لم يكنْ حنَّا نقَّارة، أبو طوني، محاميَ الأرضِ فقط، بل كانَ محاميَ الشَّعبِ، حيثُ ساهمَ بكلِّ قواه القانونيَّة وإيمانه بالعدالة الاجتماعيَّة، ليرسمَ للشَّعبِ الحرِّيَّةَ من الأسرِ والبَقاءَ والصُّمودَ في الوطن والعَودَةَ إليه ولَمَّ الشَّمل بعد فوزِهِ بنضالِهِ ضدَّ الهُوِيَّاتِ الحمراءِ، حيث كان لونُ استماراتِ تصاريحِ الإقامةِ أحمرَ، والتي كانت تُمنحُ لأهلِ البلادِ الأصليِّين، كإقامةٍ مؤقَّتةٍ، تمهيدًا لترحيلِهِم من وطنهِم، إلى ما وراءِ الحدودِ التي صنعَتْها الدُّولُ الاستعماريَّةِ بعد أن قسَّمَتْ وقطَّعَتْ أوصالَ باديةِ الشَّامِ إلى دولٍ، ورسمتْ بينَها حدودًا للفتنةِ والخلافِ والضَّغينةِ، حتَّى يتسنَّى لها لاحقًا، متابعةَ المؤامرةِ، التي نراها اليوم، والسَّيطرةِ على كلِّ جوانبِها، في تكملةِ هدفِها، تجزيء ما تبقَّى من الوطن العربي إلى تجمَّعاتٍ طائفيَّةٍ ومذهبيَّةٍ..
لقد كانت الإقامةُ المؤقَّتةُ تعني البقاءَ، في بلادك، مُنتَهَكَ الحقوقِ المدنيَّةِ أو الملكيَّةِ أو الطَّردَ منها وتخسرُ كلَّ ما تملكُ يمينُكَ وذلك لتبقَى تحتَ رحمةِ الحاكمِ العسكريِّ وجهازِ المخابرات، ويفعلُ بكَ ما يشاءُ وتكونُ تحتَ إمرتِهِ، مُصادَرَ الأرضِ والعرضِ والإرادةِ وحتَّى الحُلمِ..
لقد كان اسم حنَّا نقَّارة متناوَلا، على لسان جميع الرِّفاق، الذين فزتُ في لقائهم خلال كتابتي "يوميَّات برهوم البلشُفيّ" و"حُماة الدِّيار"..
وكانوا يتذكَّرون نشيدَ نسائنا وأمَّهاتنا "حنَّا نقَّارة يا محامينا الحمرا والزَّرقا ع صرامينا" و"حنَّا نقَّارة جاب الهُويَّة غصْبِن عن رقبة بن غريونا"..
إتَّصلَ بي أحد قرَّاء زاوية صباح الخير، صحيفة الاتِّحاد، مُذَكِّرًا أنِّي نسيتُ جارَهُ،
أبا طوني، حيث كان يسكن مقابل مكتبة النُّور، حين كان يُعرِّج عليها، كلَّ صباحٍ،
لعيادة أبي عائدة ومَنْ عندَهُ من زوَّارٍ للنِّقاشِ أو السُّؤالِ عن الوضعِ أو الصِّحَّةِ..
وما دفعني لكتابة هذه الصَّباحيَّة هو صدور كتاب "مُذكَّرات محامٍ فلسطينيٍّ" عن
مؤسَّسة الدِّراسات الفلسطينيَّة، بيروت، وهو عبارة عن طبعة منقَّحة من الكتاب الذي صدر، عن دار الأسوار عكّا، عام ألفٍ وتسعمائةٍ وخمسةٍ وثمانين بعد وفاة الرَّفيق أبي طوني، وفيه سيرته الذَّاتيَّة التي دوَّنها عن حياته، منذ ولادته حتَّى نكبة شعبنا، ولَم تسنح له فرصة إتمامها، لانشغاله في أمور وطنيَّة مصيريَّة أخرى..ولكنَّ الكتابَ يتضمَّنُ أيضًا خطاباتِهِ في مناسباتٍ شتَّى وكذلك ما كُتِبَ عنهُ بعدَ رحيلِهِ وإبراز مناقبِهِ الكثيرةِ وغيرَ ذلكَ من مقالاتٍ لم تُنشَرْ في الطَّبعة الأولى..
يُعتبر الكتاب مرجعًا مهمًّا لحقباتٍ مفصليَّةٍ من تاريخِ شعبِنا عامَّةً وكذلكَ مراحلِ التَّرحيلِ والتَّهجيرِ لعربِ حيفا بعد احتلالِها وكيفَ تآمرت الرَّجعيَّةُ العربيَّةُ والحركةُ الصَّهيونيَّةُ والقوى الامبرياليَّةُ في العالمِ على هذا الشَّعبِ، ويظهرُ هذا حينَ كتبَ عن نزوحِهِ مع عائلتِهِ إلى عكَّا، "فقد أخذت الزَّحَّافات البريطانيَّة على عاتقِها، بإيعازٍ من السُّلطاتِ البريطانيَّةِ، نقلَ البقيَّةِ الباقيةِ من عربِ حيفا وتسليمِ حيفا نظيفةً من العربِ وبحسبِ المصادرِ الصَّهيونيَّةِ تمَّ في حينِهِ نقلُ 15000 عربيٍّ بحرًا إلى عكّا"( مُذكَّرات محامٍ فلسطينيٍّ ص 146)، وحين حاولوا العودة من عكّا مُنِعُوا..
وليكنْ هذا الكتابُ مرجِعًا لأجيالِنا الناشئةِ ومرشدًا لتعريفِ أبنائنا على نكبتِهِم ويومِ أرضِهِم..
