الراحل وفيق نصرة، الخيمة الوارفة

single

*خيمة كانت تهتدي بها الجماهير للإقدام وللمشاركة في النضال والكفاح اليومي*


فارقَنا ورحل أبو حاتم الكوكاني، مع الذين سبقوه ورحلوا، لكن الرحيل والفراق للأحبة والمناضلين شيء صعب وكأنه لمحة بصر، غير موجود على سطح هذه الأرض وهذه الحياة. انتقل أبو حاتمنا الغالي إلى الرفيق الأعلى روحًا – بينما مكث في الأرض وتحت تراب الوطن جسدًا. فيما بقيت سيرته وأعماله الكفاحية والنضالية ومسيرته وسيرته الشخصية الفريدة مضرب وحديث المجتمع. وتحولت هي الزاد والزوادة لرفاقه في الحزب والجبهة ولشريكة حياته عزيزتنا الغالية الحاجة أم حاتم، وكذلك لأولاده وأحفاده وإخوته وعموم العائلة الصغيرة والكبيرة، ولجميع من عرفه وتعامل معه عبر مسيرته الشاقة والصعبة في تحصيل لقمة العيش لإطعام عائلته، أو زاده اليومي كان نافذة كفاحه وشهادة الشرف والعزة، حفظ الكرامة الوطنية التي نالها المرحوم من خلال انتسابه لصفوف الحزب الشيوعي في بداية سنوات الخمسين الأولى من القرن الماضي.
دلت شخصية الرفيق الشيوعي والمكافح الثوري أبو حاتم، وفيق حسين نصرة بكنيته الشعبية الدارجة (أبو سيخ) والحازمة تارة وأخرى لينة دلت على شخصيته المحورية، إذ تمتع بخصال وميزات الرجال التي انزرعت فيهم روح المقاومة والمقارعة وعدم التسليم بالغبن والاضطهاد والتمييز الواقع على أبناء قريته وشعبه، فهذه الشخصية الشيوعية الكفاحية نمت وترعرعت وصُقلت في معارك الشرف والنضال والمقاومة. أثناء ومع بداية الخمسينيات وقيام الحكم العسكري البغيض وتقولبت في قلب ومن المعارك التي كان يخوضها الحزب الشيوعي وأصدقاؤه، الذي اقر ان على الشعب والبقية الباقية والشعب الفلسطيني ان تناضل من اجل بقائها واسترداد حقوقها اليومية والقومية من أيدي المتآمرين على الحقوق الفلسطينية والعربية من   الحركة الصهيونية والمستعمرين وعملائهم العرب. ونتيجة لذلك وفي سبيل انتصار المبادئ والسياسة التي لا بديل عنها تعرض الرفيق وفيق نصرة أبو سيخ، وتعمد بالنضال والمثابرة، تفولذ بين جدران السجن والمعتقلات والملاحقات والنفي والطرد من العمل وقطع لقمة العيس. هذا الكلام نقوله ونكتبه الآن وكأنه شيء عادي مسلَّم به، لكنه كان بالنسبة للذين سطروه وارتشفوه على ارض الواقع، ان دفعوا ثمنًا غاليًا من حياتهم وحريتهم وقوت عائلاتهم ومستقبلهم.
تميزت سنوات النكبة والمأساة بين 47 حتى 50، بكونها ثقيلة جدًا وحالكة السواد بالنسبة للبقية الباقية، في تلك الفترة بدأت تنمو وتتفتح شخصية الرفيق طيب الذكر أبو حاتم الكوكاني وفيق نصرة أبو سيخ، فقد وجد نفسه مع المئات من أبناء قريته والقرى المجاورة التي جرى تهجير سكانها وهدم بيوتها. ان أصبح وعائلته بدون  مأوى وبلا طعام ينتظر قطار الصهيونية "المنتصر" على جماجم البشر والحجر والشجر في رحلة اللاعودة إلى خارج حدود الوطن الذبيح. لكن حنكة أهله وذويه حالت دون تحقيق رغبة الصهيونية والاستعمار والرجعية، كان نصيبه ويقظة أهله البقاء كلاجئين في الوطن خارج منطقة نفوذ قريته كويكات، على بعد بضع مئات قليلة لا تتجاوز كيلومترًا واحدًا، ينتظر العودة. تراه يتنسم هواءها ويتصبح فيها كلما أشرقت شمس الشعوب ويتلذذ عندما تغرب الشمس فوق حقولها وبساتينها، عن ان يهجرها ويتركها رغمًا عنه إلى خارج الحدود والمجهول، في هذه الفترة بدأت ملامح وبذور الوعي السياسي تتبلور في شخصية الكوكاني وفيق نصرة، إذ وجد ضالته السياسية والفكرية في صفوف الحزب الشيوعي. فكانت خطوات البداية والنشاط، ان أقام فرعًا للحزب الشيوعي في قرية دنون، حيث سكن مع عائلته لبضع سنوات بعد النكبة، وكان إلى جانبه بعض الرفاق من أبناء القرى المهجرة منهم خالد الذكر عبد رضا وثابت بنا من عمقا المجاورة لدنون وكويكات وكذلك سعيد داود وداود بدر أطال الله في أعمارهما وهما من قرية الغابسية المهجرة وآخرون، وقد تجاوز عدد الرفاق في دنون في ذلك الوقت أكثر من 20 عضوًا منظمًا، وحدث في إحدى معارك الانتخابات البرلمانية وأيام الحكم العسكري  ان حازت قائمة الحزب الشيوعي على أغلبية أصوات البلد، وكانت ضربة معلم مما ادى الى صدام  أبو حاتم وفيق نصرة للسلطة ورجالاتها المحليين، وحزب مباي في ذلك الوقت، لكن الرفيق وفيق نصرة، واصل نشاطه الحزبي والسياسي بعد قدومه إلى أبو سنان، في منتصف الستينيات من القرن المنصرم. إذ كان المساعد الأيمن لمؤسس الفرع خالد الذكر خليل خوري (أبو سخي) ومجموعة من الأصدقاء المخلصين والمحاربين حتى النهاية، من اجل حماية نشاطهم السياسي وعملهم الشيوعي وللحماية الشخصية والفردية، من زلم السلطة وجواسيسها واذرعها الأمنية، إذ تجمع في خندق الكفاح والنضال الثوري والوطني كل من المربي مطانس مطانس، ونمر شاهين، وجمال مطانس، ومحمد عيسى ومحمد رشيد والياس مطانس وإبراهيم موسى الحناوي وأخوه احمد موسى الحناوي، وكان قد سبقهم على هذا الطريق أبو فائق حسين مباركي ابن قرية النهر المهجرة. وبفضل هذه المجموعة الكوكبة العصامية من المناضلين المدافعين عن الحق وحقوق اللاجئين الذين شردوا من قراهم إلى أبو سنان، وقفت هذه المجموعة الباسلة تتصدى لسياسة وأساليب الحُكم العسكري البغيض والمطالبة بحق الناس والمواطنين المشردين بالعمل والخبز والتصاريح وحرية التنقل بحرية،وغيرها من الحاجات والمطالب الأساسية لتثبيت وتعزيز معركة البقاء في الوطن.
غادرنا أبو حاتم الكوكاني الشيوعي الصلب والاممي الأصيل وفيق حسين نصرة أبو سيخ، دون سابق إنذار، وكأنه على موعد ان يغادر ويرحل عن الدنيا مع موسم قطاف الزيتون والزيت، الذي أحبه واخلص له كل سنوات عمره، كان يرى في الزيتون والارتباط بالأرض والتواصل بين المواطن الفلسطيني صاحب هذه الأرض وهذا الوطن، وبين هذا الشعب الذي نما على حب الأرض والوطن الذي سُلب منه على يد الحركة الصهيونية.
لذا أحب أبو حاتم الأرض وما عليها، فكان مخلصًا لها. كان يبتسم ويضحك لها كلما أخذته قدماه المثخنة بالجراح والألم إلى ارض السهل وكرم الزيتون المحاذية لقريته المهجرة كويكات يستظل تحت زيتونه يتبادل وإياها كلمات الحب والإخلاص والوفاء الأبدي.
هكذا كان يفعل والده أبو علي حسين نصرة أبو سيخ، فرحيله عن الدنيا في مثل هذا الوقت وكأنه على لقاء مع حبات الخير والمطر الأولى لغسل حبات وشجر الزيتون التي تكوّن معنى الأرض والوطن.
أبى ان يرحل في رحلته الأبدية، إلا ما بعد إتمام واجباته الاجتماعية، فكانت مشاركته في أفراح الأهل والعائلة والجيران وأهالي الحي، تضفي جوًا حماسيًا وسروريًا، إذ بمجيئه ومشاركته يعتمر الفرح ويدخل السرور والسعادة إلى قلوب الأهل، فكانت كلماته وابتساماته ولهفات مزحاته الحارة المتدفقة تنطلق كالسهم، فكان شعور أهل الفرح بأنه عريس ونجم الفرح والمرح، يتجلى ما بين الترحيب بالضيوف الذين يشاطرونه الابتسامة من صميم قلوبهم، ودعوة المعازيم للمشاركة ويقول لا شيء أجمل من الفرح. فكان أول المستقبلين وفي جعبته الكثير من المزح والفكاهة لإدخال وإضفاء جو الألفة والمحبة لجميع المشاركين، وكان آخر المغادرين لساحة الفرح.
أحب أبو حاتم من قلبه الفرح والعرس العربي الفلسطيني بجميع تفاصيله وعاداته العربية الفلسطينية الأصيلة، وقد اعتبره اكبر تجسيد تاريخي للتراث الفلسطيني ولمعركة البقاء التي لم تنتهِ فصولها بعد.
تعمد أبو حاتم وعلى مدار سنوات حياته الزاخرة بالأحداث والنضال والعاصفة بالمفاجآت من خلال عضويته في صفوف الحزب الشيوعي والجبهة، فكان دائمًا بالخطوط الأولى للمواجهة، لم يتوان للحظة عن تأدية واجبه الحزبي والشعبي والبلدي والاجتماعي وعن خدمة الناس كل الناس في بلده وشعبه ومجتمعه، والحق يقال ان الشيوعي أبو حاتم تمتع بخصال المروءة والذكاء الحاد والأخلاق الشيوعية واحترام الصغير قبل الكبير. فهو صاحب مواقف والرجال بالمواقف والحكمة وقول الحق مهما كلف، إذ كان يحكم على الأمور والخلافات بالحق والحزم ويجمع بين الحق والمستحق وفي جمع الشمل بين الإخوة والجيران وأهل البلد. فكان بيته مفتوحًا على مدار الساعة، لطلب المشورة والنصيحة ولتحكيم العقل وتغييب الأنانية والطمع، فالكثير من المشاكل الاجتماعية كان لأبو حاتم دور أساسي في حلها على أسس من الحكمة والعدالة، وقد عرفته مختلف القرى المجاورة لما يتمتع به من سمعة طيبة ومواقف شجاعة ورصينة وإنصاف للحق وصلابة لا تلين. كان أبو حاتم عدوًا للمزايدين وندًا قويًا لرجال السلطة والمتعاونين معهم وللأحزاب الصهيونية التي عملت على سرقة الأرض والوطن.
إن الرفيق أبو حاتم وفيق حسين نصرة أبو سيخ، هو باعتراف كل من عاصره وشرب من قهوته وزامله على مدى العمر والأيام والسنين الطويلة، إنسان شيوعي بامتياز وان طريقه واضح المعالم السير نحو تحقيق ما آمن به وعمل من اجله.
فكان أبو حاتم بمثابة الخيمة الوارفة التي كانت الجماهير الواسعة تستظل بين جدرانها، فكانت خيمة النضال والكفاح التي دعت كل المظلومين والمضطهدين إلى أهمية رفع صوت الكفاح للمطالبة بالحق والعدل والسير معًا على طريق الكفاح فهو الطريق الوحيد لنيل الحقوق والمحافظة على الكرامة القومية واليومية.
من بيته العامر الذي تحول على مدى سنوات خلت إلى مقر ومركز أساسي لقيادة معارك الكفاح والنضال وتحقيق أروع واكبر المكاسب الانتخابية، فشرارة العمل الانتخابي والسياسي والبلدي كانت دائمًا تنطلق من بيته الدافئ الذي يشع بالفرح والبسمة والمخضب والمعمد بالرمز والمعرّف على انه بيت الشيوعي الأصيل بيت الكفاح بيت أبو حاتم الكوكاني. كانت رسالته التي لم يكتبها ولكن كان يؤكد عليها دائمًا ان واصلوا الكفاح املأوا الساحات والميادين بالحركة والنشاط، ولا تسمحوا لليأس والإحباط ان يتسرب إلى صفوفكم.
حافظوا على استقامة ونزاهة ما تقومون به
والنصر دائمًا حليف المناضلين على هذا الطريق.



(كويكات/أبوسنان)

قد يهمّكم أيضا..
featured

هل هذا الموت حقّ ؟

featured

كم نحن بحاجة لدعم الكرملين، ولتحويل الضغط الأمريكيّ !

featured

متلازمة الكرب التنفسي عند الكهول

featured

حيفا تحت حكم الجزّار ووريثيه

featured

إلى متى التسليم بهذا الوضع؟!

featured

مصلحة الأمّة فوق مصلحة الجماعة

featured

الأطر النسوية بين الواقع والمأمول