صحف الحزب الشيوعي كانت الرائدة في توعية شعبنا

single

كأني وأنا اقترب من بوابة  السنة السابعة والسبعين، أعيش في مراحل العطاء الأولى، التي كانت أيام تلك العقود السوداء من القرن الماضي ، فكريا وسياسيا واجتماعيا.
وكوني قطعتُ سنوات الدلال والمراهقة والعمل الجاد لبناء عش الرباط المقدس، وأتحرك في مجالات الشيخوخة، الظاهرة على الوجه  وشرايين الرقبة والشعر الأبيض والمشي البطيء وما إليها ،غير أني بقيتُ منتجا في شتى المجالات ،وهذا من فضل ربي .
وظلت ذاكرتي في عز شبابها ، لم يتصدع أي موقع منها، وما تداعت فيها الذكريات، بل ظلت حية دائمة الحركة ، لا تغيب عن البال . وعليه لا ينكر احد ممن زاملوني، أني بذلت جهدا كبيرا في الخمسينيات والستينيات من خلال الاجتماعات العامة ، واجتماعات الأحياء، وتوزيع صحف الحزب، والاشتراك الفعلي في مظاهرات أول أيار وغيرها من المؤتمرات وشاركني في ذلك الجهد عدد غير قليل من الزملاء، اذكر منهم:عبد الرازق اسدي، سعيد محمد طه، محمد سعيد الشيخ، محمد سعيد طه(ابوعباس) ،وغيرهم.
والحقيقه التي لا غبار عليها، اننا لم نكن نوزع صحف الحزب :الاتحاد، الغد، الجديد،الدرب  لقاء آجر، وإنما تبرعا، وعن رغبة وقناعة: من اجل محبة بلدنا واهلها ، ومن اجل محبة شعبنا وتطلعاته المستقبلية وطموحاته بتحقيق السلام وليس الاستسلام.
وكأني في العنفوان احاول ان يكون لي رصيد منقوش على حجر في بناية حاضرنا ومستقبلنا فيما تبقى لي من الزمان او العمر بقدر اوفر مما تركت ورائي من آثار سياسية واجتماعية وعمرانية في منطقة المختار الجديدة .
احس وانا اليوم،اكتب عن صحف الحزب الشيوعي في العقدين (الخامس والسادس) من القرن الماضي اني احملها رغم احتلال الشيب معظم الشعر في بدني  واتجول لبيعها في مناطق الحارة الشرقية ورأس رباع البلان ورأس الحكورة والحارة التحتى وغيرها من مناطق دير الاسد، واحس ان عيون الحاكم العسكري او بمعنى أوضح زلم الحاكم المأجورين الذين امست عظامهم ترابا يلاحقونني ورفاقي ليستوضحوا البيوت التي ندخلها ومن يشتري الجريدة لينقلوا اخبارنا في اليوم التالي طازجة ومبهرة، في الكثير من بهارات النفاق والرياء الى الاجهزة المسؤولة وتشمل:
قسم الشرطة، الحكم العسكري، واقسام التحريات .
وبالطبع عشناها حقبة صعبة، وبالقلق الكبير، لكننا لم نيأس من تلك الملاحقات بتاتا، وانما شدتنا اكثر في المضي قدما، حيث لم نرض ان نكون عبيدا للحاكم العسكري وقتذاك، اذ لا يخرج من عبيده الا العبودية ، ولم نلجأ الى السكون بل تواصل توزيعنا لصحف الحزب برغبة في قريتنا في الوقت الذي كانت ترزح تحت حكم رهيب يمنع وصولنا لمحلات عملنا الا بالتصاريح، ويكثر من مداهمات بيوتنا للتفتيش عن اكياس الدخان العربي، والحطات او الشاشات والعقل العربية والمناديل وقماش القنابيز، واصابع الخيطان واقلام الحبر وساعات اليد ثم التفتيش عمن يسمون بالمتسللين، اولئك الديراويين من اقاربنا واهل بلدنا الذين هربوا الى لبنان بعد دخول الجيش الاسرائيلي وقتل اربعة من اعزائنا  واسر العشرات من الشباب والشيوخ العزل . وقد تركوا وراءهم نساءهم واولادهم وبيوتهم وارزاقهم على امل ان تهدأ العاصفة التي عصفت بالشعب الفلسطيني كما نعلم، وتتغير الامور والاحوال ، ويعودوا الى بيوتهم ويحتضنوا نساءهم واولادهم واملاكهم. ومما هو جدير بالذكر هنا ، ان الضابط اليهودي (ابو خضر) ومعه فرقة من الشرطة اثناء مداهماتهم البيوت في قريتنا ، شاهدوا عن قرب ، دخان سيجارة يرتفع من رجل واقف جنب حماره عند المقبرة  فما ان هموا للقبض عليه  واذا به يدس كيس الدخان (وهو بحجم ومثل كيس التباكو) في اذن الحمار .
ولما وصلوا اليه باغتوه: ارفع يدك ، وين كيس الدخان؟
اجاب: معنديش دخان .
فتشوه حتى يئسوا . فقال له الضابط ابو خضر : وحياة خضر ان اعترفت ما نعمل معك اشي .
فسحب ابو فايز حرب رحمه الله الكيس من اذن الحمار وقال لهم: خذوا هذه القنبلة التي ازعجتكم!!!
رغم هذه الالوان من الملاحقات ، وزرع الرعب في نفوس اهل بلدنا ، قطعنا الخطوط الحمراء مرارا وتكرارا ، ونجحنا في شق بطن الضبع المفترس  ومزقنا قلبه .
وبعدما كان المواطن الديراوي مغلوبا على امره في انتخابات الكنيست تحول من التستر والخشية الى العربدة والانطلاق في الشوارع عندنا ، ايام الانتخابات يعلنها على رؤوس الاشهاد ، صوت قاف ولا تخاف. وفي تلك العقود كانت نسبة التصويت لصالح الحزب تفوق الـ %50 من مجموع المصوتين في قريتنا .
وقد ارتفعت النسبة في السبعينيات، وارتفعنا معها معنويا واجتماعيا وسياسيا .
اجل لم نيأس في اول خطوات مشوارنا  رغم الصعوبات والعراقيل التي كانت تواجهنا ، لاننا كنا موقنين انه بعد سهر الليالي وعتمتها ينبعث الفجر من الغسق وتشرق ما احلى نورها شمس الشموس.
وكم راهنا ان امرا ما سيحدث من وراء الابعاد ، يدعم  مواقفنا  ويشد اعصابنا ، ويقوي تمسكنا بالمبادئ الماركسية واللينينية ، وكان الحدث الذي هز الدنيا :حذاء خروتشوف  فوق طاولة هيئة الامم المتحدة ، الذي هدد وتوعد قوى الشر والاحتكار والاستبداد فوق الارض وتحتها .
ومما لا شك فيه ، كان لذلك الحدث أثر كبير في توسيع باب بيتنا الشيوعي بحيث انتمى لهذا الحزب كثيرون، بينما كان ضيقا ، والدخول منه صعب ، وازداد الطلب على صحف الحزب ، وكثرت الفرق المتطوعة والمتبرعة لبيعها. فكانت تجتمع في مكان متفق عليه داخل قريتنا، ومنه تنطلق واليه تعود لدراسة وتقييم الوضع.
كنا نوزع في ديرنا التي لا يزيد عدد سكانها في اواخر الخمسينيات عن الالف وخمسمئة انسان ،اكثر من ستين عددا من جريدة الاتحاد عدا مجلات: الغد والجديد والدرب.
وكنا نحس اننا في بداية مرحلة ثقافية وسياسية واجتماعية مشرقة ومطمئنة.
فحيثما كنا نتجول في شوارع قريتنا ، نشاهد الكثيرين من الشباب يحملون صحف الحزب ونسمع نقاشات موضوعية ، ومحاضرات في السياسة والاقتصاد وهكذا.
وأسفنا كبير ان مجلات الدرب والجديد والغد اختطفتها يد المنون ، في الوقت الذي كنا نحن بأمس الحاجة لتواجدها في بيوتنا . يا لخسارة الشعراء والادباء والمفكرين الذين كانت تلك المجلات حقولهم يزرعونها ويكلؤونها بأذهانهم وعواطفهم ليحصد خيراتها ابناؤنا واحفادنا ويبنوا عليها مستقبلهم!!!
يا لشقاء الشبيبة الشيوعية والمؤيدين، بعد الغياب الطويل لمجلة الغد ان صح هذا التعبير، حيث كانت تلفهم بادفأ الاحضان واحلى الابتسامات تجمعهم  وتزرع في نفوسهم المحبة ووحدة الصف والعمل الخالص والمخلص من اجل المستقبل الذي يطمح اليه الشباب الطموح.
اجل ، غياب المجلات السالفة الذكر ، نكسة لنا كلنا في هذه الظلمات الضاغطة على صدورنا .  ولكن عزاءنا الكبير ، بقاء جريدة "الاتحاد" اليومية  والصباحية صامدة رغم الظروف  السياسية والاقتصادية  المجحفة،"ومحلوّة" بصور نوابنا في الكنيست ورؤساء مجالسنا الجبهويين والتقدميين . فهل يرضينا بعدئذ ان يكون عدد المشتركين في الدير فقط سبعين عددا ؟
اي انها تدخل سبعين بيتا من آلاف البيوت في قريتنا !!!
مع ان عدد سكان الدير ، هذه الايام يزيد عن عشرة آلاف نسمة ولم يخل بيت فيها من خريج ثانوية او جامعي!!
فهل العيب في الجريدة او ان كل العيوب معلقة برقابنا؟
يتحدث الكثيرون من الكتاب والشعراء والمحققون في الصحافة والتلفزيون ان المطالعة عند الشعوب العربية شبه معدومة  وهي من اضعف النسب بين الامم .
فهل تجرنا احاديث اولئك وهؤلاء الى ربطنا بالمثل "حط راسك بين الروس وانهر يا قطاع الروس"؟
قد نطنش على عيب شعوبنا العربية التي لا تقرأ مثل باقي الشعوب المتحضرة غير اننا لن نتجاهل اهمية استقبال جريدة "الاتحاد" اليومية الصباحية التي يتجاوز عمرها الستة عقود . والله ، لم يمر يوم علي ، على مدار السنة ، وعند كل صباح جديد، الا واتناول جريدة الاتحاد عند وجبة الفطور ذات الشطرين الاول مليء البطن بما هو متيسر من اشكال والوان الطعام والشطر الثاني تزويد الذهن بما يكتسبه من الصحف المتنوعة التي تضيء كل جوانبه وتغسل كل الاوعية التي تعمل معه ، وتنظفها من جميع الموبقات الفاسدات ، واني على يقين ان الذين لا يقرأون كالعراة معرضين  في كثير من الاحايين لاعراض البرد  القارس وحرارة الشمس واوجاع الظهر والنزولات وغيرها . وكون غالبية شعوبنا من هاتيك الفصائل "العراة" فانها يوميا  تنصلي باطماع اسرائيل واميركا وبريطانيا وفرنسا. وكون الوعي من افرازات "اقرا" فالشعوب الواعية لا تقبل الضيم من اجل هذه كلها من واجباتنا ان تكون علاقاتنا بجريدة الاتحاد كأحسن ما تكون العلاقات . ونؤكد ان بالامكان رفع نسبة المشتركين الى  الضعف ،لكن هذا التحول الايجابي الذي نتطلع اليه لا يتحقق بالشعارات والكلام فقط، انما المطلوب من الاعضاء البارزين الشيوعيين والجبهويين بكل قرانا ومدننا العربية ان يجهزوا انفسهم، ويستعدو لجولات ويصبروا حتى يعجز الصبر عن صبرهم كما يقال ،لان "الاتحاد" بحاجة ماسة لعونهم ،ووطننا يأنس بطلوعها عند اشراقة شمسنا، ومواعيد زقزقات عصافير الدوري والزراعي وعرائس التركمان التي تعيش معنا وحولنا . ومما لا شك فيه فقد حاصرت "الاتحاد" عدة ظروف سياسية واقتصادية وحاولت خنقها والتخلص منها ، ومع ذلك  صمدت وبقيت بقاء شعبها وشعبيتها.
 بعد ذلك كله ، وبعد ان ذهبتُ بعيدا الى الوراء مع الذكريات التي لا تغيب عن البال ،قررت التوقف والاكتفاء بما تيسر حول هذا الموضوع.
لكن "هرجا" كثيرا لا ينقطع هنا وهناك بين الرفاق والاصدقاء والقراء حال دون توقفي. ومن الطبيعي ان يكون على نطاق لا بأس به في وسطنا العربي ، ويدور حول "الاتحاد" الاصيلة والعريقة في البلاد، وطن الآباء والاجداد . والحق لولا جدارتها واهميتها التاريخية والاجتماعية ، في التوعية وخلق اجيال مسؤولة تتحمل هموم شعبنا ، لما  كان الهرج يتوخى حث المسؤولين عن الاتحاد ، فتح صدرها للاطفال ، لصورهم وقصصهم القصيرة والمبسطة وسائر برامجهم الترفيهية . وللكتاب والشعراء تنشر صورهم الى جانب مقالاتهم وهم على قيد الحياة وليس بعد موتهم. وللمرأة ضمن زاوية خاصة لها ، عن دورها في المجالس المحلية والبلدية ، وعن ادوارها في التربية والثقافة الوطنية وانتماءاتها .
وللطبيب تخصص له زاوية يعالج بها مختلف امراض السكر والسرطان والضغط وما اليها من الامراض المختلفة التي تكاثرت مع تكاثر اليهود المهاجرين من مختلف اقطار الارض الى هذه المنطقة المقدسة المباركة (فلسطين) ،كلنا تواقون الى اكثر من هذه البرامج والمواضيع. لكن العرب قالوا: عنتر بنطح الف بظهره الف، وهكذا الاتحاد تكبر برجالها وتعلو القمم بفرسانها .
ومن الغباء السياسي ان نتجاهل دور هذه الجريدة في حياتنا وخصوصا في ظروفنا الصعبة التي نحياها تحت ضغوط مؤامرات قاسية تحوم حولنا وتتهاوى علينا ، لقلع جذورنا من وطننا والتخلص النهائي منا ، وعليه منذ اليوم "وكان بالاحرى منذ الامس"  ان نضع نصب اعيننا الشعار " هذا اوان الشد" ولا ننتظر اكثر  ليظل وجه الاتحاد  وقلبها وعمودها الفقري واعصابها في ريعان شبابها ، وتزداد صفحاتها من ست عشرة صفحة الى ثلاثين ، وعندئذ لن يكون بالامكان طيها ووضعها في جيب قميص اي واحد ، كما نضع علبة من السجاير وخصوصا ايام الاحد والاثنين والثلاثاء والاربعاء والخميس  اعذروني  ربما فلتت زلة من قلمي في هذه السطور القليلة جرحت شعور بعضكم مع انى اربأ دائما بعدم المس ولو قيد انملة بشعور اي كائن بشري بل عودته منذ طفولته الطموحة على النقد الايجابي والبناء ، حتى ولو كلفني غاليا .
وقبل ان نفترق سنلتقي عن قريب مع الذكريات التي لا تغيب عن البال في الاعداد القادمة.


(دير الاسد)

قد يهمّكم أيضا..
featured

طلعت أدهى مني وأقوى

featured

لماذا هذا النقاش والاصطفاف بين الرفاق عبر الفيس بوك!!

featured

"وحنَّا نقَّارة جاب الهويَّة"

featured

إضراب هام لصالح المواطنين

featured

روسيا في سوريا: نهاية القطب الواحد!

featured

قراءة في نتائج الانتخابات المصرية وانعاكسها على القضية الفلسطينية (2)

featured

نتنياهو يجترّ مواقفه الرفضية !

featured

رنا.. حكاية وطن جاءها في حقيبة