سبب الازمة ليس العمال الاجانب، وطردهم لن يحل مشاكل العمال العرب و"الحريديم" اليهود

single

منذ صعود حزب – حيروت- الليكود وحلفائه الى سدة الحكم في 1977، وضعت الحكومة هدفا لها وهو ضرب ما سمي بالقطاع العام وضرب دولة "الرفاه الاجتماعي". ففي العشرين سنة الاخيرة زادت حدة هذه الهجمة من خلال سياسة الخصخصة التي باعت بأبخس الاثمان الشركات الحكومية.
والمثل الساطع على ذلك،مصانع البترو كيماويات في خليج حيفا، وشركة النقل البحري" تسيم" وغيرهما الكثير من الشركات الحكومية. وقبل ان يصبح شمعون بيرس رئيسا لدولة اسرائيل، وصف الرأسمالية الاسرائيلية وتصرفاتها، بالرأسمالية الخنازيرية.
ووصل الخنوع والوقاحة لكبار الرأسماليين من قبل حكومة اسرائيل حد محاولة خصخصة مصلحة السجون. وفعلا اقيم معتقل جديد الا ان محكمة العدل العليا منعت تشغيله وافشلت تنفيذ الاتفاقية المبرمة بين احد التايكونات ووزارة المالية. وعلى خلفية هذه الخصخصة، وربما نتيجة لها، نبتت وترعرعت شركات القوى العاملة، التي اصبحت تقدم الخدمات حتى لحكومة اسرائيل ومؤسساتها الواسعة والكبيرة جدا.
 وحتى الانتفاضة الأولى في تسعينيات القرن الماضي عمل اكثر من مائة الف عامل فلسطيني في اسرائيل في قطاع البناء والزراعة والخدمات. أي في الاعمال الشاقة وبأجر بخس وغالبا بدون حقوق اجتماعية وطبقية.
وعندما منع عمال المناطق المحتلة من دخول اسرائيل، وبعد البدء باقامة جدار العزل الاحتلالي العنصري بدأت حملة واسعة، لجلب عمال اجانب من تركيا، الصين، تايلاند، رومانيا روسيا وغيرها، واليوم يقدر عدد هؤلاء العمال بحوالي ثلاثمائة الف ، منهم ثمانون الفا مع تصاريح عمل ، اما الباقون فلم تجدد تصاريح الاقامة والعمل لهم.
فبعد الانتخابات الاخيرة للكنيست وعودة بيبي نتنياهو واحزاب المتدينين واليمين المتطرف للحكم، اعلنت حكومة اسرائيل، وزارتا المالية والداخلية عن حملة لاعتقال هؤلاء وطردهم من البلاد.
وفي الايام الاخيرة بدأ تنفيذ هذه الحملة من خلال حملة تحريض عنصري، قادها رئيس الحكومة بيبي ووزير ماليته شتاينتس – بادعاء ان العمال الاجانب غير المرخصين يحتلون اماكن عمل العمال الاسرائيليين ويمنعون العمال العرب والمتدينين اليهود "الحريديم" من الخروج للعمل، والانخراط في سوق العمل وان هؤلاء العمال الاجانب يشكلون على المدى البعيد خطرا ديموغرافيا على دولة اسرائيل....
بينما الحقيقة الساطعة التي يعرفها الجميع ان العمال العرب ليسوا ضحية وجود العمال الاجانب في البلاد، بل ضحية السياسة الرسمية العنصرية التي سرقت الارض ومنعت التطور الاقتصادي في الوسط العربي وحولت قسرًا العمال العرب لبضاعة رخيصة لقوة عمل رخيصة في الفروع الانتاجية الصعبة، البناء، الزراعة والخدمات.
والحكومات الاسرائيلية هي التي منعت استيعاب الخريجين العرب في المؤسسات الحكومية مثل الوزارات المختلفة والصناعات الامنية  وشركة الكهرباء، القطارات وغيرها الكثير .
اما المتدينون اليهود "الحريديم"  فالحكومات الاسرائيلية المتعاقبة هي التي اهملتهم وابقتهم في غيتوات متخلفة غير مصنعة.
والادعاء بان وجود العمال الاجانب  يشكل خطرا ديموغرافيا على اسرائيل فأقل ما يقال فيه انه، ادعاء عنصري هدفه اثارة العداء نحو هؤلاء العمال، ومن اجل تبرير الاساليب البشعة المتبعة ضدهم من قبل الوحدات المختصة باعتقالهم وطردهم.
كما تدعي الحكومة بانها سوف لا تمس العمال الاجانب الذين يعملون في الزراعة ، وفي مجال خدمة ورعاية المسنين، وتدعي ايضا انه في حال طرد العمال الاجانب غير المرخصين فان العمال الاسرائيليين سوف يحتلون اماكنهم وهكذا سوف تهبط نسبة العاطلين عن العمل....
الادعاء الأول قد يكون صحيحا لان هؤلاء العمال الاجانب يعملون في ظروف صعبة اشبه بالعبودية ، وبأجر بخس لا يصل الى الحد الادنى للأجور. فعلى سبيل المثال ولا الحصر، العمال الزراعيون التايلنديون في منطقة العربة "العرابا" يعملون طوال ساعات اليوم بالزراعة، وفي المساء والليل هم تحت تصرف اصحاب المزارع لخدمتهم مجانا في كل ما يحتاجون.
اما الادعاء الثاني فلا اساس له من الصحة، لان اصحاب العمل يفتشون عن ايد عاملة رخيصة ولا يهمهم ان كان العمال اجانب ام اسرائيليين.
ومن منا لا يعرف ماذا جرى في مصنع "كيريير" في العفولة، هذا المصنع يربح وعماله يعملون باقل من الحد الادنى للاجور ، ومع ذلك فكر اصحاب المصنع نقله الى الصين لان الايدي العاملة هناك ارخص.
وكذلك من منا لا يعرف ماذا جرى مع فرع النسيج !!! رغم ان العمال في هذا الفرع كانوا يعملون في ظروف صعبة وبأجر بخس، نُقلت هذه المصانع الى الاردن والصين كذلك، لان الايدي العاملة هناك ارخص.
رحم الله والدي، الذي عمل قبل وبعد النكبة، وقيام اسرائيل في "زمّرين" – التي اصبحت تعرف اليوم بزخرون يعقوب . فقد كان يروي لنا عن ظروف عمله في زمرين ، تلك الظروف الاقرب الى العبودية كان يبدأ يوم عمله بعد بزوغ الفجر، بعد ان يطعم الخيل والمواشي والدجاج حيث كان يخرج للعمل في كروم العنب والمزارع حتى المساء. ليعود الى السكن في تخشيبة بجانب بيت صاحب العمل ليطعم الخيل والمواشي والدجاج مساء. قبل ان يخلد للراحة لتجديد قوة عمله من جديد وطبعا بدون اية حقوق اجتماعية او نقابية.
رغم مرور حوالي 70 سنة منذ ان كان يعمل والدي رحمه الله، ظروف  عمل العمال الاجانب المرخصين في الزراعة وفي خدمة المسنين في البيوت لم تتغير بشكل جوهري.
اما العمال الاجانب غير المرخصين فظروف عملهم اصعب بكثير من ظروف عمل والدي، ومن ظروف عمل زملائهم المرخصين.
فاذا ارادت حكومة اسرائيل تحسين ظروف عمل العمال في اسرائيل، واذا كانت تريد تحفيز العرب والمتدينين اليهود للخروج الى العمل- كما تدعي -عليها تغيير سياستها من سياسة رأسمالية خنازيرية، تخصخص  كل مجالات العمل لصالح كبار الرأسماليين، الى سياسة تضمن ظروف عمل انسانية واجرًا معقولا ، وحقوقا اجتماعية وطبقية لهؤلاء العمال، الذين يريدون كسب قوتهم وتوفير لقمة العيش الكريم الحلال لهم ولعائلاتهم.

 

(ام الفحم)

قد يهمّكم أيضا..
featured

جريمة اسرائيلية بحق الطفولة

featured

المفاوض والفخ

featured

الانتصار الأكيد لشعب فلسطين

featured

للانسان كرامته، من يضمنها؟

featured

القدس عروس عروبتكم ..؟

featured

الكرمل يشتعل من جديد

featured

المقامة الدولاريَّة

featured

ساعة!! ويصل "ايار" الثاني!!