دروس النصر على النازية وسياسات غطرسة القوة الأمريكية الاسرائيلية

single

في التاسع من أيار احتفلت الانسانية التقدمية بذكرى مرور 65 عامًا للنصر على النازية والفاشية، وكذلك الأمر بالنسبة للشعب الروسي وشعوب الاتحاد السوفييتي سابقًا، مرور 65 عامًا للإنتصار الكبير في هذه الحرب الوطنية العظمى. وإحياء هذه الذكرى يلزمنا تقييم نتائجها ودروسها بمزيد من الوضوح والدقة، خاصة في ظروف توتر الوضع الدولي الذي يلازم حقبة ما بعد انتهاء الحرب وخاصة في السنوات الأخيرة.
وهناك أهمية كبيرة من الناحية التاريخية العلمية والعملية، بالنسبة لمصير البشرية جمعاء حول الجواب عن السؤال التالي: لماذا استحال درء نشوبها؟ أي درس يجب استخلاصه في ظرف يخيم فيه خطر الحرب في منطقة الشرق الأوسط وحتى خطر الحرب من جديد في العالم؟ الأوساط الإمبريالية العالمية العسكرية وأصحاب رأس المال العسكري في الغرب وهنا في إسرائيل، التي تشكل القاعدة العسكرية المتقدمة للإمبريالية في منطقة الشرق الأوسط، يمتعضون لا بل يتجنبون كل تذكير بدروس الحرب وبوقائع إعادة الاعتبار للإيديولوجية اليمينية الرأسمالية ولقوى الفاشية، في الغرب وهنا في إسرائيل، بوصفها السبب لإشعال نيران الحرب خلال الحرب العالمية الثانية، ولكل الحروب المحلية في شتى أنحاء العالم بعدها.
وإلا ما معنى أن يَصدر في الغرب الرأسمالي الإمبريالي، وهنا في إسرائيل سيول ضخمة متواصلة من المطبوعات والتي تحاول إعادة الاعتبار إلى النازية وجرائمها، وتبرير سباق التسلح، والاستعدادات الحربية والتغاضي عن انبعاث الروح العسكرية العدوانية في الغرب وخاصةً أمريكا التي تحتل العراق وأفغانستان، وتهدد باستعمال القوة في أي مكان في العالم حيث تجري الأمور بما لا يخدم المصالح الأمريكية، كذلك هنا في إسرائيل حيث يجري الحديث بكل وضوح حول إمكانية القيام بحروب عدوانية ضد سوريا ولبنان وإيران، من أجل فرض الهيمنة الأمريكية - الإسرائيلية على المنطقة وفرض حلول الاستسلام على الشعب الفلسطيني، من خلال إقامة كنتونات محاصَرة فلسطينية تسمى زورًا وبهتانا دولة مستقلة.
وما معنى أن يقوم البعض في الغرب ويساوي بين ضحية العدوان، الشعوب السوفييتية وخاصة الشعب الروسي، وبين المعتدي النازي، بل وصلت الوقاحة والديماغوغية والكذب التاريخي لدى البعض في الغرب، إلى درجة المساواة بين ستالين وهتلر، متناسين ومشوّهين التاريخ، لأن الايديولوجيا الفاشية والنازية والشوفينية والعنصرية والصهيونية، ما هي إلا تقبيحات وإفرازات المجتمع التناحري الطبقي الرأسمالي، وإفرازات ما يسمى المصالح الحيوية لطبقة رأس المال. ففلسفة علم الإجتماع الرأسمالي المرتكزة على النظرية الجيو-سياسية دفعت النازية الألمانية إلى طرح مشروع ما يسمى "المجال الحيوي لألمانيا"، أي احتلال دول شرق أوروبا، وخاصة أراضي الاتحاد السوفييتي، من أجل فرض الهيمنة الألمانية النازية على العالم.
وهذا الطرح لا يختلف كثيرًا عن مقولة "المصالح الحيوية الأمريكية"، التي أصبحت أساسًا نظريًا للتدخل الأمريكي العسكري في شتى بقاع وقارات العالم. وفقط بعد مرور أقل من خمس عشرة سنة، بعد فشل العدوان الثلاثي على مصر، مباشرة طلب دوايت ايزنهاور رئيس الولايات المتحدة حينذاك من الكونغرس الأمريكي منحه صلاحية استخدام القوات المسلحة في الشرق الأوسط حسبما يراه مناسبًا، واستعمل إستراتيجيو البيت الأبيض، لا بل الأسود، خلال كل سنوات وجود الاتحاد السوفييتي خرافة التهديد السوفييتي والتهديد الشيوعي، "كخميرة" للمبدأ العدواني ضد شعوب المنطقة، كما يستخدمون الآن خرافة التهديد الإسلامي، وخاصة الإيراني "كخميرة" متجددة لمبدأ العدوان ضد شعوب المنطقة.
ففي آذار من عام 1957، أصدر الكونغرس الأمريكي قرارًا جاء فيه ما يلي: "إن الولايات المتحدة على استعداد، إذا وجد الرئيس ذلك ضروريًا لاستخدام قواتها المسلحة لمساعدة أي بلد أو مجموعة من البلدان تطلب هذه المساعدة، لكي تصد عدوانًا مسلحًا من جانب أي دولة تقع تحت سيطرة الشيوعية العالمية". وهكذا ظهر إلى النور "مبدأ أيزنهاور". وبعد ذلك ظهر مبدأ كارتر عام 1980، والذي يقول: "إن أية محاولة من أي قوة غريبة لإقامة السيطرة على منطقة الخليج العربي سوف تعتبر تطاولاً على المصالح الحيوية الأمريكية، وستُصد بأية وسيلة، وحتى بواسطة القوة المسلحة، في حالة الضرورة". ولدى الحديث عن "مبدأ كارتر" تجب الإشارة خاصة إلى أنه مدين بظهوره كثيرًا للمقولة التي طرحها زيغموند بجيزينسكي المستشار السابق لرئيس الولايات المتحدة لشؤون الأمن الوطني حول ما يسمى بقوس الأزمات أو قوس عدم الإستقرار، ويتلخص جوهره في أن العمليات الثورية والتحررية في عدد من دول القارتين الأفريقية والآسيوية هي مصدر لخطر محتمل على "المصالح الحيوية الأمريكية". وأصبحت هذه المقولة أي مقولة "قوس الأزمات" وبعد ذلك مقولة بوش "دول محور الشر" اساسا نظريا للإرهاب الأمريكي الدولي وخاصة في منطقة الشرق الأوسط، وهكذا تم احتلال العراق بحجج كاذبة، وكأنه يملك السلاح الذري وتحت ضغط كهنة الحرب في أمريكا وإسرائيل، ويجري الآن أيضا تحت ضغط الرأسمال العسكري واليمين الأمريكي، وسفينة الأغبياء حكومات إسرائيل المختلفة رفع شعار الحروب الوقائية ضد سوريا ولبنان وإيران، في حين يجري التغاضي المطلق عن كون إسرائيل الدولة الوحيدة في المنطقة والتي تمتلك السلاح النووي وتهدد أمن المنطقة من خلال ممارسة سياسات غطرسة القوة، واستمرار الاحتلال والاستيطان والتنكر لحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة والعادلة ورفض القرارات الدولية والسلام العادل في منطقة الشرق الأوسط. فإسرائيل مستمرة في احتلالها الكولونيالي الهمجي في الضفة وحصارها البربري لغزة. وهذه السياسة ستؤدي إلى أن تصبح إسرائيل دولة مرفوضة ومحاصرة ولا مخرج لها سوى المحيط الأطلسي وبروكلين في نيويورك.
إن الدعاية العسكرية وغطرسة القوة في الغرب وهنا في إسرائيل تشكل خطرًا كبيرًا على قضية السلام في المنطقة وفي العالم.
كتب هتلر في كتابه "كفاحي" طارحًا الفرق بين أهداف العدوان الفاشي وبين سياسة الإمبرياليين الألمان في الحرب العالمية الأولى. كتب يقول: "إن النازية ترفض شعار تغيير الحدود وتطبق سياسة الرحاب الكبيرة". وبعد الحرب أصبحت معروفة أقوال صريحة أخرى أيضا للزعماء النازيين الذين أدلوا بها في المداولات السرية، ففي تشرين الأول من عام 1943 قال هملر: "نحو نهاية الحرب الحالية (أي الحرب العالمية الثانية) حين تفنى روسيا، أو تزال في آخر المطاف، حين لا يبقى بمقدور إنجلترا وأمريكا أن تتحملا الحرب ستنبثق بالنسبة لنا مهمة بناء إمبراطورية عالمية. إن مغزى الحرب يكمن في تأسيس إمبراطورية ألمانية عالمية". واليوم أمريكا ترفع شعار، الهيمنة الأمريكية العالمية، وأمركة العالم. فالحرب بالنسبة لألمانيا لم تكن قضية غير مرغوب فيها بل كانت جزءًا من حسابات محسوبة سلفًا. وهذا الطرح أي كون الحرب قضية محسوبة سلفًا هي أساس سياسات أمريكا على المستوى العالمي وإسرائيل في المنطقة، ولذلك دائمًا يتحدثون عن الحرب القادمة. من هذا المنطلق على الإنسانية التقدمية جمعاء، أن تستخلص النتائج من دروس الماضي والحاضر، والاستمرار في النضال النشيط والمثابر ضد الرجعية والإمبريالية وتقسيماتها النازية والفاشية الجديدة وضد العنصرية والشوفينية والصهيونية هنا في إسرائيل، من أجل السلام العالمي وفي المنطقة، فسلام الشعوب بحق الشعوب.

قد يهمّكم أيضا..
featured

"الأشجار تموت واقفة"

featured

نظام بشع يُفقر العمّال

featured

هل تفهم السعودية؟

featured

رسالة الى الروح الطيبة التي لم تشأ إلا أن تغادرنا

featured

قـانـون مـكـارثـي بـحـلة اسرائيلية

featured

قوة الوحدة والتوحد اساس المعركة في التحرر من الاحتلال وبناء المستقبل

featured

أريد عطلة استجمام هادئة