هبّ وارتدى بزته العسكرية، وامتشق بندقيته، وتمنطق بحزام ملأ كناناته بالذخيرة واندفع نحو والدته حنى هامته وقبل يديها ووقف صامتا، تفرست في وجهه، فادركت انه يخفي شيئا في نفسه، توجست ان يكون هاجس الخوف قد تسلل اليه، ولكنه سرعان ما عبّر عما كان يجيش بداخله، اذ اطنب في تساؤلاته لوالدته، تلك المرأة الارملة الرصينة التي احصنت فرجها ولم تكن امّعة تمردت على العادات وثارت على التقاليد البالية ورفضت كل الاغراءات، ولم تخنع للاغواءات، وظلت الام الرؤوم كلبؤة احتضنت ابناءها وعكفت على حمايتهم. وروى لها ما تهادى لمسامعه في ذلك اليوم من شيخ المسجد في خطبة يوم الجمعة حيث قال الشيخ: "ان الرصاصة لا تقتل ولا تميت، لان الاعمار بيد الله، وكل شيء محتسب ومكتوب ومسجل منذ الازل في اللوح المحفوظ". استنهضه قول الشيخ فاستذكر ما علمه استاذه في المدرسة وحفظه عن ظهر قلب منذ الصغر:
رأيت المنايا خبط عشواءِ من تصب تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم
فساءلها اين الصحيح في هذين القولين، فردت عليه بهدوء وسكينة والابتسامة تغمر وجهها وتعلو شفتيها فقالت: "من البلاهة والغباء يا ولدي الغوص بهذا الوقت في نقاش لسبر غور الصحيح من هذا القول او ذاك فهو غير مستساغ الآن ولا نفع فيه ولا جدوى واعلم يا ولدي ان الحرب وبعيدا عن القولين، (مأيمة وميتمة) تزهق الارواح وتجلب الدمار، فاياك والمظلمة فكر ما شئت وخذ ما طاب لك".
احتضنته الى صدرها واطلقت زغرودة وجلجل صوتها فرحا وابتهاجا وفتحت يديها وشرعت تتضرع الى السماء ان يوفقه وان يحميه بحمايته، وان يمنّ عليه وعلى زملائه بالنصر والفوز المبين. تجاهل كلمات الشيخ وما انطوت عليها من تساؤلات، اطرق قليلا فكر لو انه يصارح والدته بغرامه وحبه الكبير لفوزية تلك التي اسرت قلبه ودخلت شغافه. لكنه عاد وآثر الصمت ليبقى ذلك الغرام دفينا طي الكتمان وهو يشعر في تلك اللحظات بلدغاتِ قوية ولسعات في داخله، كادت الدموع تطفر وتنزلق من عينيه لولا انه ادرك انهم سيفسرون ذلك في غير احتمالاته ومواضعه.
استيقظ من شروده نظر الى امه والى اخويه الاكبرين، وبخطى صلبة حثيثة تحرك وغادر البيت ويمّم شطر الجنوب ليلحق بثلّة من اترابه المتطوعين في طريقها للالتحاق بثكنة عسكرية لجيش الانقاذ ترابط في شفاعمرو.
كان الطقس ربيعيا، وكانت شمس نيسان تبعث الدفء في الجسم والارض ارتدت حلتها الخضراء المزركشة بالوان الازهار المنتشرة المتعددة الالوان والتي يعبق الجو بشذاها العطر، واريجها الزكي، وفي طريقهم الى تلك الثكنة كان عليهم ان يسلكوا في مسارب في جبل "الطويل" الشامخ المشرف على القرية وعلى شفاعمرو.
استذكروا وهم في طريقهم اولئك الشهداء الابرار الذين سقطوا في ذلك المكان في انتفاضة القسام فقرأوا الفاتحة على ارواحهم. استذكر ان موسم الاحتطاب حل وآن اوانه وتذكر ان فوزية ولفيفا من اترابها يحتطبون الحطب للتدفئة ولايقاد الطابون من ذلك الجبل، يقتطعون اشجار السنديان والقندول والسريس والبطم يحملن على رؤوسهن حملات الحطب واسلال القرامي ويسلكن نفس المسارب غير مباليات يتاهدين كالريم في الفلا. فراح يقطف الازهار الليلكية التي تتذوقها فوزية وجعل منها باقة من الورد الوعري الطبيعي وكتب عليها من "حبيب الى حبيبته" وعلقها على غصن شجرة معتمدا على احساسها وذكائها.
واصلت الكوكبة مسيرتها حتى تمركزت في الثكنة في شفاعمرو وكان محمود اعتاد على كتابة يومياته فسجل في دفتره في ذلك اليوم. كانت بداية مشاركتي في الدفاع عن ارض فلسطين في يوم 13/4 في معركة هوشة والكساير وكانت معركة ضارية بداية كانت الغلبة لنا. طاردْنا فيها العدو حتى مشارف كفار آتا علمنا بسقوط شقيق الجنرال موشي ديان، سقط منا العديد من الشهداء وعندما استعر القتال طلبنا النجدة جاء الجواب ماكو اوامر، ماكو ذخيرة، ماكو نجدة عندها سقطت هوشة والكساير.
وفي15/7 سجل في دفتر مذكراته، شاركت في معركة صفورية البطلة وعندما استعر القتال طلبنا النجدة وجاء الجواب ماكو اوامر ماكو ذخيرة ماكو نجدة سقطت صفورية. واجمل ما كتب في دفتر يومياته تلك التي سجلها عن معركة الشجرة فكتب ومهر مذكراته: في صبيحة الثامن من تموز سنه 1948 وكنا جوالين متنقلين استجبنا لنداء الاستغاثة الصادر من القيادة في الشجرة حط رحالنا على ارض الشجرة، كانت السماء زرقاء صافية والشمس ترسل خيوطها الذهبية من وراء الافق البعيد يغمر السهوب المترامية شرقا، وسنابل القمح تنتصب تلوّح برؤوسها تتراقص فرحا وابتهاجا وكانت اشعة الشمس تطال خيوطها المقاتلين المرابطين على التلة التي تربض عليها الشجرة لتزيدهم حرا على حرارة انطلقت الرصاصة الاولى ايذانا بالهجوم لتحرير الشجرة من براثن الاحتلال اليهودي، ودارت رحى المعركة بين الفريقين وكانت غير متكافئة كانو اكثر عددا وافضل سلاحا وتدريبا يمتلكون الآليات والمصفحات والرشاشات الثقيلة والذخيرة متوفرة بكثرة وبين الحين والآخر كنا نتعرض لقصف الطائرات. كنا كالايتام على مأدبة اللئام. ومرت الساعات استبسل فيها المجاهدون ومرت 5 ايام تموزية بلياليها وبساعات نهاراتها الطويلة القائظة التي تربّض بحرها المقاتلون وتحرّقوا من وهج نيران البارود والمشتعلة في الهشيم.
تقدمت، اتهادى وقد اعياني التعب وانهكني الجوع واظمأني الظمأ وهدني السهر، عبرت وزملائي من متراس الى متراس ومن صخرة الى صخرة ومن شجرة تين الى شجرة زيتون نتقدم رغم عدم التكافؤ. وكان طيف فوزية ينتصب امامي حاضرا في ذهني وعندما كانت بندقيتي تسخن وتتعطل عن الضرب كنت اناجي فوزية واناغيها كما لو كانت امامي اتخيلها بطولها الفارع، وجمالها الساحر، برقتها ونحافة جسمها بوجهها الاسمر الرقيق بتلك الشامة السوداء التي تزين خدها "كحبة لؤلؤ على صحن مرمر"بعينيها الشهلاوين بخمارها الابيض الناصع الحريري، وشعرها الاسود الداكن المنسدل حتى منكبيها، كان طيفها يزيدني عزما على عزيمة، واقداما على فداء وتضحية، حمي الوطيس واشتد القتال الضارية، وتصاعد الدخان وتلبد كغمامة في سماء المعركة وبدت السماء رمادية اللون وكانت ساعات تحرير الشجرة قاب قوسين او ادنى. كانت الطيور قد هجرت ارض الشجرة وغاب تغريدها ومن مكان قريب انطلق صوت كصوت العندليب يصدح تارة وكصوت الاسد يزأر تارة اخرى، بدا الصوت مخمليا رخيما حادا ينشد ويقول:
سأحمل روحي على راحتي والقي بها في مهاوي الردى
فاما حياة تسر الصديق واما ممات يغيظ العدى
تهاديت الى مصدر الصوت فعرفت انه الشاعر المجاهد عبد الرحيم محمود ابو الطيب كانت اشعاره بلسما تبلسمنا وتضمد جراحنا تغذي ارواحنا في وقت افتقد فيه الغذاء، وتروي غليلنا في وقت افتقد فيه الماء، خبا صوته عن التغريد وهمد جسده في 13/7 في حين كنا قد حررنا الشجرة. وسجل في دفتره. وفي اليوم التالي 14/7 كانت الشمس تميل نحو الغروب تتهاوى ببطء حزينة، ومن تحتها لجة صفراء ذهبية احنت السنابل رؤوسها وتمايلت تتماوج وتتلاطم كما لو كانت حشدا من الناس في يوم عاشوراء وكان الضباب الذي يحمل في طياته قطرات الندى يسارع ليغطي المنطقة وليلف الشهداء الثلاثمائة بغمامته البيضاء وعادت الغربان الى اوكارها تنعق والطيور الى اعشاشها تضرب بمناقيرها جذوع الشجر بايقاعات حزينة باكية، ومن عناقيد العنب الدانية تساقطت القطرات دموعا سخية، وحبات التين توشحت بالسواد وفتحت ثغورها أسى وهلعا مهر تسجيله واختتمه وبعيدا عن ارض المعركة تجمعت فلولنا البائسة المنتكسة فاطلقنا ثلاثمائة طلقة اجلالا واكبارا لذكرى الذين رووا الارض بدمائهم الزكية سقطت الشجرة عندما استعر القتال ثانية استغثنا واستصرخنا كان الرد ماكو اوامر ماكو نجدة ماكو ذخيرة غادر محمود ارض الشجرة ومشى في الطريق خببا مكسوفا مهيض الجناح يعتصر قلبه الم وعيونه باكية دامعة، ويمم شطر لوبية وفي 16/7 لحقت لوبية بالشجرة وسجل في دفتره ان الجنود اليهود اقترفوا مجزرة نكراء بحق من القي القبض عليهم من المقاتلين والرجال الابرياء في لوبية انتقاما وثأرا وحقدا.
* * *
2
* * *
ومن هناك تطلع الى الشمال وكانت الاخبار ترد من الناس العاديين افادت ان معارك ضارية تدور في ترشيحا وان اهلها يستبسلون في صد الهجوم ودحر العدو، وعليه قد املى الواجب ان يدفع نفسه ومقاتلين اخرين لمناصرة وشد ازر التراشحه وفي 30-10-1948 سجل في دفتر مذكراته: وبعد استبسال كبير وفداء عظيم طال اشهر ابلى فيه التراشحة بلاء حسنا وقدموا الغالي والنفيس، وعندما احجمت القيادة العربية عن تقديم العون المادي والمعنوي وكان جوابها ماكو اوامر ماكو ذخيرة ماكو نجدة سقطت ترشيحا البطله لتلحق بقرى ومدن فلسطين وبسقوط ترشيحا كانت اسرائيل قد اكملت الدائره وحشرت بداخلها اراضي شقي قرار تقسيم فلسطين وكانت ترشيحا واختها عيلبون اخر معقلين في فلسطين سقطا وفي 30-10-1948 وانتقاما للدفاع البطولي واستبسال الاهالي في المعقلين اقدمت قيادة الهغنا على تنفيذ مجزرتين انتقاما واخذا بالثأر. وبعيدا عن ارض المعركة اطلق المقاتلون 130 طلقة احياء لذكرى شهداء ترشيحا من بينهم زميل محمود في حمل السلام وابن عرابة البار يوسف محمد حلو.
هدأت العاصفة وضعت الحرب اوزارها تدافعت الايام وتداعت الظروف ليبدأ محمود فصلا جديدا في مشهد جديد في مسرح التشريد فوجد نفسه يتخبط ضعيفا بائسا يتقاذفه المجهول وتلم به المصائب والويلات يتسكع ببؤس بين اروقة الخيام يتلوع بين الاف المشردين يحمل في ثناياه ذكريات وفي ذهنه ارتسمت خطوط سوداء شوهت له تخيلاته الجميلة، ودمغت بالسواد توقعاته ومهرت بالاخفاق آماله، وجد نفسه بائسا في مخيم " النيرب" في حلب الشهباء، وتعيسا في مخيم "اليرموك" في دمشق الفيحاء، ضائعا في مخيم"برج المراجنه " في بيروت عروس الشرق شريدا وحيدا في مخيم "عين الحلوة" في صيدا الابيه فسجل في دفتر مذكراته الغربة قاسية وحفنة من تراب الوطن اغلى من الذهب لا بد من العودة.
غاب محمود وانقطعت اخباره عن الملأ وانتشرت الشائعات وتسربت معلومات ترجح استشهاده في ترشيحا وظلت امه حزينة تجترح الآلام تتقصى الاخبار، لا تكن ولا تستكين تسائل عن محمود كل عائد من الشمال
تسائل كل ركب عن حُصَيْنِ وعند جهينه الخبر اليقين
كانت تلك الاشعات تشعل النار في كبد والدته، وتجرع فوزية الكأس المرة، وتلقمها الحنظل، وتقطع اوصالها وتقض مضجعها وكانت عندما يخيم الليل تسارع وتتدثر بفراشها، وتطفئ النور وتغم انفاسها تحت الغطاء لتبكي فارس احلامها، وكانت تخشى مما ليس منه بد. طال غياب محمود وتحقق ما كانت تخشاه رضخت للاملاءات وخنعت للتقاليد وانصاعت للعادت والتقاليد "ابن العم ينزل العروس عن ظهر الفرس ولو في يوم زفافها" تزوجت فوزيه وانهار بناء احلامها، منحت جسدها واغلقت قلبها وظل اسيرا طوق حبها الاول. خيم التشنج والجفاء بين الزوجين، وتصدعت اركان العلاقة الزوجية فهوت وآلت الى الطلاق.
ظل محمود مشردا غريبا وفي غربته طوقته الكثيرات من الحسناوات واحاطت به الكثيرات من الجميلات المشردات اغلق قلبه واحاطه بسياج وظل اسيرا حبيسا مقيدا في اصفاد حبه لفوزية موثوقا بذلك الحبل الذي يشده وهو لا يدري ان خيوط ذلك الطرف من الحبل هشت وتراخت. ماجت به الايام وتقاذفته الامواج احسن التجديف ونجا من الغرق في مستقع الغربة والتشرد وفي صيدا انتصبت امامه ثلاث اثافيات، اثفية حب الوطن، اثفية حب والدته، وكان حب فوزية ثالثة الاثافي.
وفي عصيرة احد الايام من فصل الشتاء سنة 1948 عقد العزم على العوده وانطلق من صيدا وحبل احلام العوده تشده غير مبال من هطول الامطار والبرد القارس واحتمال وقوع مخاطر على الحدود من درك لبناني وشرطة حدود اسرائيلي ووحوش ضارية كاسرة في اراضي البلدين قطع الاوديه والتلال والجبال وعرج في طريقه على كفر برعم والجش وكان جبل الجرمق شامخا يرتدي قبعه بيضاء كشيخ وخط الشيب راسه. وفي الهزيع الاخير من الليل كان يقف امام البيت في قريته ركع يقبل عتبة الدار وقبل ان يقرع الباب استيقظت والدته على دبيب خطواته ومن فوهة الباب ومن خلال الضباب والظلام الذي لف المكان شاهدت شبحه، فتحت الباب على مصراعيه وفتحت ذراعيها وقلبها احتضنته وغمرته بحنانها والدموع تتساقط تغسل احزانها التي تراكمت في خطوط على وجنيتها الجميلتين واطلقت زغرودة العودة بالسلامة.
عاد محمود وكان تسجيل السكان للحصول على هويه قد انتهى منذ مدة طويلة فاعتبرته السلطات الاسرائلية حسب لغة قاموسها متسللا وفي اليوم الثالث من يوم العودة كان الضابط" الشويلي" المدعو ابو خضر يقف له ولغيره بالمرصاد عرف بغلظته وقساوته، قام باقتحام البيت والقى القبض عليه وتهالك في تنفيذ الاجراء التعسفي الجائر بابعاده وترحيلة قسرا الى ما بعد قرية صندلة في الجنوب وارغامه على عبور حدود الضفة الغربية الاردنية وباطلاق العيارات النارية من فوق راسه. لم يَفُتّ الابعاد من عزيمته الفولاذيه ولم يخنع لاسلوب الابعاد القمعي الجائر متسلحا بقناعته الراسخه بحقه في العوده الى ارض الوطن. اضطره الابعاد في المره الاولى ان يطوف الاردن وينتقل من جنين الى عمان ثم الى سوريا ثم الى لبنان لف ودار وعاد الى صيدا مرة اخرى . شعر بذلك الحبل يشده فدرج بنفس مسار رحلة العودة الاولى تتلات عمليات العودة فتتلات عمليات الابعاد فكانت كلعبة القط والفأر لكنه فاجأ الجميع انه لم يعد يطوف تلك الاقطار فاختزل مساره فكان يغامر ويجازف ويعود ادراجه ساعات من نقطة الابعاد الى مسقط راسه طال العبث بهذه اللعبة الرخيصة واستحال شراءه واستحال تركيعه وكان عصاميا عصيا لا يعجم عودة رفض كل الاغراءات وداس على كل الاغواءات وعنددما استعصى على والدته اصدار هوية قررت ان تزوجه عسى عن ان يشفع له قرار شمل العائلات فيجيز له اصدار هوية. فكان لا مناص من مكاشفتها بسره الدفين الذي ظل طي الكتمان واعترف لها بغرامه من فوزيه وشغفه بها. فتحت عينيها على وسعهما وفغرت فاها استهجانا لقراره تحدى محمود وهو عزب لزب العاده التي تعيب على الاعزب الزاوج من مطلقة. لم تخيب والدته له رجاءا ولم تفسد له املا ولم تحطم له احلاما سارعت وانهت القضية مع والدي فوزية سارع العروسان بتعيين يوم الزفاف وكان محمود يختبئ من بيت الى بيت ومن موقع الى موقع تلافيا من الاعتقال تهيأت فوزية ليوم الزفاف تبرجت وارتدت ثوب الزفاف الابيض الشفاف ووضعت على راسها الطرحة وطوق راسها اكليلا مذهبا وانتعلت حذاءا فاخر. وفي عصيرة ذلك اليوم انتقلت في حفل زفاف بهيج من بيت والدها الى بيت العريس والصقت العجينة على الباب كما تملي العادة واسدلت الطرحة على وجهها في انتظار دخول فارس احلامها ليبدأ بعملية رفع الطرحة.
لم يأل جهدا ذلك الضابط ابو خضر الذي كان يتربص لمحمود بان يقتحم حفل الزفاف ويقوم باعتقاله ولم تجد كل التوسلات بتأجيل الاعتقال فنفذ غيظة وحقده، وكانت هذه المره الثلاثين الذي يتم ابعاده فيها وكالعادة وبنفس الاصرار والعزيمة عاد محمود ادراجه وهو ما يزال يرتدي ملابس العرس ابى ان يخنع لذلك الصلف وفي الهزيع الاخير من الليل دق باب فوزية فانفرج له الباب، احتضنها وضمها بين ذراعيه وانهال عليها ليغمرها بقبلاته الحارة ليجفف عن وجنتيها دموعها التي كانت تسح ساخنة غزيرة. التحم الجسدان في جسد واحد والتصقت الشفاة بالشفاة وامتزج الرضاب بالرضاب تبخر ما احتقن مع مرور السنين من الم الحب ومعاناته فتحقق الحلم وعملا على بناء عش للعائله موفورا بالرفاة والبنين تابع محمود قضيته بلا ملل او كلل نجح بوضع حد لمأساته فحصل على هويه فتحقق الحلم الاكبر وبات مواطن كامل الحقوق وحقق حلم العودة.
