الطفلة المغدورة اسراء أبو خوصة
//ترجمة: أمين خير الدين
كان عمرها ستّ سنوات، وعمره عشر سنوات، إخوة في الدم، هل قُتِلا وهما نيام؟ هل استيقظا قبل أن يدكَّ الصاروخ البيت؟ هل سمعا هدير الطائرة، هل سيطر عليهما الخوف قبل موتهما؟ ربّما حاولا الهرب؟ إلى أين يهربان؟، ماذا فعلا ليلة السبت الأخيرة من حياتهما، قبل أن يذهبا إلى موتهما؟ هل حلما بشيء في ليلتهما الأخيرة؟ هل كانت لهما أحلام؟ إسراء وياسين، بنت وصبي، أخت وأخوها.
يوم الجمعة، ليلة السبت، الثانية والنصف بعد منتصف الليل، في غزّة، استيقظت بيت لاهيا، صاحبة التجربة في المعاناة والانفجارات، مرعوبة، على ضجيج طائرة. قال لي صديقي م. كيف قفز أبناؤه من أسِرَّتهم مرعوبين.
إسرائيل تردّ على إطلاق أربعة صواريخ قسّام، أُطْلِقت قبل أيام، وسقطت في الخلاء، ولم تُصِب أحدا، ليلة السبت في غزة، تهاجم طائرات سلاح الجو أربعة مواقع "قواعد إرهابيّة لحماس".
أغارت الطائرة فوق بيت لاهيا، عندها أطلق الطيّار القذائف، كانت الإصابة دقيقة، لم يظهر ياسين الميت و إسراء التي تحتضر على شاشة الطائرة.
كان بيت ياسين وإسراء أبو خوصة أحد هذه القواعد الإرهابية، حتّى كتابة كلمة "بيت" فيها مبالغة: سطح من الأسبست المُحَطّم، خُرَقٌ من الثياب معلّقة على حافّة الشبّاك، فراش بالٍ مفروش على أرض الغرفة، بطانيات رخيصة ملوّثة بالدم، هنا وُلِدَ كلّ من إسراء وياسين، هنا عاشا، وهنا ماتا، وهنا على أرض الغرفة التي أُصيبت، سبعة أبناء للعائلة، من عمر سنتين وحتى 15 مع أمِّهم، كانوا مصدومين.
هذا الحَوْش، في بيت لاهيا، معروف للجيش الاسرائيلي ،هدمه أكثر من مرة، ومع ذلك بقيت العائلة فيه. إلى أين يذهبون؟ هناك يجلس الأب سليمان، فلاح عمره 45 سنة، مصدوم من مقتل وَلَديْه أمام أمِّهما وإخوتهما وأخواتهما، الأمّ تتوارى ولا تقابل أحدا، ولا يمكن التحدّث معها.
يبعد هذا الحَوْش حوالي 300 متر عن معسكر تدريب لحماس، اختصر طيارو سلاح الجو المدربين هذه المسافة كثيرا، مات ياسين على الفور، ونُقِلت إسراء في حالة حرجة إلى المستشفى الأندونيسي في بيت لاهيا، ومنه إلى مستشفى الشفاء في غزة، وهناك توفِّيت.
دُفِنا معا، في مقبرة السلاطين، أخت وأخوها، بلا حاضر وبلا مستقبل.
بالكاد أُعْلِن عن ذلك في إسرائيل، ومن الصعب أن تستعرض عدمَ إنسانيّة أكثر حقارة من الإعلان المخْجل في وسائل الإعلام الإسرائيلية عن مَقْتل طفْلَيْن فلسطينيين، جريدة "إسرائيل اليوم" كتبت عن مقتلهما بعنوان صغير، وبنَصٍّ مُخْجِل، كأنّها تتبرأ من الجريمة "حماس يدّعي: قُتِل طفلان إثر الهجوم".
وليس من الصعب أن تتخيّل، ماذا كان سيحدث لو أنّ حماس هو الذي قتل، بصاروخ قسّام، طفلين، أختا وأخاها، ومن السهل أن تتخيّل رد الفعل الانتقامي الوحشيّ للجيش الاسرائيلي، والتقارير الصحفيّة المتضاربة: حيوانات آدميّة، وستصرخ العناوين أيضا: قتلة الأطفال من حماس.
أمّا قتلة الأطفال عندنا أبرياء، لم يقصدوا، ولا يقصدون أبدا، إسرائيل لم تُطالب بالاستنكار، ولم يفكر أحد بالإعراب عن أسفه، ولا حديث عن تعويضات، لِمَنْ، لماذا، مَنْ مات؟!
تمنيت لو استطعت الوصول إلى بيت عائلة أبو خوصة، في بيت لاهيا، لأقول للإسرائيليين ماذا ترك سلاح جوّهم هناك. إسرائيل لا تسمح للصحفيين بالوصول إلى غزة، صحيفة الإنديبندينت البريطانية كانت هناك، لتنقل لقرائها، أمّا "يديعوت أحرونوت" فقد أعلنت ، بمبادرتها، عن القيثارة التي قدّمها أفيف غيفن للرجل الذي ضرب المخرب بقيثارته، فتحطمت، وتحطّم معها قلبه.
