قراءة في نتائج الانتخابات المصرية وانعاكسها على القضية الفلسطينية (2)

single

من الواضح أن نجاح مصر في استعادة دورها الإقليمي النافذ وتأثيرها الملموس على قضايا المنطقة عموماً، كما يأمل كثيرون وبما يليق بتاريخ مصر وما يتطلبه حاضرها، تحت حكم الإخوان المسلمين، يعتمد على مدى قدرة الحركة ليس فقط على التغلب على المشكلات الموروثة والمستجدة، الفساد والفقر والبطالة والعشوائيات واستعادة الأمن وهيبة الدولة وقضية مياه النيل والوضع المتأزم في سيناء وغير ذلك كثير، وإنما أيضاً، وأساساً على قدرتهم على بناء دولة حديثة ونظام سياسي ديموقراطي يعيد التوازن السياسي المفقود، ويحافظ على الاندماج المجتمعي المطلوب، ويطلق طاقات الشعب المصري المغلولة والمكبلة بالقمع والفقر والأداء البيروقراطي السيء.
من المشكوك فيه أن تنجح الحركة في تحقيق ذلك كله، إما لأن المشكلات القائمة أعقد مما يتوهم البعض، وإما لنقص الخبرة والدراية الكافية، وإما لتدخلات وتأثيرات العوامل الخارجية، وإما لاحتمال تعثر مسيرة التحول الديموقراطي والفشل في بناء دولة عصرية. ويرجح البعض، في ضوء هذا الاستنتاج، أن يميل الرئيس المنتخب إلى إتباع سياسة المناورة، بخلط الأجندات أو باتخاذ قرارات تضع الجميع في موضع حرج، مع الميل التدريجي نحو استخدام القمع والعنف في إسكات أصوات الاحتجاج والمعارضة.
وفي هذا الصدد، من المتوقع أن يلجأ الرئيس إلى توتير العلاقة مع إسرائيل، مثلاً، لمواجهة مناكفات المجلس العسكري أو محاولاتهم منعه من ممارسة صلاحياته الرئاسية كاملة، وقد يلجأ إلى استمالة قيادات عسكرية مناوئة للمجلس فيما يشبه الانقلاب عليه. بكلمات أخرى، ستكون الأولوية بالنسبة للإخوان تثبيت أركان حكمهم وسيطرتهم السياسية، ولن يتورعوا عن توظيف بعض قضايا السياسة الخارجية في خدمة هذا الهدف. يعتقد البعض، أنهم سينتهجون سياسة برغماتية مماثلة لسياسة رئيس وزراء تركيا طيب رجب اردوغان طالما كان هدفهم النهائي هو الاستحواذ على السلطة كاملة وحكم مصر بصورة لا ينازعهم فيها أحد. وهم في سبيل ذلك، إن اقتضى الأمر، لن يترددوا في الاخلال بحقوق المواطنة داخلياً أو بمقتضيات الأمن القومي خارجياً.
في ضوء ما سبق يمكن تحديد الملمح الرئيس للسياسة المصرية الخارجية لزمن يطول أو يقصر تبعاً لمستجدات قاهرة كالتالي: لن يحصل تغيير حاسم سريع أو جذري في السياسة الخارجية المصرية، مع ملاحظة:
* سيظل القرار المصري السيادي، في أثناء المرحلة الانتقالية التي تشهد صراعاً مزدوجاً، بين الرئيس والمجلس العسكري من جهة، وبين شرعية الثورة وشرعية نظام الحكم القائم من جهة أخرى، رهن محصلة توازن القوى الداخلية الفاعلة، بميل واضح للمجلس العسكري، ورهن اعتبارات أخرى، كالحاجة للمعونة الخارجية وضرورة الالتزام باتفاقيات السلام في السياسة وبسياسات السوق في الاقتصاد. ولعله من اللافت قول محمد مرسي أن حديث الاستغناء عن المعونة الأمريكية، الآن، يعطل استكمال بناء مؤسسات الدولة.
* مع إدراكه لحقيقة أن فوزه الانتخابي لم يكن ساحقاً، وجاء بأصوات القوى المدنية، وأن زمن رئاسته لن يطول أكثر من عام واحد ما لم يتضمن الدستور القادم حكماً انتقالياً يستكمل بمقتضاه مدة الرئاسة كاملة، فمن المرجح أن يستقوي الرئيس المنتخب في مواجهة ذلك بتبني المضمون الاجتماعي للناصرية والمضمون السياسي للساداتية، وخصوصاً في تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وزيادة التعاون معهما. وهو ما يعني سياسة خارجية باردة وحيادية تجاه قضايا المنطقة الساخنة (سوريا، إيران، المسألة الفلسطينية،..) مع التشديد الخطابي على رفض التدخل الخارجي في شؤونها الداخلية، وربما التنديد ببعض سياسات إسرائيل والولايات المتحدة.

  • *بين انحيازات الأيديولوجيا واستحقاقات الواقع

من المعروف أن موقف الإخوان المسلمين تجاه القضية الفلسطينية يقوم على مرتكزات حق العودة، وتحرير كامل فلسطين "بوصفها أرض وقف إسلامي" وعدم الاعتراف بإسرائيل. غير أن انشغالات الحركة، ودخولها معترك المنافسة السياسية بعد ثورة 25 يناير، وإن لم يمس بالبنية الأيديولوجية الأساسية، دفعت بالقضية الفلسطينية أسفل أجندة متخمة بالأولويات.

يستهدف مشروع النهضة، الذي حمل محمد مرسي إلى سدة الحكم في مصر، تمكين الشعب المصري والمجتمع، إعادة وجه مصر العظيم ومكانتها ودورها الريادي، وبناء الأمة المصرية. ومن بين الاستراتيجيات السبعة التي يحددها لإحداث التغيير المنشود، في فترة 25 عاماً، لم يفرد المشروع أي توجه بخصوص المسألة الفلسطينية، إلا ما جاء في إستراتيجية الريادة الخارجية من إشارات أو في إستراتيجية بناء منظومة الأمن والأمان من تلميحات. فعدا عن بناء قوة الجيش المصري، ثمة استهداف لإعادة الدور الريادى لمصر كدولة فى واقعها الإقليمى، ولحماية الأمن القومى العربى وأمن الخليج، وأخيراً، إقامة العلاقات مع كل الأطراف الدولية على الندية والمصالح المشتركة.
هذا وأفرد البرنامج الانتخابي للرئيس محمد مرسي في باب الريادة الخارجية، ضمن دائرة الانتماء العربية، الفقرة التالية: تأييد الشعب الفلسطيني في نضاله المشروع لنيل حقوقه وبناء دولته وتحرير أراضيه ودعم مواقفه على الساحة الدولية والتنسيق مع الدول ذات السياسات المؤيدة للحقوق الفلسطينية بمختلف انتماءاتها الجغرافية وتوجهاتها السياسية.
جاءت خطابات مرسي، قبل وبعد فوزه، متوازنة وواقعية وتحمل رسائل عديدة لطمأنة كل الفئات وقوى الشعب المصري علاوة على طمأنة دول العالم. أكد أن مصر لن تصدر ثورتها، وأنها ستسعى لتطوير قواتها المسلحة والمحافظة عليها لحماية أمنها القومي المصري. كما شدد على رفض التدخل الخارجي قائلاً "سأعمل معكم أن تعود مصر حرة في إرادتها وعلاقتها الخارجية وساحذف أي معني للتبعية لاي قوة مهما كانت".
كما أكد دعم مصر للمصالحة الفلسطينية والتزام مصر باتفاقيات السلام الموقعة مع إسرائيل. وفي ذات الوقت شدد على أن مصر حرة علي أرضها وحرة بقرارها وحركتها تحمل رساله سلام لا تعتدي علي أحد "ولكننا قادرين أن نرد بل نمنع أي عدوان علينا من أي جهه كانت". ومع إعلانه عن تبني مفهوم جديد للعلاقات الخارجية مع الجميع، دون أن يفصح بالتفصيل عن هذا المفهوم، حذر من أن ينال كائن من كان من كرامة مصر أو كبريائها وكرامة شعبها ورئيسها.
كما كان قد طالب، قبيل انتخابه رئيساً لمصر، الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي بضرورة اتخاذ خطوات جادة نحو تحقيق السلام الشامل والعادل الذى نصت عليه الاتفاقيات والقرارات الدولية. وذلك على الرغم من انتقاده، في مكان آخر، الرئيس محمود عباس، الذي يعتقد بأن إسرائيل ستقبل إقامة دولة فلسطينية مستقلة ووصفه "بالسذاجة" في حين أشاد مرسي بحماس ومقاومتها للاحتلال الإسرائيلي. هذا وكان حزب الحرية والعدالة أكد أن حل القضية الفلسطينية يدعم الأمن القومي المصري من ناحية، وأمن المنطقة العربية من ناحية أخرى. ودعا الحزب شركاء الوطن الفلسطيني لتقديم المصلحة الوطنية وتوحيد الجهود نحو تخفيف معاناة الشعب الفلسطيني وقطاع غزة المحاصر.
من الواضح، أن مرسي يميل لتبني نظرية سياسية قريبة من تلك التي تبناها ويعمل بموجبها حزب العدالة والتنمية التركي: وقوامها التركيز على الأوضاع الاقتصادية والاستقرار السياسي على المستوى المحلي، بناء علاقات متوازية ومتزنة مع دول الإقليم (إسرائيل لن تكون استثناء مع خصوصية العلاقة معها، التي قد تشهد توترات) وأخيراً التعاطي مع القضايا الدولية وفق متغيراتها ومتحولاتها دون التخندق حول مواقف ثابتة.

 

*عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطيني
(يتبع)

قد يهمّكم أيضا..
featured

ما بعد الخطابات والبيانات واعتلاء منابر المؤتمرات..

featured

عبَر أزمة الحكومة الفلسطينية

featured

في مواجهة التطرف الديني والفكر الداعشي الظلامي..!

featured

الدين السياسي .. والديمقراطية الغربية ؟؟

featured

لا للمقاطعة واللامبالاة - نعم لرجم ليبرمان واليمين الفاشي بالواوات

featured

اغتصاب بقرار شرعي..!

featured

رجال الظلام وسقْط الكلام فـي الإتـجار بإسم الإسلام

featured

بدون عدل وعدالةَ، يأكُلُ قوِيُّنا ضعيفَنا