستعمار.
