في يوم صيفي من عام 1948، أطل الصباح على البطوف، كانت النسمات الخفيفة تداعب سيقان الذرة الخضراء. وقد بللت أوراقها قطرات الندى، حقول الذرة الواسعة والجميلة امتدت على طول السهل. فكان المشهد جميلا.. وروعة البطوف ليست بأرضه المعطاءة وحقوله الخضراء فحسب، بل أيضًا بالجبال والروابي المحيطة به، كأنها دروع أخذت على نفسها ان تحميه من غدر العدوان.
في ذلك الصيف أخذت جيبات الهاغاناه تتسلل بين الحقول، لتفاجئ حراس الأرض والوطن، ما ان ظهرت في ذلك اليوم، بالقرب من مسلخيت حتى أمطرت مواقع الرجال بزخات شديدة من مدافعها الرشاشة.
سرعان ما ردت مواقع المقاومة، على النار بالمثل من على سفوح الجبال القريبة من جبل غيث ومن أبو مرعي، واستمر تبادل إطلاق النار وتحرك مدفع الهاون القديم، يقذف حممه على جيبات العدو، لكن قذائفه راحت تقع بعيدة عنها.. استمرت المواجهة أربع ساعات، بعدها عادت القوات المعادية غربًا نحو صفورية المهجرة وما ان غابت عن الأنظار، عند خربة الرومي، حتى غادر الرجال مواقعهم، وحل غيرهم في مواقع الحراسة والتصدي.
وعادت سرية من جيش الإنقاذ 12 جنديًا، وهي تغني خلف قائدها: "يا لبنان عندك شبان تهجم ع المدفعية". تجمهرنا حولها كأطفال وقد أعجبتنا رقصة قائدها بالبندقية أمام جنوده.
في الديوان اسند أبو حسين رشاشه الصغير في الخزانة، بعد ان حيا الشيوخ الذين انتظروا أخبار المواجهة بحرقة وقلق. ان شاء الله خير وما في جرحى؟ سأل احد الشيوخ وقبل ان يبدأ حديثه عن المواجهة. وإذا بأحد شباب الحي يدخل مسرعًا ومذهولا وهو يقول: طوشة.. طوشة كبيرة بالقرب من الجامع.
في ساحة القبو؟ سأل احد الشيوخ. لا لا في ساحة البكرية. خلال ذلك وصل الديوان عدد من الشباب الذين غادروا مواقعهم في الجبل. وقبل ان يصلوا بيوتهم سمعوا ان مجموعة من المسلحين هاجموا القرية وقتلوا بعض النسوة.
تداولوا جميعهم بالأمر عندما وصلوا الديوان سرعان ما تحركوا جهة الجامع، كانت الساحة القريبة منه، تغص بجموع الرجال والشباب، وعلى الوجوه تبدو أمارات الغضب الشديد. بينما أصوات ترتفع "هذا عمل لا يرضى به احد" "هذا اعتداء على كل أهالي عرابة" أما الصوت الأعلى "يجب ان ينالوا القصاص اللازم".
ما ان وصل أبو حسين ورفاقه إلى الساحة، حتى نادى احدهم، هذا أبو حسين قد جاء، نادوا أبو فيصل، التقى الرجلان وتصافحا.
عسى جمعتكم جمعة خير يا أبو فيصل؟
وين الخير؟ رحل عن بلدنا وعن الدنيا كلها.
يا ساتر.. شو السيرة؟ ضيوف حلوا عند أبو النصر، احدهم يبدو انه قناص أطلق رصاص بندقيته باتجاه المخبز القريب، والمقابل للمضافة، فأصاب أم حمدان إصابة قاتلة، حتى ان دمها رشق الكثيرات من النسوة في المخبز فأصبن بالهلع، هذا العمل اعتداء على كل أهالي عرابة، واجبنا ان نثأر للمرأة التي قتلت غدرًا وظلمًا، وان نثأر لكرامة بلدنا.
كيف بدنا نثأر؟ شرعًا القاتل يقتل. والقصاص في هذه الحالة ضروري ومشروع، خاصة وان حقنا كبير في حرمة بلدنا.
أرى ان نذهب إلى قاضي الشرع، نعرض أمامه الأمر ونسمع حكمه في القضية ونعمل بعدها بقراره أو رأيه. رحب القاضي الشيخ سعيد المصطفى بالرجال خاصة سعيد الصالح ابن صديقه وعلي الجربوني ابن أخته وسمع تفاصيل الاعتداء من أبو فيصل. عندها عاد القاضي بالذاكرة، إلى ما قبل خمس سنوات، عندما سمع تفاصيل تلك القصة عن فتاة معروفية تركت بيت أهلها إلى عكا.
تجولتْ ساعات طويلة في المدينة، إلى ان توجهت لرجل البوليس وهو من عرابة، دون ان تعرفه وقالت يا بوليس الولية وصاية الخير، أنا من يومين بلا أكل. ذهب الشرطي فورًا إلى المطعم القريب واحضر لها الطعام، وخلال ذلك عرض عليها عشرة قروش لتعود بها إلى أهلها.
يا رجل أنا دخيلة عليك، ما بقدر ارجع لأهلي – وغصت بالبكاء الصامت – خذني لعند اهلك بلكِ يدبروني، في بيت أهله وعند والدته، عاشت الفتاة مكرمة ومحترمة، كما تناقلت ذلك نساء الحي. بعد أشهر اقترحت والدة الشرطي على ابنها ان يتزوج بالفتاة، خاصة وانها "يا ابني بنت حلال وصاحبة خلق وجمال" رفض الشاب ذلك بشدة. لكن والدته توجهت إلى شيوخ الحي تستشيرهم بالأمر ومن ثم تدعوهم للضغط على الابن، بعد ان وافقوا على اقتراحها.
استمر الشرطي في رفضه لأنها دخيلة، لكنه لم يستطع بالتالي مقاومة إصرار الشيوخ وإلحاح أمه، تم الزواج وخلال سنوات رُزق الزوجان بولدين الأول حمدان والثاني سامر وخلا سنوات غيابها، تعقب الأهل أخبارها، حتى تأكدوا انها في عرابة. فقرروا غسل العار عبر تصفيتها، لأن شرف العائلة يتطلب ذلك. فأوفدوا أربعة من شبابهم احدهم قناص ماهر، ما ان صوب بندقيته نحوها وأطلق الرصاص حتى أرداها قتيلة.
بعد ان عرض القاضي شريط الأحداث في ذاكرته، من البداية حتى الاغتيال التفت إلى الشيخ سعيد وقال: "والدك الله يرحمه كان صديقي، أدعو الله ان يجمعني به قريبًا وكان له ما يحق إذ رحل الشيخ إلى رحاب الله، عن عمر ناهز التسعين عامًا، وفي صباح اليوم التالي وصلت قوات الهاغانا عرابة. وواصل الشيخ حديثه: لا استطيع ان اصدر حكمًا قضائيًا في الموضوع بسبب غياب ممثل للطرف الآخر، ولو حضر لكان عنده ما يقول.
وماذا سيقول؟ سأل أبو فيصل. أبو فيصل أرى ان تطلب أنت وأبو حسين من كل الرجال والشباب المتواجدين في الساحة العودة إلى بيوتهم وبعدها اخرجوا الرجال من عند البكرية وضيفوهم.
يا عمي وحرمة البلد.. وحق المرأة؟ سأل أبو فيصل.
اترك الأمر لله، وهو القادر على كل شيء لا داعي أبدًا ان تقترفوا جريمة فتعادوا أهاليهم، خاصة وانهم جيراننا.
هذا حكمك عمي الشيخ؟ سأل أبو فيصل. نعم، حرمة البلد بسلامة أهلها وشبابها، بسلامة جيرانها وأرزاقها. كما ان الخطأ لا يصلح بخطأ.
على الرأس والعين... أنا راضٍ بما حكمت، قال أبو فيصل.
بعد قرار القاضي، تفرقت جموع الشباب، راضين بحكم الشيخ. بعدها دخل أبو حسين منزل المضيف ليخرج الشباب من مخابئهم وكم كانت ضيقة وغير لائقة. ما ان خرجوا من البوابة الرئيسية، حتى أحاط بهم رفاق أبو حسين ووصلوا معهم إلى ديوانه، وهناك قدمت لهم واجبات الضيافة باعتبارهم ضيوفًا أعزاء وأجوادًا.
رغم حفاوة الاستقبال ظلت أمارات الارتباك والخجل الممزوجة بعلامات الرضى والاطمئنان تبدو على وجوههم كما حدثني عمي الشيخ أبو حسين.
الارتباك بسبب المأزق الخطير الذي وجدوا فيه والرضى بسبب انجازهم للمهمة التي أرسلوا من اجلها ونفذوها على أكمل وجه، دون ان يصيبوا امرأة واحدة وقد تواجدت في المخبز أكثر من عشر نساء.
طال الحديث واستمر بعد الغداء من قبل رجال الديوان، والضيوف لا يتكلمون إلا نادرًا، حتى حانت ساعة الرحيل، استأذنوا مضيفهم فطلب منهم الانتظار حتى استعد الشباب لمرافقتهم، وعندما غادروا ودعوا أبو حسين وشيوخ الحي.
رافقهم الشباب محمد العرمطي وعلي الصح منصور وعلي الحاج، متوجهين إلى منطقة وادي ثور ومن هناك صعدوا إلى كروم معن ثم إلى الجنية بعدها هبطوا إلى عين عيلبون ارتاحوا دقائق معدودة ثم توجهوا بالشكر للشباب.
هكذا بالحكمة والرأي السديد منع الشيخ سعيد المصطفى وقوع اشتباك قد يكون دامي مع الضيوف وحال بين عداوة مستمرة مع أهاليهم. لم يتوقع احد آنذاك في عرابة ولا في قرى الجوار، ان تكون الحفيدة الأولى لتلك المرأة أول طبيبة في عرابة وان اخوتها سيكونون طلائع الأكاديميين في منطقة البطوف.
بسبب الاستقبال الحافل لمجموعة الاغتيال وعدم تعرضهم لسوء، توثقت العلاقة الطيبة بين أهالي تلك البلد مع أهالي عرابة وجميع وجهاء الطائفة المعروفية، إذ وصل الكثير من رسائل التقدير الشفوية مصحوبة بأجمل آيات الشكر والعرفان من قبل مشايخ الطائفة، ابلغها كانت من الشيخ الأزهري "آل طريف" ومن الشيخ أبو علي النصر. بعدها توثقت الصداقة بينهم وبين أبو حسين.