" الموت حقّ " عبارة نسمعها ونرددها عندما يخطف الموت واحدا منا .. أعرف أن الموت قدرنا المكتوب ، فأنا من المؤمنين بالقضاء والقدر .. ولكن هل يجوز ترديد " الموت حقّ " ونحن نتحدث عن ضحايا القتل والغدر ؟ بقبولنا هذا نعلن استحلالنا للقبائح والمنكرات ..
سيارات مخمورة تترنح على شوارعنا لأن سائقيها مخمورون مترنحون فكرًا ومسلكا . اكتب هذا بعد الواقعة التي زلزلت جوانحنا عشية عيد الفطر السعيد .. لقد بات الوطن بشبابه من اهل العلم والنخوة لقمةً سائغةً في متناول فم من لا قيمة للحياة لديهم !! ويلّ للموتى من الاحياء المنفلتين !! ارتجّ جليلنا ووسطنا العربي بالبكاء والعويل .. لقد خسرنا أقانيم ثلاثة من اهل الخير والمعرفة : د. نزار الخوري جبران توما ، طبيب أطفال متواضع .. ابتسامته أسبق من تحيته .. عطر نخوته في العيادة والمشفى يخطو قبل خطاه .. تجمعني بهذا الحبيب مودة ونسب .. أما زميلتي جوزفين – زوجة نزار فكانت انسانة مصنوعة من حنان .. تميزت بصفاء الذهن واستقامة الخلق ، ففي رحاب ثانويتي الرامة وكفرياسيف تركت سجلاً حافلاً وتاريخاً ناصعًا من العطاء لمجتمع يحتاج امثالها من المربيات الفاضلات .. أما القاضية اللامعة نسرين بشاره كريني فكان لها قلب من ذهب .. وهبها الباري الحكمة والرزانة لتجعل دور القضاء بيوت دفءٍ وإنصاف لأسرنا .. بأحكامها ونصائحها سعت ونجحت في اخراج ابناء أسرنا من أسْر حياة الضلال .
كنت اعتقد ان الحياة لن تضيق ببشر اذا حازوا هذه الصفات النبيلة .. لكن اعتقادي هذا ذهب سرابًا لأنه كلما ابتعد مجتمع عن الصلاح اقترب من العنف بجميع اشكاله وصوره .. اذا كانت الشدة تتفاقم فلا أقل من ان نتكتل في مواجهتها .. لا يكفي تكتلنا في التردد على بيت العزاء ، بل علينا أن نرفض مخالفي الاعراف والقوانين الذين يركبون بفوضاهم حصان الانفلات في غياب ردع السلطة .. قضاء الله مقبول علينا اما قضاء المنفلتين فمرفوض مرفوض !.. على السلطة ممثلة بشرطتها ان تجتث مخالب المتسيبين .. لنتذكر ان الجريمة في حقّ الابرياء اكبر من أي عقاب . لا أملك الا ان اتحسر على الاحبة الراحلين واشفق على مصير بلدي اذا ما استمر وحش التهور ينهش لحم ابنائه .
أحسن الله لنزار وجوزفين ونسرين بقدر ما احسنوا للناس في مواقع عملهم .. على ارواحهم ألف تحية والف سلام .. ولأهلهم الصبر والسلوان وجميل العزاء لكل الاصدقاء والانسباء .
