يشكل استمرار الاحتلال الاسرائيلي لبقية الارض الفلسطينية، منذ حزيران 1967، حالة شاذة، لا مثيل لها في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية؛ واي مراجعة نقدية لمسيرة صراع شعبنا مع هذا الاحتلال، على مدى الخمسين عاما المنصرمة تؤكد أن هذا الفشل لا يعود الى احجام هذا الشعب أو تردده في ميدان التضحية الوطنية. فمنذ وقوع هذا الاحتلال، قدم شعبنا أكثر من ثلاثين ألف شهيد، ما يتجاوز بشكل مرموق قتلى اسرائيل في جميع الحروب التي خاضتها منذ نشوئها؛ ودخل سجون الاحتلال قرابة المليون، منهم حوالي السبعة الاف يرزحون، اليوم، في سجون هذا الاحتلال، وفي كل يوم تقريبا لنا شهيد، حتى من أطفالنا، في المعركة ضد هذا الاحتلال.
ويوم وقع هذا الاحتلال في حزيران 1967، لبقية الارض الفلسطينية، تصرف شعبنا بمسؤولية تاريخية، مستمدا العبرة من نكبة العام 1948، ولم يكرر عملية النزوح الجماعي عن أرض وطنه، وبذلك أرسى حجر الاساس للصمود في أرض الوطن، هذا الصمود الذي يمثل، اليوم، العقبة الحاسمة في وجه المشروع الصهيوني المستهدف استكمال الاستيلاء على كامل وطننا الفلسطيني. وفي الوقت ذاته، هبّ هذا الشعب وعلى نحو مغاير لمناخ الهزيمة التي نزلت بالجيوش العربية، واندفع دون تردد لمقاومة هذا الاحتلال. وفي اطار هذه المقاومة تحوّلت حركة المقاومة المسلحة، خارج الارض المحتلة، الى حركة جماهيرية عريضة، أسهمت ولادتها على هذا النحو، في اعادة الاعتبار للشخصية الوطنية الفلسطينية التي جرى طمسها وتغييبها عمدا منذ النكبة.
وعليه، اذا كان هذا الفشل لا يقع على عاتق شعبنا، فهو بالضرورة مسؤولية القيادة الفلسطينية. قال أحد القادة العسكريين القدماء يوما: أنا لا أخشى جيشا من الاسود يقوده خاروف، لكنني أخشى جيشا من الخراف يقوده اسد! وبغض النظر عن مقدار المبالغة أو عدم الدقة في هذا القول، الا أنه يرمز الى أهمية القيادة ودورها في ادارة الصراع. فالقيادة التي تفتقد الحزم والجرأة أولا، ووضوح الهدف وبرنامجه ثانيا، وتقديم المصلحة العامة على مصالحها الخاصة ثالثا، من غير المنطقي ولا الطبيعي أن تحقق الهدف المنشود.
**زعامة فتح وريثة زعامة الحاج أمين الحسيني
من المعروف، في هذا السياق، أن حركة فتح احتلت موقع القيادة الفلسطينية، عبر مؤسسة هذه القيادة - منظمة التحرير الفلسطينية - منذ العام 1968، بعد فترة فراغ وتغييب، أعقبت افلاس القيادة السابقة بزعامة الحاج أمين الحسيني، بعد النكبة. وحينها، فرضت فتح الكفاح المسلح، شكلا وحيدا لمقاومة الاحتلال. وكانت قيادة هذه الحركة قد نشأت، تاريخيا، في الشتات، من عناصر أكاديمية، كانت في معظمها، ان لم تكن جميعها، تعمل في دول الخليج. ولم يكن اختيارها للكفاح المسلح دون سواه من اشكال النضال ضد الاحتلال من باب الصدفة، بل لكونه، دون سواه، يتلاءم مع وجودها في الخارج؛ وباعتباره الوسيلة لتكريس زعامتها وقيادتها للشعب الفلسطيني، في الداخل والخارج. بمعنى آخر: فأشكال النضال الاخرى المتنوعة، وبخاصة النضالات الجماهيرية وميدانها، حصرا، هو الداخل، لا يمكن أن تكون تحت قيادتها المباشرة، وبالتالي، فقد خشيت أن تفرز ممارسة هذه الاشكال من النضال داخل الاراضي المحتلة قيادة بديلة أو مزاحمة لها. وقد اتضحت هذه الهواجس الخاطئة التي سيطرت على تفكير قادة فتح، في وقت لاحق، وفي أكثر من مناسبة.
وفي اطار تكريس الكفاح المسلح كالشكل الوحيد المعتمد من هذه القيادة في الصراع مع الاحتلال الاسرائيلي، فرضت قيادة فتح عدة اجراءات ومفاهيم في هذا المجال، منها:
أولا – حصر عضوية اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية بالفصائل الفلسطينية المسلحة، وإغلاق أبوابها في وجه الاحزاب السياسية الوطنية، مهما كانت فاعلة في النضال ضد الاحتلال. وحين فرض الحزب الشيوعي الفلسطيني تمثيله في مختلف مؤسسات منظمة التحرير، في الدورة الثامنة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني، المنعقدة في العام 1987، تقديرا لدوره البارز في النضال ضد الاحتلال، بخاصة داخل الاراضي المحتلة، هذا التقدير الذي فرض نفسه في ظروف ما بعد رحيل المنظمة بعيدا الى تونس وتوقف النشاط المسلح عمليا؛ وتقييما للدور المتميز الذي لعبه هذا الحزب في انجاح عقد تلك الدورة التي اعادت الوحدة لمنظمة التحرير، في ظروف ما بعد بيروت؛ حينها، جرى تبرير دخول هذا الحزب لمنظمة التحرير، بتشكيله منظمة الانصار العسكرية عام1969. وقد تطلب هذا الامر"تخريجة" قانونية تولاها المستشار القانوني للمنظمة، آنذاك، المحامي أنيس القاسم، بالاستناد الى هذا المبرر العسكري!؛ والمفارقة الصارخة، في هذا المجال، أن جميع الفصائل العسكرية، وعلى رأسها فتح، تحوّلت الى تنظيمات سياسية، قبل تحرير شبر واحد من الارض الفلسطينية التي احتلت عام 1967، ناهيك عن التحرير الكامل، الذي كانت فتح تعتبر ما دونه تفريطا وحتى خيانة وطنية!.
ثانيا - طغى وساد، حتى خروج المنظمة من لبنان 1982، مفهوم "كل شيء من فوهة البندقية"! والكفاح المسلح استراتيجية وليس مجرد تكتيك، في النضال الفلسطيني ضد الاحتلال الاسرائيلي. وقد بلغ تقديس السلاح حدا غدا معه معيارا لتقييم الشخصيات السياسية الفلسطينية التي كان الاحتلال يقوم بإبعادها من الاراضي الفلسطينية المحتلة، حيث كان يجري تقييم المبعد، من أجل تقديم المساعدة المالية له في الابعاد وغيرها من الاعتبارات، بالمعايير العسكرية، وذلك "بصبّه" في قالب عسكري وتحديد الرتبة العسكرية التي يستحقها: رئيس أو رائد أو مقدم.. الخ! والمفارقة الثانية، في هذا المجال، هي في تحوّل الكفاح المسلح من هذه الحالة القدسية الى مكانة المحرّم والمدان، باعتبار ممارسته، حتى من شعب تحت الاحتلال، إرهابا!، في عهد الرئيس محمود عباس.
المفارقة الثالثة، أن قيادة فتح التي فرضت هذه المكانة للكفاح المسلح، مع الاستخفاف، الى حد التجاهل، بأشكال النضال الاخرى ضد الاحتلال، لم تتقن، أو على الاصح، لم تولِ الاهتمام المطلوب لإتقان ممارسة هذا الشكل من أشكال مقاومة الاحتلال، في مجالات التعبئة والتنظيم والتدريب، الملائمة لممارسته، بتميّز نوعي، في كل من الخارج والداخل، بل ركزت اهتمامها على الكمية، على حساب النوعية، وغدت كمية المنتسبين هي مجال المنافسة بين الفصائل المسلحة؛ والدليل القاطع على هذا الاستنتاج هو النتائج، أو على الاصح، انعدام النتائج الفعلية على أرض الواقع لممارسة الكفاح المسلح؛ اذ لم يحرر الكفاح المسلح شبرا واحدا من أرضنا المحتلة.
وفي أية عملية جرد فعلية للمعطيات الحقيقية للكفاح المسلح، على مدى الخمسين عاما الماضية، يمكن أن يسجل له التجلّي في معركتين جديتين مع العدو الاسرائيلي، لكنهما كانتا في مجال الدفاع، وليس الهجوم وتحقيق انجازات في مجال تحرير الارض المحتلة؛ الاولى، معركة الكرامة، عام 1968، وقد أفلحت حركة المقاومة الفلسطينية في صدّ وافشال الهجوم الاسرائيلي على قواعدها المسلحة هناك، بمساندة فعالة من قطعات الجيش الاردني المرابطة هناك، بقيادة الضابط مشهور حديثة، الذي شارك في تلك المعركة على مسؤوليته الخاصة؛ والثانية، معركة الدفاع البطولي عن بيروت في وجه الاجتياح العسكري الاسرائيلي، صيف 1982، مع أنها انتهت باخراج منظمة التحرير والفصائل المسلحة من لبنان. وفي الحالتين كانت قواعدنا وتجمعاتنا ثابتة ومكشوفة للعدو، خلافا لمقتضيات حرب الانصار.
وفي ضوء انعدام أية انجازات حقيقية للكفاح المسلح في مجال تحرير الارض الفلسطينية المحتلة 1967، فان بعض التنظيمات الفلسطينية، التي تماهت مع فتح في التركيز على الكفاح المسلح، على حساب الاشكال الاخرى في مقاومة الاحتلال، راحت تموّه انعدام أية نتائج ملموسة للكفاح المسلح، في مجال تحرير الارض المحتلة، بالتركيز على عدد شهدائها كبديل للإنجازات، وكأن الاستشهاد هو الهدف!.
وطالما كانت قيادة فتح في الخارج فقد اعتبرت الساحة الخارجية هي الساحة الرئيسية والحاسمة في النضال الفلسطيني ضد الاحتلال، يقابل ذلك استخفاف بوزن ساحة الداخل، رغم كونها ساحة المواجهة الرئيسية واليومية مع الاحتلال؛ ولكن حين انتقلت هذه القيادة الى الداخل، بعد اتفاقات أوسلو انعكس تقييم هذه القيادة لساحتي الداخل والخارج وغدا الاهمال والاستخفاف نصيب الساحة الخارجية علما بأن قسما أساسيا من شعبنا يعيش في اللجوء، في دول الجوار على وجه الخصوص. وقد انعكس هذا الاهمال على منظمة التحرير التي تمثل جماهير الداخل والخارج. بمعنى آخر، غدا مكان القيادة يتقدم على مكانة الوطن. وهذه هي المفارقة الرابعة.
**كيف تعاطت القيادة الفلسطينية مع الطابع القومي للقضية الفلسطينية
من المعروف، فيما يتعلق بالطابع القومي للقضية الفلسطينية، أن الحركة الصهيونية، قبل غيرها، هي من حدّدت، منذ لحظة ولادتها، هذا الطابع للقضية الفلسطينية. فقد تعهد هرتسل، مؤسس هذه الحركة، للإمبراطورية البريطانية، بأن تكون الدولة الصهيونية الموعودة "سدا في وجه بربرية الشرق" وأن تتولى حراسة قناة السويس وطريق الهند، درة الامبراطورية البريطانية، آنذاك، مقابل تبني هذه الامبراطورية للمشروع الصهيوني في فلسطين. ومن الواضح أن هذه المهام التي أخذتها الصهيونية على عاتقها تتجاوز فلسطين وشعبها، وتطال المحيط العربي، ومن هنا في اﻷساس نشأت قومية القضية الفلسطينية.
وقد تأكد هذا الطابع للمشروع الصهيوني الذي وضع نفسه في خدمة ليس الامبريالية البريطانية وحدها، بل مختلف الامبرياليات، في الممارسة العملية، وذلك في سلسلة الحروب العدوانية التي شنتها اسرائيل منذ قيامها. فالعدوان الثلاثي على مصر عبد الناصر، خريف 1956، لم يكن بسبب القضية الفلسطينية، بل بسبب تأميم عبد الناصر لقناة السويس، وكذلك الحال مع عدوان حزيران 1967، الذي استهدف ضرب الحركة القومية العربية التحررية بقيادة مصر عبد الناصر، هذه الحركة التي راحت تقلق مختلف القوى الامبريالية التي لها مصالح استغلالية في المنطقة. ومن هنا، فالتصدي للمشروع الصهيوني وعدوانيته وطموحه الدائم للتوسع، ليس مهمة الشعب الفلسطيني وحده، بل مهمة عربية مشتركة.
لكن هذا الطابع القومي للقضية الفلسطينية يتطلب، بالضرورة، في الممارسة العملية، مستوى رفيعا من التنسيق بين القومي العربي والوطني الفلسطيني. ويشترط هذا التنسيق لتأمين جدواه وفعّاليته الكاملة، التزاما في اتجاهين متقابلين: من الجانب الواحد أن لا تتدخل قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية في الشؤون الداخلية للبلدان العربية الاخرى، وأن تنأى بنفسها عن المحاور التي قد تنشأ في المحيط العربي؛ ومن الجانب الاخر، أن لا تسمح لاي نظام عربي بالسطو على استقلالية القرار الوطني الفلسطيني. فإلى أي مدى أفلحت قيادة فتح، منذ توليها قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية، في التعاطي الموزون مع هذه المعادلة الحساسة؟
في مجال عدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان العربية، فقد خرقت قيادة فتح هذا المبدأ في الاردن أولا، حين سعت الى خلق دولة لها داخل الدولة الاردنية، مستغلّة كون الاردنيين من اصول فلسطينية يشكلون أكثر من نصف عدد سكان ذلك البلد؛ لكن هذه المحاولة قدّمت، في الوقت المناسب، الغطاء المطلوب للنظام الاردني المعادي بطبيعته وطبيعة تحالفاته الاقليمية والدولية لحركة المقاومة الفلسطينية، لتنظيم مذابح أيلول 1970، منتهزا في تلك اللحظة، خلاف منظمة التحرير التي تقودها فتح مع نظام عبد الناصر على خلفية قبول الاخير، آنذاك، مبادرة وزير الخارجية الاميركية، روجرز، هذا القبول الذي اتضح لاحقا أنه تكتيكي من حيث المبدأ، الغرض الاساسي منه، إيقاف الغارات الجوية الاسرائيلية على العمق المصري الى أن يتسنى، سرا، نشر صواريخ سوفييتية حديثة ضد الطائرات الحربية الاسرائيلية، على امتداد قناة السويس، لحماية العمق المصري. والمفارقة الخامسة، في هذا المجال، أن تكون قيادة فتح أول المطبعين مع نظام الردة المصري (الذي خلف نظام عبد الناصر) بعد الصلح المنفرد مع اسرائيل الذي أخرج مصر بثقلها النوعي من جبهة المواجهة مع إسرائيل، وأن تغدو المفاوضات حصرا، وبالرعاية الاميركية، بدل الكفاح المسلح؛ رغم ثبوت عبثية هذه المفاوضات، خلال أكثر من عقدين.. أن تغدو هي النهج الوحيد لقيادة فتح في التعاطي مع قضية الاحتلال الاسرائيلي.
وحين انتقلت منظمة التحرير وفصائلها المسلحة الى لبنان بعد اخراجها من الاردن، فان هذه القيادة لم تستخلص العبر من أخطائها في الاردن والتي أدت لخسارتها لأهم وأوسع قاعدة لها، جغرافيا وديموغرافيا، ضد الاحتلال الاسرائيلي، بل كررتها بتأسيس دولة الفكهاني وسط بيروت، وهذا ما أسهم في تسهيل تحالف بعض أوساط الموارنة اللبنانيين مع الغزو الاسرائيلي للبنان، صيف1982، والذي أسفر عن ابعاد منظمة التحرير عن لبنان أيضا بعد الاردن، كما أسفر عن مذابح مخيمي صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين؛ والمحصلة العامة لهذه الممارسة المغلوطة في العلاقة بين الوطني والقومي، خسارة جبهات المواجهة المباشرة مع الاحتلال الاسرائيلي، ونفي المنظمة بعيدا - في تونس.
واذا كان سلوك قيادة فتح في كل من الاردن ولبنان، منذ تسلّمها لقيادة منظمة التحرير الفلسطينية وحتى الخروج من لبنان، قد أسفر عن هذه النتائج السلبية المأساوية، حيث كان لخرقها أحد طرفي العلاقة الموزونة بين الوطني والقومي، دور بارز في هذه النتائج السلبية؛ فإنها، بالمقابل، لم تتمسّك بمبدأ عدم التفريط باستقلالية القرار الوطني الفلسطيني، ليس للأنظمة المعادية لإسرائيل وسندها الولايات المتحدة، وانما للأنظمة الساعية بلهفة للتحالف مع اسرائيل على حساب القضية الفلسطينية.
وقد تفاقم هذا الاستعداد للتخلي عن استقلالية القرار الوطني الفلسطيني، منذ بداية الحراك الشعبي العربي، أوائل العام 2011، وانقسام النظام العربي الى محورين متعارضين ومتصارعين؛ فبدل أن تنتظم هذه القيادة الفلسطينية، عند الضرورة، في المحور المناصر للقضية الفلسطينية والمناوئ لأعدائها، أو تلتزم موقف الحياد بين هذه المحاور، انحازت الى المحور الذي تقوده السعودية، التي لم تعد تخفي طموحها ولهفتها للتحالف الرسمي والعلني مع اسرائيل ضد محور المقاومة، المناصر الحقيقي للقضية الوطنية الفلسطينية والعدو اللدود لإسرائيل وسندها الولايات المتحدة، الى حدّ راح معه الرئيس عباس يردد، بمناسبة ودون مناسبة، أنه مع السعودية، كما جاء في كلمته أمام الجمعية العامة للامم المتحدة، خريف العام 2016.
(يتبع)
