بدون عدل وعدالةَ، يأكُلُ قوِيُّنا ضعيفَنا

single

*كلماتٌ في قصّةِ "السّلسِلةِ الضّائعةِ" (قصّةٌ للأطفال) للشّيخ الكاتب، الدّكتور"فايز عزّام"*


لقد كرّمني الصّديق الشّيخ، فايز عزام، مُؤخّرًا، عندما أهدى إليّ قِصّته "السّلسلةُ الضّائعة"، وهي قِصّةٌ للأطفالِ كان قد أصدرها هذه السّنة، عن طريق مكتبة "كلّ شيء" (مركز أدب الأطفال). فرحت بهذه الهديّةِ آملًا أن أجدَ بها المتعَةَ المرجوّةّ وامتلأتُ تقديرًا للكاتب الّذي بلغ مُنتصفَ السّبعينيّات والّذي أمضى جُلّ سنواته كمعلّمٍ ثُمّ مُفتّشٍ لموضوعِ "التّراثِ الدّرزيّ"، حيثُ وضعَ بّصّماتهِ الدامغةِ على تعليم هذا الموضوعِ الهامّ، الّذي أصبحَ وحدةً تعليميّةً قائمةً بحدّ ذاتها وما أحوجنا في هذه الأيامِ العصيبةِ إلى العودةِ لتراثنا ولقيمنا النّقيّةِ، للمُحافظةِ على أخلاقيّاتنا!
 تناولتُ القصّة وقرأتُها بإسهابٍ وباهتمامٍ كبيرَين، فوجدت نفسي أقف أمامَ قصّةٍ نابعةٍ من صميم التُّراثِ الإنسانيّ وتحملُ أسمى آيات القيَمِ الّتي يجب تربيةِ أبنائنا عليها، فهي ذاتُ قيمةٍ أخلاقيّةٍ عظيمةٍ حيث أنّ جذورَها مُتأصّلةٌ في أُسُسِ كلّ الدياناتِ السّماويّةِ الفاضلةِ وفي سلوكيّاتِ المجتمعاتِ الإنسانيّة الواعيةِ!
تتحدّثُ القصّةُ، رغمَ قِصَرها، عن قولِ الصّدقِ والعملِ به وعن العدالةِ والسّلوكِ الحسنِ والامتناعِ عن الغشِّ والخداعِ والتّلاعُبِ إن أردنا أن تعُمَّ في مجتمعاتنا الطُّمأنينةُ والعدالةُ والمساواةُ والمحبّةُ.
بعد أن قرأتُها وجدت نفسي أعرفها، من خلال تعلُّمي لموضوعِ "الأسطورةُ الدّينيّة في الأدبِ العبريّ"، في الجامعة العبريّة في القدس، مع البروفسور المرحوم"دوف نوي". فقد علّمنا البروفسور عن قصّةِ "السلسلة" في محكمة الملك "داوود"، عند قبّة الصّخرة المُشرّفة، حيث تدلّت سلسلةٌ من السّماء يحلفون تحتها اليمينَ، عندَ الخلافِ، فالصّادقُ يلمُسُها والكاذب ترتفع عنه ولا يلمسُها، مهما حاولَ.
هكذا بان وظهرَ عدلُ الخالقِ في عبيدهِ. وفي مصادرَ أُخرى يُقال إنّها اختفتْ، تمامًا بعد أن أقسم تحتها مُحتالٌ أدّعى أنّه قد أعادَ دَيْنًا عليه لصاحبه حيث سلّمهُ عصًا خبَّأَ داخلها مبلغَ الدَّينِ، قبل أن يُقسِمَ يمينَهُ، أي أنّهُ أحتالَ على الّله، فاختفت السّلسِلةُ بسببِ "مَكرِهِ" إلى الأبد ولم يعُدْ يراها أيُّ أَحَد!!
لا شكَّ أنّ الاحتيالَ على عدلِ الخالقِ وعلى صَراطِهِ المُستقيمِ يُولّدُ المعاجزَ والعجائبَ، فمنذ آلافِ السّنين تبنّت الشّعوبُ والحُكُّامُ العدل والعدالةَ في الأحكام وقول الحقّ والصِّدقِ ولولا ذلك لَكُنّا كباقي الحيواناتِ، يأكُلُ قوِيُّنا ضعيفَنا.. وإليكم شرائعُ حمورابي كمثلٍ على ذلك!
بأُسلوبه الخّاصّ حوّلَ كاتبُنا القصّةَ إلي قِصّةٍ "إليغوريّة" أي أنّ أبطالها من الحيوانِ على نهجِ كتاب "كليلة ودمنة" رُبّما ليبعدَ عنه الأقاويلَ والنّقدَ وربّما، وأنا آمُلُ ذلك، ليجعلها قريبةً أكثر من عالم المُتَقبل الرّئيسيّ للقصّةِ ومن عقليّتهِ، ألا وهو جيلُ الطّفولةِ وفي ذلك كان خيرًا للكاتبِ وللمُتلقّي على حدٍّ سَواء!
أحداثُ القصّة أنّ أسدًا يحكمُ في غابةٍ بأمنٍ وبأمان حتّى بدأتِ التّعدياتُ والإفتراءاتُ وعمّتِ الفوضى: الأغنام تشكوا للملك عن افتراسِ حملانها على يَدِ الذّئبِ فيُقسِمُ الذّئبُ يمينًا عن براءَتهِ فيحرّرهُ الملكُ.. والحمامُ يشكوا للأسدِ أنّ الحيّةَ قد سرَقت بيضها وتُقسِمُ الحيّةُ يمينًا ويحرّرُها الملكُ، والنّحلُ يشكوا دبّورًا لأنّهُ قد سرقَ عسلهُ ويُقسمُ الدّبورُ يمينًا وينالُ براءَتهُ وكلّها أيمانُ - كَذِبٍ وزور لقلّةِ الأدلّةِ، مِمّا أدّى إلى انتشار الفوضى وغياب الطُّمأنينةِ والأمانِ "والسّلمِ  الأهلي" فكان لا بدّ من التّغييرِ لاحتواء الأمر!
استشارَ الأسدُ وزيرهُ الأرنبَ وقاضيَهُ القردَ وباقي الحُكَماءَ، فأشاروا لهُ بأن يُعيّنَ أكبرَ سُكانِ الغابةِ سِنًّا لحلّ المُعضلةِ فوقعَ الاختيارُ على السُّلحفاةِ الحكيمةِ.."شعارِ التّرَيُّثِ والأناةِ" الّتي فكَّرتْ وأحضرت "سلسُلةً" مصنوعةً من أجزاءِ الأشجارِ وأوراقها، ثُمّ اقترحت أن تُعَلّقَ هذه السّلسلةُ على شجرةِ جوزٍ كبيرةٍ وأن يَقسِمَ المُتخاصمونَ أيمانهم تحتها، فمن لامَستْهُ صدق ومن ابتعدتْ عنهُ، كان كاذبًا مُحتالًا!!
بفضلِ هذه السّلسلة عاد الأمنُ ليستتبّ في الغابة، لمدّةٍ حتّى عاد الكذبُ والاحتيالُ ليتجسّدا، ثانيةً، في ربوعِها عندما احتال على العدالةِ "ثعلبٌ" متمرّدٌ بعد أن اشتكتهُ دجاجةٌ بأنّهُ قد سرقَ صيصانَها. جاء الثّعلبُ ليقسِمَ اليمينَ، أمامَ الملكِ وجمهورِ الحاضرين تحتَ السّلسلةِ، الّتى هي صوتُ الحقّ ونبراسُ العدالةٍ بعد أن أخفى الصّيصانَ في سلّةٍ، تحتَ عناقيدِ العنبِ وثمارِ الكرزِ ثُمّ طلبَ من ألدّجاجةِ أن تُمسكَ بالسّلّةِ، وأقسمَ أنّ الصّيصانَ عند أُمّهم وأنّهُ لم يسرقها وكان يمينُهُ "صادقًا"، بِحُكمِ الحيلةِ، فلامستْهُ السّلسلة.
أعادت الدّجاجةُ السّلّةَ للثّعلبِ وأقسمت أنّه سرق صيصانها فلامستها السّلسلةُ أيضًا، وهنا كانت قمّةُ الكذبِ والاحتيالِ وانكَشَفَتِ الحقيقةُ، خصوصًا بعدَ أن قفزَ صوصٌ من السّلّةِ,أمامَ الحاضرينَ فانفَضَحَ الأمرُ!
 عندها، أخذت السّلحفاةُ السّلسُلةَ ثُمّ اختفت بها، وحتّى يومنا هذا يبحثُ العالَمُ والإنسانيّةُ عنهما ولم يبان لهما أَثّرٌ!!
إنّ هذه القصّةَ عميقةٌ بمعانيها "تُراثيّةٌ" بأبعادها ولا شكّ أنّها نابعةٌ عن نفسٍ طالما تاقت وتمنّت أن يكونَ تُراثَنا منارةً يستهدي بها أبناءُ المجتمعِ الإنسانيّ ككُلّ وأبناءُنا نحنُ العربَ، بشكلٍ خاص، هذا المجتمعُ الّذي يُعاني من ثّغَراتٍ أخلاقيّةٍ خطيرةٍ في عالم العَولَمةِ الّذي لا ناقةَ لنا فيه ولا جمل وعالمِ الفَسادِ!
إنّ الصّدقَ هو أهمّ ركيزةٍ يرتكزُ عليها المجتمعُ الصّالحُ، وإذا أدخلنا في نفسيّةِ أطفالنا الصّغار هذه القيمةَ وهذا الخُلُقَ، نكون قد قدّمنا لهم كنزًا ثمينًا يقف إلى جانبهم عند الشّدائدِ.
لقد دخلَ الكاتبُ بقصّتهِ هذه عالمَ الطّفلِ وعقليتَهُ من أوسعِ الأبوابِ، فليس سهلًا أن يعودَ كاتبُنا ليتقمّصَ شخصيّةَ طفلٍ بريءٍ، بعد هذه السّنواتِ الطّوال في صِراعِ الحياةِ والعَطاء، فهذا التّفَرُّغَ الفكريّ من أجل خدمةِ الأطفال الصّغار بحاجةٍ إلى اجتهادٍ عظيمٍ في مجالِ الكلماتِ والمعانى والمضامين!
لا شكّ أنّ الحوارَ بواسطةِ الحيواناتِ يُقَرِّبُ الطّفلَ، أكثر، من المعاني والعِبر والأهدافِ الّتي ينوي المؤلّفُ نقلها للقارئ الصّغيرِ، وقد نُلاحظُ كيفَ أنّهُ استعملَ في بدايةِ السّردِ الأسلوبَ المُسجّعَ حتّى يكسَبَ وُدَّ القارِئِ أو السّامعِ وحِدَّةِ سَمعِهِ وبصيرتِهِ كأن يقول: "الأغصان الحيوان الدّيدان.." أو:"الأرنب الصّغير والقرد الخبير !" مع ذلكَ فإنّ النّصَ لا يخلو من بعضِ الهَفَواتِ الّلغويّةِ والنّحويّةِ النّابعةِ، رُبّما، من نقصٍ في التّجربةِ الّلغَويَّةِ.. والكتابيّةِ أو سَهوٍ عند المُدقِّقِ، ولوحِظَ، أيضًا أنّ هنالكَ تَسرُّعٌ في عمليّةِ "السّردِ" و نقلِ الأحداث، رغمَ سلاسة الأسلوبِ القصَصيّ.
هذه القّصّةُ تلائمُ جيل الطّفولةِ، ما بينَ سنّ الرّابعةِ والسّابعةِ، وربّما فوق ذلك حيثُ أنّها تنقُلُ لقرائِها أيضًا ضروريّةَ الأيمانِ بالصّدقِ والعملَ به واتّباعَ الحقِّ الّذي يعلو ولا يعلو عليهِ أحدٌ، تمشِّيًا مع مقولةِ الرّسول الحنيفِ(صلعم) الشّهيرةِ: "من غشَّنا، ليسَ مِنّا!"
في النّهايةِ لا يَسَعُني إلّا أن أُبارِكَ للكاتبِ بهذا الإنتاجِ الأدَبيِّ القَيِّمِ، مُتَمَنِّيًا له الصّحّةَ والاستمرارَ في العَطاءِ!
(أبو سنان)

قد يهمّكم أيضا..
featured

نحن لا نكره اليهود، نحن نكره العنصريين الحاقدين اليهود

featured

خير رسالة أوجدها الحزب الشيوعي للشعب

featured

"الوطنية" ملاذ الأنذال!

featured

توفيق طوبي رجل المواقف والمهمات الصعبة

featured

ذهب أبو حاتم وبقي الديوان

featured

لبنان وسيناريو الاقتتال الاهلي

featured

الهروب من المسؤولية