في خضم الأحداث الصعبة والويلات التي تعصف بعالمنا العربي عامة تحت غطاء ما يسمى بـ"الربيع العربي" والذي أمسى بفعل الثورات المضادة وللأسف الشديد خريفا قاسيا وخماسينيا حارقا، أتى على الأخضر واليابس في العراق أم الحضارات، وسوريا عروس الشرق، واليمن تتخبط في شبه حرب أهلية مذهبية قذرة ومدمرة، وفي مصر العتية قلعة الصمود وبيت الخالد أبي الخالد جمال الثائر على الاستعمار والظلم والاستبداد لم تسلم من شر المؤامرات التي لا شك ولا ريب أن للغرب والحركة الصهيونية والرجعية العربية المستشرية الملتحفة بالدين ضلعا أساسيا فيها والدين منها براء.
في ظل هذه الأوضاع المدمرة لم تنس سياسة "الحكومة النيرة"، والديمقراطية الوحيدة في الشرق، ولم تغفل لها عين عن معالجة الأوضاع الداخلية وذلك من منطلق "مصلحة الاقلية العربية الفلسطينية" في هذه البلاد، بلاد السمنة والعسل، إذ انه من واجبها الأدبي والأخلاقي حل المشكلة المستعصية وذلك عن طريق تنفيذ مخطط "برافر" ضمن نواياها "الخيرية" لرفع مستوى المعيشة لإخواننا البدو في النقب حتى ولو كلف ذلك مصادرة بعض مئات الدونمات من السكان وتعويضهم بدونم ارض لكل عائلة، بدلا من الاعتراف بالقرى غير المعترف بها وتحويلها إلى قرى حديثة متطورة فيها مدارس وبنى تحتية وكهرباء وشوارع وغيرها، طبعا كل ذلك من منطلق الغيرة والمحبة للبدو الذين يخدمون بالجيش؟
حتى أن اعتراف الوزير السابق بنيامين بيغن بفشل مخطط "برافر" وإرجاعه للحكومة وطلبه من رئيسها المحب لكل مواطيني الدولة الغاءه، فان أوباش اليمين وعلى رأسهم رئيسة لجنة الداخلية ميري ريجف تتابع عملها لتنفيذ المخطط وكأن شيئا لم يحدث.
وفي دولة "حارة كل مين ايده اله "، يتباكى ويصرخ مئير بورش رئيس كتلة "اغودات يسرائيل" انه طالما لم تنفذ الحكومة قانون الزام اكثر من 1500 فتاة درزية (معروفية عربية فلسطينية) واجب الخدمة العسكرية، لن يسمح رغم إعفائهن (قانونيا) بتجنيد "الحريديم" الذين يعيشون على أموال دافعي الضرائب بحجة أنهم يحمون بقراءاتهم الدينية الدولة من الدمار والحروب والفحشاء والأعمال غير الاخلاقية التي تستشري في البلاد! والمضحك المبكي في الموضوع ان الشيخ بورش كان يصول ويجول ويطلب اصوات ابناء الاقليات وخاصة ابناء معروف متلبسا جلد الحمل، وهذا ما يثبت انه لا فرق بين بدوي ومعروفي في نظر السلطة من أي قطاع كان.
وفي برنامج "بوبوليتكا" يوم الثلاثاء الماضي والذي يديره الصحفي "عودد شاحر" تحت عنوان - يعطون، يأخذون - في مناظرة بين شابة عربية ومحاضرة يهودية من الجامعة العبرية على ما أظن حول موضوع حقوق الأقلية العربية الفلسطينية في البلاد وأصرت المحاضرة المحترمة أن نيل الحقوق منوط بإعطاء الواجبات، يعني الخدمة العسكرية من منطلق تطبيق قانون التجنيد الإلزامي، وعبثا حاولت الأخت العربية شرح عدم مصداقية هذا الطرح وخاصة أن لوزير الدفاع الصلاحيات في تجنيد أو إعفاء قطاعات من المجتمع. وهذا ما فعل ويفعل وزراء الدفاع مع الأقلية العربية وفي اعتقادي عدم ثقتهم بإخلاصهم وأمانتهم، بينما يجند المئات من أبناء تلك الطوائف تطوعيا في وحدات مختلفة في الجيش والشرطة.
كنت اتوقع من الصحافي المحترم والذي يعتبر واقعيا ومعتدلا ان يشرك احد أبناء الطائفة المعروفية العربية في المناظرة المذكورة والذي نفذ بحقه وحق أبناء الطائفة قانون التجنيد القسري منذ سنة 1957 والذي كلفهم مئات القتلى في الحروبات العدوانية على الدول العربية، وآلاف المشوهين والجنود الذين لم يحصلوا على اي امتيازات نتيجة قيامهم بما يسمى القيام بالواجب الوطني والعكس هو الصحيح فقد خسر أولئك المجندون مستقبلهم علميا وعمليا، والانكى من ذلك انه لم تطور قراهم وهي لا تزال تعاني من إهمال في جميع مرافق الحياة الاجتماعية والتطورات الأساسية من بنى تحتية ومبان سكنية غير مرخصة وغيرها وغيرها، أما عن مصادرة الأراضي فحدث ولا حرج فرغم مصادرة اكثر من 80% من اراضي قرانا بحجج مختلفة، فما زالت تلاحق البقية الباقية من اراضينا.
خلاصة القول إن الفرية التي تحاول السلطة تسويقها ان الحقوق مرتبطة بالخدمة العسكرية او المدنية هي كذبة واضحة أثبتت فشلها وخاصة مع أبناء معروف وان التمييز في إسرائيل هو تمييز عنصري على أساس عرقي ديني لن يُلغى ما دامت يهودية الدولة الشعار الذي يرفعه المسئول لدى الاسرائيليين في كل مناسبة وصباح ومساء، ولا أبالغ إذا ما قلت: صلى الله على "الابرتهايد" الجنوب إفريقي سابقا مقابل التمييز العنصري في هذه البلاد.. وينك يا مانديلا!
(يركا)
