المقصود في الأمر الدنيا. هذا الوصف يأتي مبالغًا فيه من حيث المعنى المألوف، فهل يمكن يومًا من الأيام للحمام ان يبيض على الوتد؟ بالطبع لا، وإنما المقصود أن الدنيا تزهو وتزهر في كثير من الأحيان، وهذا المثل فيه مبالغة مفرطة، حيث أن السعد والحظ ربما يجلبان معهما الأرزاق والثروات والأموال، وقد تأتي دفعة واحدة على أحد الناس، أو على مجموعة من الناس فيهنئون وقد يفرطون بهذه الثروة ليس لوحدهم فحسب، وإنما ذويهم أيضا وعندها تزهو الأمور أمام الناس أمثال هؤلاء، وقد يظنون أنهم ملكوا الدنيا ومن فيها ولو لحين معين مع وقف التنفيذ، هذا إذا أحسنوا التصرف، او اذا رافقهم التواضع وابتعدوا عن العجرفة والكبرياء لدى اقبال الدنيا عليهم وتحسن احوالهم.
هنا لا بدّ من التريث برهة والتفكير الجّدي، ومحاسبة النفس وتقييم الأمور من جديد وعدم التهوّر واعتماد المسؤولية، لأن في ذلك وغيره من الانحرافات العشوائية والاجتماعية قد تكون نتيجتها عكسية، وربما تؤدي بالتالي إلى توقف إقبال الدنيا بشكل مبالغ فيه حيث يبدأ عندها تغير في الأوضاع المالية والثرواتية والاجتماعية أيضًا.
وفي بعض الأحيان يبدأ الوضع بالتراجع اولًا بأول الى حد الأدبار والأقلاع، وفي هذه الحالة يأتي الشطر الثاني من بيت الشعر وهو تتمة للصدر الذي وضعته عنوانًا للمقالة هذه. وهو ببعض التصرّف: "وإذا أدبرت ركب الحمار على الأسد".
وهنا لا بد من الأشارة الى ان الأقبال من قبل الدنيا وزهوتها لنفر معين ان لم يكن في ذلك حكمة إنسانية وتصرفًا عقلانيًا متزنًا ودراية ودراسة موضوعيين، لا يمكن إلا أن تبدأ الدنيا بالأدبار. وفي الواقع لا يمكن يومًا من الأيام ان يركب الحمار على الأسد بشكل فعلي وإنما المقصود هنا أنّ تباينًا كبيرًا وعجيبًا في مسلكيات الحظ والسعد والزهو والرفاهية والغنى الخ...
وفي ادبار الدنيا وتراجع الحظ والسعد عن هذا وذاك، قد يغيّر كثيرًا من أحوال الناس الذين كان الحظ والسعد حطّ رحاله عندهم، دون أعلان ودون أبلاغ بذلك،
واقصد بأن يركب الحمار على الأسد،أي أن الأمور تتغيّر وقد تسوء الأحوال اكثر وأكثر بشكل عام رغم أنها تزهو للحمار وقد يظن نفسه اسدًا الا انّ الحقيقة غير ذلك، فالحمار يبقى حمار والأسد لا يمكن أن يتغير في جوهره ومكانته رغم التراجع في بعض الأمور لبعض الوقت.
وخلاصة القول بأنه مهما قيل ومهما تغير ومهما تحول من امور وتغييرات في الثروات، الأموال، في الأرزاق لدى إقبال الدنيا وأدبارها، فالانسان يجب ان يبقى بجوهره الحقيقي ولا يكترث او ينجر وراءها، لأنه لا يبقى سوى عمل الأنسان في كل حين وينطبق في هذا السياق قول الشاعر وهو عين الصواب.
لا افرح لها اذا اقبلت
ولا احزن عليها إذا ادبرت
(أبو سنان)
