لم أُفاجأ البتَّة من قرار الجامعة العربيَّة، الدَّاعم للمسلَّحين المتآمرين على سوريا، مع أنَّه يتناقض قانونًا وشرعًا وأخلاقًا ومضمونًا مع ميثاق الجامعة، الذي تمنع بنودُه التَّدخُّل في الشُّؤون الدَّاخليَّة لأيِّ عضو فيها، حيث وضع مندوبوها كلَّ إمكانيَّاتهم، من مال وعُدَّة وعتاد وتجهيزات عسكريَّة وبشريَّة من مرتزقة إرهابيِّين وعملاء، تحت تصرُّفهم من أجل إسقاط النِّظام الوطنيِّ فيها والقضاء على الحركة الوطنيَّة التَّحرُّريَّة في وطننا العربيِّ وكسر شوكة المقاومة في لبنان والعراق وفلسطين..
إنَّ هذا القرار لم يأتِ من فراغ، بل جاء بعد أن أوعزت هيلاري كلينتون وزمرتها الغربيَّة للدُّمى العربيَّة من رؤساء وأمراء وملوك وسلاطين (أشباه الرِّجال ولا رجال) بلفظ قرارهم، لتمرير مؤامرتهم جميعًا على عروبة ووطنيَّة سوريا من أجل تقسيمها. وبهذا يكون قطيع الجامعة العربيَّة، قد أسقط ورقة التِّين عن عوراته، بعد أن دخل حظيرة أسياده، آمنًا ومطمئنًّا في عرشه مؤقَّتًا، لأنَّ "الشُّعوب إذا هبَّت ستنتصرُ" وهي "تُمهِل ولا تُهمِل".
لقد كانت قرارات هذه الدُّول حبرًا على ورق، في مؤتمرات القمَّة الدَّوريَّة والاستثنائيَّة والطَّارئة، حيثُ كان مِدادُه من دم شهداء وضحايا الوطن وورقُه من أجساد القتلى والأبطال الذين رهنوا حياتهم لعزَّة بلادهم وقومهم وقوميَّتهم، فقد وُضِعت هذه المقرَّرات بعد اختتام قممهم بخصوص فلسطين، أساسًا، في سلَّة المهملات، إذ كان نصُّ بياناتها حاضرًا، ومصادَقًا عليه من قبل الرَّقابة الأمريكيَّة والأوروبيَّة بما يتجانس ويتناسب مع المصالح الصَّهيونيَّة في بلادنا، حيث كان يُتاح لهم، بعدها، قراءة البيان وتوزيعه ونشره، ليُسدل السِّتار عن المسرحيَّة، استعدادًا للقادم من المؤامرات على شعوبنا.
حين رحل الرَّفيق هوغو تشافيز، جسدًا، عن عالمنا، غاب الحضور العربيُّ الرَّسميُّ عن جنازته، لأنَّه كما كان يُخيفهم في حياته فإنَّه يرعبهم في رحيله، هذا الرَّجل الذي اعتبر نفسه عربيًّا وعروبيًّا وحتَّى ناصريًّا، حين أعلنها، على الملأ، مدوِّيةً في أكثر من مناسبة جماهيريَّة، وأعتبره أحرارُ الوطن العربيِّ وشرفاؤه صديقًا صدوقًا "صادقَ الوعد منصفًا"، في زمن انكفأت فيه زعامته على الخنوع والخضوع والرُّكوع وأودعت كلَّ ما تملك في جعبة الغرب وتحت تصرُّفه لخدمته، ضدَّ مصالح شعوبها، وحين كان العدوان على غزَّة هاشم، اعتبر هذه الحرب "محرقة" ضدَّ الشَّعب الفلسطينيِّ ونادى بمحاكمة الجناة في محكمة دوليَّة واعتبارهم مجرمي حرب، متحديا العالم الغربيَّ والصَّمت العربيَّ الرَّسميَّ..
لقد اختتم والدي، ابو خالد، مشاهدته المباشرة لتشييع البطل عبر الفضائيَّات الوطنيَّة، بأُنشودة الشَّيخ إمام "جيفارا مات" قائلا: إن كندرة تشافيز أشرف من أثخن عقال قَطَري وسعودي..
أين كانت الجامعة حين كانت تُقصف غزَّة بالحديد والنَّار والحصار والتَّجويع، وأين هي الآن، من الحكومة المصريَّة التي تفرض حصارها عليها وتفجِّر الأنفاق، عصب القطاع وحبل وريده ورئتيه، وأين هي قراراتها من الهجوم الأرعن على مقدَّسات شعبنا ودفاعها "وجهادها"، في سبيل تحرير الأقصى والأوقاف المسيحيَّة والإسلاميَّة، أم أنهم ما زالوا يُردِّدون "ما كو أوامر"..
لقد بانت عوراتكم يا جامعة الأنذال فاستتروا وانقلعوا، لأنَّه ﴿.. قد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغيِّ..﴾
