*إطلالة على القضية الفلسطينية- الجزء الثاني // المؤلف: عبد المجيد حمدان // إصدار- المركز الفلسطيني لقضايا السلام والديمقراطية- 2009 568// صفحة*
يناقش الكتاب قدرة القيادة الفلسطينية على مواجهة التحدي الكبير الذي واجهها بصورة مخططات الحركة الصهيونية؛ هذه الحركة ذات العلاقات الهائلة وعلى أعلى المستويات في العالم، بالإضافة إلى المعرفة العصرية في مجالات الإدارة والاقتصاد والإعلام والمالية وكل ذلك مع موارد مالية ضخمة.
وللمفارقة التي تعكس عبثية الوضع، يذكر الكتاب بأن القائد الأول للحركة الوطنية الفلسطينية، الحاج أمين الحسيني، بالذات، بعيد الحرب العالمية الثانية كان في أوج عزلته، فبعد فشل رهانه على ألمانيا، اضطر للجوء إلى فرنسا. ويكتب حمدان أنه على هذا الصعيد نتج الوضع المقلق التالي، فأمام "النشاط الصاخب والمتعدد الوجوه للحركة الصهيونية".. "قبعت القيادة الفلسطينية في عزلتها. لا أحد يقبل بمقابلتها، ولا هي قادرة على مقابلة أحد" (ص 29)، والمصيبة أن الحكومات العربية التزمت بهذه المقاطعة، وامتنعت غالبيتها عن إقامة أي اتصال مع الحاج أمين الحسيني.
ومن جهة أخرى "رفض الحاج أمين الحسيني العودة إلى فلسطين، بعد العفو الذي أصدرته حكومة الانتداب عن قادة الثورة الفلسطينية". وهكذا بقي قائد النضال الوطني الفلسطيني الأول خارج فلسطين، خارج الميدان المركزي، وبالتالي حدث هذا الانقطاع بين القيادة والجماهير. في الوقت الذي تواجدت فيه القيادة الصهيونية في فلسطين، ومن هنالك شنت عدوانها على الشعب الفلسطيني.
ما بين جرائم النازية والنكبةفي الكتاب فهم عميق "للدور" الكبير لجرائم النازية البشعة في إحداث نكبة الشعب الفلسطيني، ومن المهم هنا وضع بعض النقاط الأساسية في لتبيان الصورة: |
// الأداء الفلسطيني والأداء الصهيوني
في هذا الكتاب، يحاول الكاتب وبنجاح كبير طرح مجمل الصورة التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية، فقد أدركت القيادة الصهيونية اتجاه الريح واتجاه التحركات العالمية بعد الحرب، وعملت بنجاح بالغ على فهم هذه التغيرات واستثمارها لصالحها، فمثلاً "كانت الوكالة اليهودية والحركة الصهيونية، برؤية واضحة وعميقة لمتغيرات ما بعد الحرب، قد نقلت مركز نشاطها إلى أمريكا".. "ونجحت الحركة الصهيونية بإقناع ترومان (الرئيس الأمريكي آنذاك) بالضغط على بريطانيا للتخلي عن القيود التي وضعتها على الهجرة" (ص 31)
// 100 ورقة مقابل ورقتين موجزتين.. ومداخلة نصف الصفحة للمندوب السعودي
ويتحدث الكاتب عن الجدية التي تعاملت بها القيادة الصهيونية مع الآلية الدولية، في الأروقة العالمية، بينما أودعت القيادة الفلسطينية شأنها إلى الدول العربية، وعن هذا الاختلاف تجاه الهيئات الدولية يكتب: "..وفي المقابل أعربت المنظمات اليهودية عن استعدادها للتعاون الكامل، وقدمت للجنة (المشكلة من قبل الأمم المتحدة) أكثر من مئة وثيقة، بعضها مطول ومسهب، مقارنة مع ورقتين موجزتين قدمتها الدول العربية". وفيما بعد يكتب: "استغلت القيادة الصهيونية واقع وحقيقة أن أعضاء اللجنة المنتمين لإحدى عشر دولة لم يملك أي تجربة أو خبرة في الشرق الأوسط" (ص42)
ويتحدث عن المداخلات العربية أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة وخاصة مداخلة المندوب السعودي، فكانت هذه المداخلة "هي الأقصر من بين المداخلات، حيث لم تكمل الصفحة الواحدة. الأمر الأهم أن هذه المداخلة جاءت نموذجًا لموعظة في مسجد بدل أن تكون سياسية تلاحظ المتغيرات العامة." (ص 58). وكانت هذه هي المداخلة الطويلة، أما المداخلة الثانية للمندوب السعودي فلم تتجاوز نصف الصفحة. خير الكلام ما قل وما لم يدل.
وعلى هامش الاجتماع يذكر الكتاب أن "المندوب السوري طلب من مندوب إحدى الوفود الأجنبية الوقوف إلى جانب العرب، فقال له الأخير، وهو يشير إلى الأمير فيصل (المندوب السعودي): "لو ذهب هذا الأمير إلى جورج مارشال، وزير الخارجية الأمريكي، وهدده بقطع البترول، إذا ناصرت أمريكا اليهود، لوجدت هذه القاعة- قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة- كلها تقف إلى جانب العرب" (ص143).
بدل ذلك كانت كلمات الأمير كلها تملقًا للأمريكيين، ومناشدة "بلد الديمقراطية الحقيقية بالوفاء بالتزاماتها" (ص61). و"إغراء" الغرب بأنهم حلفاؤه في مواجهة "الشيوعيين الذين يعملون وكلاء للصهيونية" كما أفاد المندوب العراقي (ص61). ويشير الكاتب إلى أن المندوب الباكستاني في هذا الاجتماع كان الأفضل في الدفاع عن القضية الفلسطينية.
// قرار 181، غير مترجم للعربية
يظهر أن هذا التعامل "الخفيف" مع الوثائق الدولية ما زال يرافقنا حتى اليوم، فيلاحظ عبد المجيد حمدان أنه لا توجد، حتى الآن، ترجمة عربية موثوقة للقرار 181، أي قرار التقسيم الذائع الصيت. ربما هذا الأمر هو انعكاس للتعامل السطحي مع الأمور المصيرية، فقرار 181 هو قرار الأمم المتحدة الأكثر شهرة في تاريخ القضية الفلسطينية، ومع ذلك فكما يظهر لم يترجم حتى الآن للغة العربية. كيف يمكن لنا أن نتحدث عن تطبيق قرارات الأمم المتحدة، ونحن لا نملك نص هذه القرارات بلغتنا؟
والشيء بالشيء يذكر. فأمس كان قرار التقسيم واليوم تقرير غولدستون، الكل يتحدث عن غولدستون، كأنهم قد حفظوا تقريره عن ظهر قلب، ولكن للمعلومية، فحتى الآن لم يتم ترجمة تقرير غولدستون بالكامل للغة العربية. وعندما تحدى الرئيس محمود عباس، كل المنتقدين، عدا قلائل، بأنهم لم يقرأوا التقرير، فقد كان يعرف عما يتحدث.
مقابل ذلك، كانت القيادة الصهيونية واعية تمامًا، لماهية العقبات التي تواجهها، وللهدف الذي تريد الوصول إليه. فأمام العشوائية التي تحلت بها القيادة الفلسطينية، الغير الموجودة في الميدان أصلاً، ظهرت القدرات العصرية للقيادة الصهيونية في تحديد أهدافها، وفي فهم الواقع بمتغيراته، حين حدد بن غوريون بأن 80% من مساحة فلسطين "ستكون كافية لإتاحة الفرصة للحركة الصهيونية كي تحقق أحلامها وطموحاتها" (ص44). وحينما وافق بن غوريون على قرار التقسيم، "مقتنعًا" ب 56% من فلسطين، كان يخطط بكل قوة للوصول إلى الـ 80% التي خطط لها مسبقًا، وفعلا وصل إلى ذلك، فقد احتلت إسرائيل هذه النسبة من الأرض (78% من أرض فلسطين.) بينما رفض العرب قرار التقسيم مع أنهم لم يملكوا مخططًا واحدًا بديلاً للرفض.
// تهمة تحيز العالم ضد العرب كتبرير للخمول
يتساءل حمدان: "هل بالفعل خضعت اللجنة (التابعة للأمم المتحدة)، ونفذت كافة مطالب الوكالة اليهودية..؟" ويرد على ذلك بالقول: "نعم كانت هنالك استجابة جزئية (للمطالب الصهيونية) الأمر الذي يشير أن اللجنة الخاصة، والأمم المتحدة، لم تكونا خاضعتين للنفوذ الصهيوني كما قال وما زال يُقال. كما يتوجب أن نشير إلى القصور الخطير في الأداء العربي الفلسطيني، وإلى الخطيئة التي ارتكبها الشعب الفلسطيني بالإبقاء على ثقته بالهيئة العربية العليا، في وقت توجب عليه استبدالها، بأخرى مقبولة على العالم، وقادرة على طرح والدفاع عن القضية الفلسطينية" (ص 68)
// النقب كمثال:
لماذا تم ضم النقب إلى حدود الدولة اليهودية مع انه لم يكن هنالك تواجد يهودي هناك. يرجع الكاتب هنا إلى حاييم وايزمان الذي يقول أن مندوبي المنظمات اليهودية "حاولوا إقناع اللجنة بأن استيعاب مئات الآلاف من المشردين في أوروبا يحتاج إلى مساحة واسعة من الأرض، ولأن فلسطين مسكونة بكثافة من العرب، ولأن النقب منطقة قاحلة، ومسكونة بتسعين ألف بدوي فقط .. هذا الطرح لقي قبولاً عند بعض أعضاء اللجنة، ولم يلقَ عند البعض الآخر" (ص 69)
وفيما بعد، يذكر الكتاب فقد تبين أن إحدى التعديلات من قبل اللجان الفرعية تمثل في إعادة النظر في موضوع إلحاق النقب بالدولة اليهودية، ويورد لنا ما يقوله وايزمان في هذا الصدد: "توترت مشاعري عندما بلغني، في الأسبوع الثاني من نوفمبر، أن البعثة الأمريكية وهي ترغب في التوصل لتسوية تكون مقبولة أكثر على العرب، تبنت فكرة فصل جنوب النقب بما فيه العقبة" (ص 69). ما يريد أن يقوله عبد المجيد حمدان في هذا الموضوع، ومن الضروري قراءة الكتاب والتوسع فيه، أن القضية لم تكن "مبيوعة" تمامًا، كما يقال في مباريات كرة القدم، ولو حاول الجانب الفلسطيني إدارة المفاوضات بشكل علمي مستند للحقائق، لكان من الممكن أن يؤثر على اتخاذ القرارات.
حول هذا الموضوع يكتب عن سمحا فلابان، الذي يقول: "كان قبول قرار التقسيم مثالا للبراغماتية الصهيونية، كان قبولاً تكتيكيًا في الاتجاه الصحيح (ص 72).. "إن الموقف الفلسطيني الرسمي، عكس الصهيوني، تميز بالارتجال وغياب وحتى رفض التخطيط.. وركن إلى سياسة الفهلوة، الموروث العربي القديم، بدل سياسة قائمة على العلم بالمتغيرات وكيفية مواجهتها، واستغلال الايجابي فيها، وإضعاف فعل السلبي منها." (ص72)
// الموقف من برنادوت- تعبير عن العجز على قراءة الواقع
ومثال آخر على الموقف الفلسطيني الرافض للتعامل بعلمية مع الواقع هو التعامل مع تقرير برنادوت، بشأن حل مشكلة اللاجئين، يقول عبد المجيد حمدان: "مع ذلك رفضت الهيئة العربية العليا والعرب مشروع برنادوت واعتبرته مؤامرة لصالح الإمبريالية. لكن المضحك المبكي أن الحركة الصهيونية، وبالأخص فروعها من المنظمات الإرهابية أعلنت برنادوت عدوها الأول، واجب الإزالة. وبالفعل اغتالته بعد يوم واحد من تسليمه لتقريره، يوم 17 أيلول 1949، هو ومرافقه الفرنسي." وهذا الاغتيال كان بمثابة ضربة للنضال الفلسطيني في قضية عودة اللاجئين لما عرف عن برنادوت من مثابرة وحزم في هذا الموضوع.
للمفارقة نقول أن البند الخاص بعودة اللاجئين في مشروع برنادوت شكل، فيما بعد، الأساس الذي قام عليه قرار العودة رقم 194 في كانون الأول 1948. وهذا القرار هو الأساس الصلب للموقف الفلسطيني في قضية اللاجئين، حتى يومنا هذا. ويتساءل الكاتب: "لماذا لجأت (القيادة الفلسطينية)، إلى موروثها عن عداوة الآخرين وتآمرهم علينا وانحيازهم إلى الحركة الصهيونية" (ص 81)، بدل فهم المتغيرات الدولية ومحاولة الإمساك بالفرص السانحة.
// القيادة الفلسطينية بعد العام 1936
الكتاب يحمل موقفًا حازمًا في بحث أداء القيادة الفلسطينية، وهذا الموقف الحازم هو أحوج ما نحتاج إليه من أجل الاستفادة من العبر، يقول: "بعد الحرب العالمية الثانية أصدر الانتداب عفوًا عن بعض القيادات الفلسطينية، القليل عادوا وكثيرون رفضوا العودة، وليواصلوا قيادة شعبهم في ظروفه الجديدة، بنفس أسلوب قيادتهم لثورة 36-39، وكأن جديدًا لم يحدث" (ص 86).
المفتي الحاج أمين الحسيني، وبعد أن اتضحت ملامح هزيمة ألمانيا عرضت قيادتها عليه أن يلجأ إلى سويسرا، وبعد أن وصل إلى بيرن رفضت سويسرا استقباله، وكذلك رفضت منحه حق اللجوء السياسي، إذ كان مطلوبًا، من دول وجهات عديدة بهدف تقديمه إلى محكمة نيرنبرغ التي شكلت لمحاكمة مجرمي الحرب النازيين (ص86). والقصة هنا طويلة.. فعاد إلى مدينة ألمانية، يحتلها الفرنسيون، الذين نقلوه بدورهم إلى فرنسا. ورفضت فرنسا طلبات دولية بتسليمه، بالعكس فقد منحته حرية معينة.. وخوفًا على حياته سهّل الفرنسيون هروبه إلى القاهرة، بجواز سفر مزور.
طالبت السلطات البريطانية، من المصريين ، بإلقاء القبض عليه فورًا. ولكن الملك فاروق منع ذلك، وفيما بعد طالب رئيس الوزراء المصري آنذاك صدقي باشا، المفتي باحترام "واجب المجاملة"، وبالطبع يمكن أن نفهم ماذا يعني واجب المجاملة في دولة عربية، ليس فقط أنها "شقيقة" بل تقع تحت السيطرة الاستعمارية البريطانية.
//البقاء المؤثر
وحول الهيئة العربية العليا التي كان من المفروض أن تقود نضال الشعب الفلسطيني في الفترة الحرجة التي وجد نفسه فيها، يقول الكاتب، أنه في العام 1946 أعيد تشكيل هذه الهيئة، برئاسة الحسيني "لتأتي هذه المرة في صورة تمثيل عائلي." (ص 90).
وعلى وزن الشعار الذي رفعناه في الانتخابات: صوتك "مؤثر" كذلك من الممكن قول ذلك تجاه من بقي من القيادة الفلسطينية في فلسطين، حيث أثر وجودهم بين الناس على معنويات الجماهير وبالتالي على بقائها. يقول الكاتب "ويلفت الانتباه أن كلاً من د. حسين خالدي وأحمد حلمي عبد الباقي بقيا في القدس، وكان لبقائهما ومباشرتهما لمهامهما القيادية اُثر كبير في صمود المدينة وأهلها. كما بقي إميل الغوري ومعين الماضي، والأول في القدس أيضًا، ورفيق التميمي من الهيئة السابقة، وهؤلاء أيضًا أدوا المهمة". (ص 90)
ولكن الحقيقة المفزعة أن البلاد بقيت بدون قيادة، بالرغم من هذه الاستثناءات، "فمع نهاية ابريل- نيسان 1948، توزعت النخبة الفلسطينية بين مصر، سوريا، لبنان وشرق الأردن. أرسل عديد من قادة اللجان القومية زوجاتهم وأطفالهم إلى الخارج، وعقب نشوب النزاعات مباشرة، آملين الانضمام إليهم بعد وقت قصير" (ص 95)
إن عدم وجود قيادة فلسطينية بين جماهيرها في هذه الفترة الحرجة أدى إلى وضع خطير، ويقتبس هنا المؤرخ إيلان بابه قوله: "المهم أن المجتمع الفلسطيني كان من جميع النواحي شعبًا بلا قيادة، وفي ظروف تتطلب الوحدة والتماسك غرق هذا المجتمع في الفوضى" (ص 91).
//قيادة بدون صلاحيات ومنقسمة على نفسها
ولم يقتصر الأمر على فقدان القيادة في أصعب فترات نضال الشعب الفلسطيني، بل وبموازاة فإنه لم تكن هنالك صلاحيات فعلية لهذه الهيئة، الشبيهة بالحكومة، من حيث تقسيم مهماتها، وحيث يوجد صلاحيات يقول الكاتب، ففي "واقع الحال فإن صلاحياتها لم تتجاوز القدس" (ص 91).
من جهة أخرى وبالضبط في هذه المرحلة الحرجة التي كان من المفروض فيها العمل على إقامة أوسع وحدة وطنية بين جميع الأحزاب والتيارات السياسية والاجتماعية الفاعلة في فلسطين، في هذا الوقت بالذات نشأت معارضة واسعة للقيادة الفلسطينية فالهيئة العربية العليا بتشكيلتها الجديدة يقول الكتاب، قوبلت بمعارضة واسعة. "تمثلت هذه المعارضة في الأحزاب التي لم تشارك في الهيئة." (ص 91). والسؤال ألم يكن من الواجب أن تقوم الهيئة العربية العليا بتشكيلتها الجديدة، بضم جميع القوى في ظروف يتهدد الوطن فيه بأسره.
إذا يمكن التلخيص أنه في هذا الظرف الخطير الذي تحرك فيه الشعب الفلسطيني لمواجهة الخطر المحدق بوجوده، كانت قيادته منقسمة على نفسها، فيقتبس عن المؤرخ بيني موريس: "الحسينيون- الهيئة العربية- استمدوا قوتهم من القدس والقرى المحيطة بها.. في حين كانت قوة المعارضة مستمدة من الخليل، طبريا، بيسان، الجليل ، نابلس، جنين وحيفا" (ص92)، أي كما يذهب بيني موريس فإن التقسيم كان جغرافيًا.
// الفرق بين القيادتين:
ويعود الكاتب ليس فقط إلى وحدة القرار الفلسطيني بل إلى جوهر ومفاهيم القيادة لدى القيادة الفلسطينية ومقارنتها مع تلك لدى القيادة الصهيونية، يقول: "القيادة الفلسطينية، وعلى عكس القيادة الصهيونية استكانت للوضع القائم، وتركت إدارة شؤون الحياة الفلسطينية، الاجتماعية والاقتصادية في أيدي الحكومة البريطانية" (ص 94). بينما، "ومنذ العام 1929، كانت السياسات الصهيونية تدار من قبل "حكومة المجتمع المحلي"، أي الوكالة اليهودية في القدس" (ص 94).
وليس فقط في الابتعاد عن إدارة الشؤون الداخلية للشعب الفلسطيني، كان ما يميز القيادة الفلسطينية، بل، وكما أشرنا، في الجوانب الدبلوماسية والعلاقات الخارجية في مواضيع تمس مصير الشعب الفلسطيني رفعت هذه القيادة أيديها.. "على العكس كان حال القيادة الفلسطينية فبعد أن سلمت الجهد الدبلوماسي للجامعة العربية، ما عادت المعركة الدبلوماسية في أيدي القيادة الفلسطينية" (ص 94).
// النشاط العسكري الفلسطيني ضد.. أوكار البغاء:
إذا كان هذا القصور هو ما ميز الجانب السياسي العام، فالوضع على ارض الواقع، كان انعكاس لحالة من التمزق التي لم تضف شيئًا لقدرة الصمود الفلسطيني. في هذا الإطار يتحدث عن يافا، يكتب: "ولمزيد من التوضيح يمكن إيراد مثال يافا. فالمدينة عايشت سبعة مراكز لقوى معروفة بعدم الاتفاق هي: البلدية، اللجنة القومية، رفيق التميمي – ممثل المفتي- النجادة، الميليشيا المحلية وقيادتها، وحدات المقاتلين غير النظاميين- المتطوعون والقائد الخاص الذي عينته الجامعة العربية. ومع بدء الهجوم اليهودي تصاعدت الخلافات بين هذه القوى. وفقد التنسيق بينها، ثم فر قادتها للنجاة بأنفسهم." (ص 259-260)
أما تجربة حيفا، فهي مثل على الأولويات التي وضعتها القيادة في حرب فلسطين، حيث يرد في الكتاب: "تسلم الخطيب كما سبق وأشرنا، وهو أحد قادة الإخوان المسلمين البارزين في حيفا، مسؤولية الدفاع عن المدينة.. وهو في مذاكرته، وبعد أن عقد مقارنة بين تسليح قوات الهغناة وتدريبهم، وخبرتهم المكتسبة في ميادين الحرب العالمية الثانية، وبين تسليح العرب، ينتقل إلى القول بأن المدافعين عن المدينة أزعجهم انتشار البغاء في حيفا. فوضعوا خطة لإنهاء هذه الحالة.. جندوا ثلاثمائة شاب، سلحوهم بالعصي الرفيعة من الخيزران.. هاجموا أوكار البغاء وقضوا عليها.. ويضيف الخطيب بفخر: كانت هذه العصي أول سلاح لهم." (260)
//أوهام القيادة الفلسطينية
يتطرق الكاتب بجدية وبدون مواربة إلى الخطأ الشنيع الذي ارتكبه المفتي، بوضع كل ثقله إلى جانب النازية، في الوقت الذي توحد العالم فيه، الشرقي والغربي ضد الوحش النازي. وبحجة عدم نشر الغسيل الوسخ نجد أن هنالك من لا يريد التطرق لهذه النقطة بتاتًا وكأن قضايا الشعوب ودراسة تجاربها واستخلاص العبر الصحيحة، تقع في باب الغسيل الوسخ. وبالذات هنا يجب "التطمين"، أن هذا الغسيل الوسخ منشور في كل العالم الغربي، وبالطبع في إسرائيل، في ذلك الحين، بعيد الحرب العالمية الثانية.
يكشف لنا عبد المجيد حمدان أنه "وفي محادثة مع هتلر ووينثروب – وزير خارجية ألمانيا- يواصل د. فلاح، أكد المفتي أن العرب والألمان أصدقاء، لأنهم يواجهون ثلاثة أعداء هم الانجليز، اليهود والبلشفية– الشيوعية-. ويضيف د. فلاح: كان المفتي والكيلاني قد عرضا تجنيد قوة عربية في قوات المحور. وكان للمفتي صلة وثيقة بمنظمات الإخوان المسلمين في القرم وشمال القوقاز، وأذربيجان ووسط آسيا. ومن المحتمل أنه ساعد في إنشاء وحدات عسكرية من مسلمي السوفييت، وقام بنشاط واسع بين مسلمي البلقان، وتمثل نجاحه الأكبر في تشكيل وحدات سلاح العاصفة من مسلمي البوسنة." (ص 244-245)
وفي هذا الإطار لا بد من سؤال، ليس من باب طرح شمولية موضوع الموقف الشيوعي العالمي من الاستيطان الصهيوني، في فلسطين، وقيام دولة إسرائيل، وهو نقاش شرعي مئة بالمئة، ولكن في خضم هذه الصورة نجد القائد الفلسطيني الأول يناصب العداء للسوفييت بل يقوم بتنظيم وحدات عسكرية من المواطنين السوفييت لصالح الألمان.
