لشدة عمق مآسينا نفتش عن الصورة الأجمل في أوطان قبيحة، غارقة في الدم والأشلاء والدمار والخراب، ننتشل من تحت أراضي هذا الأوطان كنوز الماضي ونلصقها بالصمغ حتى نفرح قليلًا، لكن سرعان ما تسطع شمس الواقع فتذيب هذا الكنوز، لتبقى صورة سقوط الأوطان التي حطمت الرقم القياسي بالانهيار السريع.
هناك في بغداد النازفة وفي ظل التنكر لتلك المدينة العراقية، العربية التي أصبح رأسها عبارة عن قيثارة نيرون التي تعزف الحرائق والموت الدامي، وظهرها وسادات يتكئ عليها القادة العرب لكي يشربوا نخب موتها، في هذه البقعة العراقية المعجونة بطحين الاغتراب وبتوابل القهر والعجز كان هناك نبض جديد، غريب، لكن يدمي العيون والقبور التي تحضن كل ساعة ودقيقة مواطنًا شهيدًا على مذبح الخذلان والخيبات وعلى لا شيء.
هناك في بغداد حيث تضع الكنائس ثقلها المقدس على أرض الوطن، تصلي للسنة الجديدة، ولقدوم اعياد الميلاد المجيدة، خرجت إحدى الكنائس عن طريقتها المعتادة في الصلاة.. حيث أصر المتواجدون، القادمون للصلاة على غناء قصيدة "موطني" للشاعر الفلسطيني ابراهيم طوقان، قبل بدأ طقوس الصلاة، وقف جميعهم للغناء بصورة طردت الذين يساومون على تمزيق وطنهم العراق، وبدأوا في النشيد:
موطني الجلال والجمال والسناء والبهاء في رباك
والحياة والنجاة والهناء والرجاء في هواك
هل أراك...
سالمًا منعمًا وغانمًا مكرمًا
هل أراك في علاك تبلغ السماك
موطني..
غناء "موطني" كان طاغيًا، طافيًا بصورة موحدة تخشع لها القلوب والمشاعر والاحاسيس، غناء " موطني " في الكنيسة هو نقش فوق الرسومات المعلقة على الجدران والتأكيد أن الوطن أكبر من جميع اللعنات التي يحاول البعض وضعها على حناجر الذئاب وعواء الفواتير التي يقبضونها من عملاء الدمار، أكبر من حماقة التنقيب عن التمزق في بلد صنع الكوابيس لكن التاريخ يزرع دائمًا نخيل الصمود في أرض الرفض والتصدي مهما طالت السنوات.
جميعنا يعرف أن قصيدة "موطني" كتبها الشاعر الفلسطيني ابراهيم طوقان ولحنها الموسيقار اللبناني محمد فليفل عام 1934، واصبحت النشيد الرسمي لفلسطين، حتى تم اعتماد نشيد فدائي إبان بداية الثورة الفلسطينية، وقد اعتمد نشيد موطني في العراق بعد سقوط صدام حسين بدلًا من نشيد "أرض الفرات" للشاعر شفيق الكيالي.
"موطني" أو "أرض الفرات" كلاهما من نبع واحد، نبع تألق الوطن، وغناء "موطني" في الكنيسة العراقية هي حضور العراق من تحت البراكين ومن تحت ملصقات النعي للدولة القوية والعظيمة.
قصيدة "موطني" الفلسطينية في كنيسة بغدادية ليس مجرد وصلة روحانية ممدودة من الكتاب المقدس الى كتاب الوجع، بل هي تأكيد أن الوطن يسكن في الصدور ويصرخ عاليًا بالوجود رغم ربط العراق بأحزمة ناسفة وتساقطها كريش طيور خائفة.
*أوسلو في جنين*
جنين المدينة الفلسطينية الصغيرة التي ارتبط تاريخها بالأحداث الوطنية اشهرها حصار جنين، وعرفت بأسواقها ومتاجرها، تتمرد الآن وترفض وتضع رأسها برأس اوسلوK ليس المدينة النرويجية بل اوسلو التاريخ المذل - الاتفاقية - التي وقعت بين الفلسطينيين والاسرائيليين، حيث قامت بتكبيل الفلسطينيين ودفعت الحلم الفلسطيني الى الخلف، وراء أسوار اللغة التي كانت تنادي حق البدايات.
في سابقة تعتبر الأولى من نوعها في المحاكم الفلسطينية، أصدرت محكمة صلح جنين، حكمًا يقضي برفض تطبيق اتفاقية أوسلو، ووجوب محاكمة حمَلة الجنسية الإسرائيلية الذين يرتكبون جرائم على أراضي الدولة الفلسطينية.
وأصدر قاضي محكمة صلح مدينة جنين أحمد الأشقر، هذا الحكم غير المسبوق ضد أحد المتهمين من حمَلة الجنسية الإسرائيلية لمحاكمته عن قضية جزائية، مما دفع المتهم إلى الطعن بعدم اختصاص المحاكم الفلسطينية لمحاكمة حمَلة الجنسية الإسرائيلية استنادًا إلى اتفاقية أوسلو.
من المعروف أن الشرطة والمحاكم الفلسطينية لا تستطيع اعتقال حملة الجنسية الإسرائيلية حتى الفلسطينيين منهم – حملة الهوية الاسرائيلية - وقد سبق أن هدد الاحتلال الإسرائيلي أكثر من مرة السلطة الفلسطينية باقتحام مراكز التوقيف، بعد أن أوقفت متهمين من حملة الجنسية الإسرائيلية متهمين بالتورط في قضايا نصب مالي، وتسريب أراض لصالح الاحتلال، وقد استجابت السلطة لهذه الضغوط وأطلقت سراح من اعتقلتهم خوفًا من العواقب الإسرائيلية.
وكانت آخر هذه الضغوط العام الماضي بعد أن تم اعتقال متهم بالفساد وعمليات نصب كبرى، وتم الإفراج عنه بعد تهديدات من الاحتلال باقتحام سجن رام الله.
وتحتوي اتفاقية أوسلو ملحقًا قضائيًا يمنع على السلطة اعتقال وحبس مجرمين يحملون الجنسية الإسرائيلية أو الهوية الزرقاء، أي فلسطينيو القدس، ما يتعارض بشكل جوهري مع قانون العقوبات الساري المفعول في الأراضي الفلسطينية منذ عام 1960 بوجوب معاقبة كل من يرتكب جريمة على الأراضي الفلسطينية.
تذكروا اسم القاضي أحمد الأشقر، هذا من الرجال الذين ادركوا ان حكاية الخوف الفلسطيني لم تعد تحصي خرفان وقطيع ثيران الخضوع.. لقد اغلقت حظيرة اوسلو..
