ليست المرة التي يخرق فيها ومن خلالها قادة حزبيين من حركة الإخوان المسلمين قرارات حزبهم ولا يلتزموا بها ، ويقومون بعمل يتعارض مع توجيهات قيادتهم ، ويترشحوا للإنتخابات النيابية في الوقت الذي يقاطع فيه الإخوان المسلمين صناديق الإقتراع ، حصل ذلك قبل هذه الدورة ، وهذه المرة مثل سابقاتها تعبيراً عن رفض هذا البعض لقرارات الحزب والجماعة ، أو تمرداً على قراراتهم ، والتمرد هنا لا يقتصر على المشاركة في الإنتخابات النيابية بل شمل عناوين أخرى منها مشاركة بعضهم في عضوية الحكومة خارج إرادة قيادتهم في مقاطعة الحكومة لأي سبب سياسي ، وقد سبق وفعلها إسحق الفرحان وكررها من بعده عبد الرحيم العكور ، وكلاهما من الذوات رفيعة المستوى والمكانة الحزبية في الحركة ومع ذلك إختار كل منهما المقعد الوزاري على حساب الموقع الإخواني ، أو أن يشارك بعضهم في عضوية الأعيان كما فعلها عبد اللطيف عربيات وسجل سابقة ، تبعها عبد المجيد ذنيبات ، فأمر المخالفة والتعارض لقرارات القيادة والخروج عن توجيهات الجماعة ، بات أمراً مألوفاً وعادياً وسلوكاً إنسانياً ، مثلهم في ذلك مثل أي حزب سياسي وسطي أو قومي أو يساري بمعنى لا ميزة يتحلى بها قادة حركة الإخوان المسلمين عن غيرهم من قادة الأحزاب الأصولية أو القومية أو اليسارية .
النفس الإنسانية مشبعة بالرغبة ، ومليئة بتعدد الخيارات ، وواسعة الإجتهاد في الخروج عن المألوف وعن الجماعة ، خدمة للذات أو إستجابة للطموح المشروع ، سواء كانت هذه النفس في حركة الإخوان المسلمين أو لدى أي من الأحزاب القومية أو اليسارية ، أي أن الإنتماء لحزب معين ولتيار محدد لا يحصّن صاحبه من الإغراءات والتطلعات والرغبات الكامنة ، سواء كان صاحبها أصولي أو قومي أو يساري .
ولكن الشيء المكشوف ، والمستهجن وغير المقبول ، إدعاء التفرد في القيم ، ومحاولات توظيف الدين أو الإسلام لصالح الفرد أو الحزب ، وإستعمال الدين والإسلام غطاء لسلوك وتحزب ، وإعطاء عن غير حق صفة التقوى والإصلاح للحزب ولأعضائه ، وكأنه لهم وحدهم دون غيرهم من البشر أو من المسلمين .
خروج هؤلاء عن إرادة الجماعة ، ومن قبلهم ، غيرهم ، يدلل على أن السلوك والرغبة والإنحياز لموقف يتعارض مع موقف الجماعة المعلن ، حالة إنسانية ذاتية طبيعية ، تحكمها مصالح الفرد ورؤيته وإجتهاده ، ولا علاقة بالقرار الفردي بالمشاركة في عضوية النواب أو الحكومة أو الأعيان ، بما يتعارض مع قرار حركة الإخوان المسلمين ، لا علاقة ذلك بالإسلام أو الدين أو التقوى ، مثلما أن المشاركة بعضوية الحزب لا تعني التفرد عن باقي المؤمنين بالتقوى أو نكران الذات ، بقدر ما يعكس ذلك الرغبة في الإنخراط بالحركة والجماعة لتحقيق رغبة لا تتحقق بالعمل الفردي ، بل عبر العمل الجماعي الحزبي السياسي ، بإختصار حركة الإخوان المسلمين حركة سياسية عادية تكسب وتخسر ، تتقدم وتتراجع ، وفق المعطيات السياسية ، الموضوعية والذاتية ، مثلها مثل كل الحركات السياسية الرجعية والتقدمية ، اليمينية واليسارية ، الوطنية أو القومية ، لا ميزة عندهم ، سوى توظيف الدين وإستثماره لمصلحة الحزب والحركة والجماعة ، والدين لا ذنب له في ذلك .
لندقق في الحملة الإنتخابية للعام الحالي 2010 ، وكيفية توظيف الدين لمصلحة الفرد بهدف الفوز وإقتناص الموقع النيابي بإعتباره مكسباً ومنبراً ذاتياً فردياً بعيداً عن رؤية الجماعة أو أي حركة سياسية ، مع أن المنطق يقول أن العمل الجماعي الحزبي هو المفيد وهو الأقدر على توظيف الإمكانية الجماعية لتوصيل الفكرة بل وفرضها ، فكيف يستطيع فرد بمفرده القيام بعمل لم يستطع حزب تاريخي القيام به ، بدلالة مقاطعته للإنتخابات كشكل إحتجاجي في مواجهة تغول الحكومة وعدم إستجابتها لنداءات الإصلاح والتغيير .
تبرز في الحملة الإنتخابية ، إستغلال المقولات الدينية ذات المضامين وتطويعها بشكل إنتهازي مكشوف لخدمة الذات الأنانية وصولاً للمقعد النيابي :
- يرفع أحد المرشحين شعاراً يقول " لا تخونوا الله ورسوله وتخونوا الأمانة " وكأنه خليفة الله عز وجل ورسوله الكريم ، وهو الأحق بالتالي بالأمانة والصوت والظفر بالمقعد البرلماني ، وهو توظيف ساذج لأن تفسيره يؤدي إلى أن عدم إعطائه الصوت وعدم إنتخابه هو خيانة لله تعالى ولرسوله الكريم ، فهل ثمة توظيف وإستغلال أكثر من هذا ؟ .
- ويعتمد أخر على الأية الكريمة التي تقول " إن خير من إستأجرت القوي الأمين " ورد عليه أحد المرشحين في ندوة علنية عبر سؤال يقول وهل أنت قوي أمين ؟ - ويصل ثالث إلى إستنتاج قوي ان " الصوت أمانة تحاسبون عليه يوم القيامة " فكتب أحد المشاغبين على يافطة المرشح صاحب هذا الشعار ، كتب عليه تعليقاً بعبارة ذات دلالة تقول " ولهذا لن أعطيك صوتي " !!
وهنا يبرز التوظيف والتوظيف المضاد ، ويصبح الدين ومفرداته وقيمه النبيلة سلعة وغطاء للتسويق ، تسويق الذات أو الحزب أمام جمهور تربى على إحترام القيم الدينية الموروثة ، فتصبح هذه القيم موضع شك وحيرة حينما يتم إستغلالها وإستعمالها كأداة توظيف للربح والفوز وتحقيق المصالح الذاتية الفردية وصولاً للوظيفة أو الموقع أو الإمتياز .
وبنفس المعيار الموضوعي يتم تقييم ومحاسبة من خرج عن قرارات الحزب والجماعة وتنصل من إلتزاماته حينما إصطدمت رؤيته أو مصلحته مع رؤية ومصلحة حركة الإخوان المسلمين ، فخرج منها ومن تحت إبطها وعبائتها بحثاً عن مكسب شخصي أو موقع مغري ، ويترشح كمستقل ، وكأنه المنقذ أو الرافعة لتسفييه قرار حركته السياسية والعمل على إدانتها ونكران صواب موقفها .
حركة الإخوان المسلمين بهؤلاء وأولئك تدلل للمرة تلو المرة ، أنها حركة سياسية قوية إستفادت من تحالفاتها السابقة مع الولايات المتحدة الأميركية على المستوى العالمي طوال الحرب الباردة في مواجهة الإتحاد السوفيتي والمعسكر الإشتراكي وقوى التحرر وضد عبد الناصر وحافظ الأسد وصدام حسين ، وضد منظمة التحرير الفلسطينية وبرنامجها الوطني ، وتحالفت مع الحكومات الأردنية المتعاقبة طوال العهد العرفي قبل أن يبادر المغفور له الملك حسين بتصويب المسار الداخلي بإطلاق حرية العمل الحزبي ، الذي كان مقتصراً على حركة الإخوان المسلمين طوال مرحلة منع العمل للقوى السياسية والحزبية الأخرى الأصولية والقومية واليسارية وإستئناف الحياة البرلمانية الدستورية بعد تعطيل دام فترة طويلة من عام 1966 حتى عام 1989، تحالف خلالها حركة الإخوان المسلمين مع السادات وجعفر النميري ومع العربية السعودية ، قبل أن ينتقلوا اليوم إلى الدوحة وتصبح قبلتهم وأداة تمويلهم مستفيدين من قناة الجزيرة القوية وإدارتهم لها من خلال مديرها العام وضاح خنفر ونفر من الإخوان المسلمين في مطبخها بقرار سياسي وأمني من أصحاب الجزيرة والقائمين عليها .
حركة الإخوان المسلمين ، لا تختلف عن أي حزب سياسي ، فيه الصالح والطالح وفيه المعتدل كما المتشدد وفيها الإجتهادات والإنفعالات ، والتطلعات الفردية كما هي لدى سائر بني البشر ، ولذلك خرج من خرج وترشح من ترشح بما يتعارض مع قرارات الحزب والجماعة ، وهي ليست سابقة ، فقد سبقهم لذلك أفراد وقيادات نجح بعضهم ، وأخفق البعض الأخر وهكذا هي الحياة .
28/10/2010
