لو قرر أبرز كتّاب مسرح العبث أو ما يسمى اللامعقول وهم : بيكيت وأرابال ويونسكو أن يكتبوا معًا مسرحية عبثية لا يعرف فيها دور البطل من دور الكومبارس ونعيق الغراب من هديل الحمام والغسق من الشفق لما وجدوا أفضل من المشاهد التي تعيشها هذه المنطقة من العالم.
عندئذ سيعتذرون عن كتابة المسرحية لأن خيالهم لا يبلغ هذا الحدّ الذي وصل إليه الواقع، بدءًا من حرب الإخوة الأعداء التي يضيع فيها الفاصل بين دم القاتل والقتيل، وليس انتهاء بتناقصات ومفارقات سياسية حيث يعود كل من الأكاسرة والقياصرة لكن بثياب تنكرية، وبلغة جديدة تليق بعصر العولمة، لكن ليس معنى ذلك أن الحدود حذفت بين الصواب والخطأ والحق والباطل، بل لأن التضاريس كلها مغطاة بالغبار والدخان، وثمة من يرطنون بنهاية التاريخ، حيث تولد جغرافيا جديدة وأطالس جديدة!
لهذا لا نستغرب ما قاله كاتب فرنسي عن كون العرب استخدموا السوريالية والدادائية والفن التجريدي في السياسة بدلًا من الأدب والفن.
فما ينتج المزاج السياسي الآن فضائيات منها ما تحول إلى غرف عمليات حيث لا نفرق بين جنرال ومذيع أو محلل سياسي، وما إن نرى اسم القناة على الشاشة حتى نحزر كل ما سيقال، لأن المواقف جاهزة بل معلبة وإن كانت لا تحمل تاريخ الصلاحية. لأن التلاعب به مهنة الميديا التي لم تعد تقف على مسافة واحدة من الأحداث والأشخاص والدول!
ولا نبالغ إذا قلنا إن مسرحيات من طراز "بانتظار غودو" لبيكيت أو "المغنية الصلعاء"، ليونسكو تبدو منطقية إذا قورنت بهذه "التراجيكو ميديا" التي نعيشها حيث امتزجت المأساة بالملهاة على نحو غير مسبوق ولم تعد مقولة "شرّ البلية ما يضحك" تليق بهذا الواقع لأن تبكي بقدر ما تصيب الناس بالدوار والذهول وعدم تصديق ما تقع عليه العين وما تسمعه الأذن وما يشمه الأنف.
فهل بلغ سيل الدم لا الماء الزبى ، كما قال الأسلاف ، أم أن هناك متسعًا للمزيد؟
وهل بلغ الفقر والأمية والجهل نسبة مئوية تكفي لإعادة النظر في كل شيء أم إن هذا الثالوث الأصفر سيصبح خريطة وتضاريس لأمة بأسرها وأسراها معًا؟
