"...ستظلّ شعوبنا تدفع تبعات هزيمتنا القاسية في الحرب العالمية الأولى، حتى يظهر من يوحّدها مرة أخرى، تحت راية قوي عادل يصفّي آثار الهزيمة" (حسن الخلف)
سمعت قريباً لي يجزم، كأنها بداهة، بأنّ «أجدادنا كانوا يكرهون العثمانيين» ولا يحبّون النظام ودولته. ثمّ انتبهت أنّنا ــ كأكثر عرب الأطراف ــ لا نعرف أحداً من أجدادنا كان راشداً عام 1908 وعاش مواطناً عثمانيّاً وأخبرنا بهذه الشّهادة. أي أنّ «أجدادنا» في هذه الحالة ولدوا في لبنان الفرنسي، وترجع ثقافتهم الى ما بعد الحرب العالمية الأولى ولم يكونوا يوماً رعايا للسلطان، ونظرتهم الى الموضوع هي كنظرتنا: متأخّرة وانطباعيّة وانتقائية ولا تقوم على تجربةٍ مباشرة.
كما أن هذا الافتراض الشائع ينضوي في أساسه على «اشكالية تاريخية»، لا لأنّه يصعب أن نتخيّل فلّاحاً فقيراً في القرن التاسع عشر يكوّن آراء سياسيّة «استراتيجية» من هذا النّمط بل لأنّه، من جهةٍ، لم تكن الأطراف الزراعية ومجتمعها تتعامل بشكلٍ مباشر (في أغلب الحالات) مع الدّولة وسلطتها حتّى يحقد النّاس على اسطنبول، بل كانت علاقتهم الرّسميّة، إن وجدت، هي مع اداراتٍ محليّة تأخذ أشكالاً مختلفة في إمبراطورية لامركزيّة (عائلات محلّيّة في الموصل، مماليك في مصر، مقاطعجيين في جبل لبنان، قادة طوائف، الخ). من جهةٍ ثانية، توجد مغالطة في الحديث عن الدولة العثمانية كأنّها كانت «نظاماً» حديثاً يشبه حكومات اليوم، تحبّه أو تكرهه وتتحيّن زواله، فلم يكن أحدٌ يومها يفكّر في الامبراطورية على أنّها «خيارٌ» حتّى يؤيّدها أو يرفضها أو يفكّر بـ«استبدالها»، بل إنّ أغلب رعايا الدّولة ــ حتى سنوات قليلة قبل انهيارها ــ لم يكونوا قادرين، ببساطة، على تخيّل العالم من دونها.
سرديّات معاصرة
تذكّرت هنا رفيقاً مصريّاً جاء يناقشني قبل فترة في الجدالات التي تنشب بين العرب حول تفسير المرحلة العثمانية، وهل كانت «احتلالاً» أم «خلافة»، دولة استبداد أم دولةٌ عليّة؟ فتذكّرت مباشرة التقسيم الذي كان يقدّمه المؤرّخ الفلسطيني بشارة الدوماني ليبسّط الموضوع لطلّابه. توجد ثلاث سرديّات منتشرة حول التراث العثماني، كان يقول، وكلّها لا علاقة لها بتاريخ الدولة نفسه وقرونها الستّة، بل هي كلّها نشأت في زمنٍ لاحق. أوّلاً، لدينا سرديّة «عصر الظّلام»، التي أنتجتها الأنظمة التي نشأت على أنقاض الامبراطورية، وقد أصبحت عناصر هذه السردية جزءاً من ثقافتنا الوطنية الناشئة إثر الحرب العظمى (من علي الوردي في العراق الى أنيس فريحة في لبنان). ومختصرها انّ الدولة العثمانية (لا انهيارها) هي سبب تخلّفنا واستعمارنا، وأنّ سقوطها شكّل «تحريراً» تاريخيّاً لنا على مستويين: خروجٌ من «الاستبداد التركي» الى الحرية القوميّة، ومن الظّلام والتخلّف الى الحداثة والدّولة العصريّة. بمعنى آخر، الدّولة العثمانية هنا لم تكن سوى «بيتٍ يحترق»، ولا مصلحة لنا في البقاء فيه أو الدفاع عنه ــ على حدّ تعبير نوري السّعيد وأمثاله من الضبّاط الهاشميّين، الذين خانوا رفاق سلاحهم وقيادتهم وسلّموا بلادهم الى الاحتلال الاوروبي؛ وارتضوا بدلاً من الامبراطورية وزارةً أو منصباً في بلدٍ مستعمر (وقد استثاروا كراهية شعبهم حين حكموا، كما في حالة السعيد، حتّى قتلهم).
السّردية الثانية التي شاعت في القرن العشرين معاكسة تماماً للأولى، وهي سرديّة «العصر الذهبي»، وقد روّج لها الاسلاميون العرب (والإخوان تحديداً) في مواجهة الخطاب الأوّل. الدّولة العثمانية هنا هي شيءٌ قويٌّ ومهيب، كانت خلافةً تجمع المسلمين وتحميهم، وسقوطها شكّل نكبةً عليهم جميعاً. هذه السرديّة، التي تراها ايضاً في المسلسلات التركية الجديدة، تكتسب جزءاً من قوّتها بسبب سطحيّة خطاب «عصر الظلام»، الّذي يحوّل السلطان العثماني الى صورةٍ كاريكاتورية عن رجلٍ بدينٍ أجلف يعيش من أجل المتع والنساء، وهي مزيجٌ بين الأدبيات الاوروبية عن الشرق في القرن التاسع عشر وبين قصص ألف ليلة وليلة وحكايات الخلفاء العباسيين. هنا مثلاً، يفاجأ الجمهور العربي ويخسر يقينه حين يكتشف بأنّ نظرته الموروثة عن الدولة العثمانية وسلاطينها لم تكن صحيحة وتاريخية، وأنّ اسطنبول ــ مثلاً ــ كانت تضمّ نخبة حكمٍ ارقى وأكثر فعالية من أيّ شيءٍ عرفه في بلاده، وكفاءاتٍ من أرجاء العالم الاسلامي تناقش السياسة الدوليّة ومسائل التحديث (في كتاب فاتح ارميش عن التاريخ الاقتصادي العثماني، مثلاً، تجد السّلطان يناقش مع الخبراء مسائل معقّدة في السياسة النّقديّة، أو ينصح وزيره ــ اثر أزمة خبزٍ في اسطنبول ــ بأن يتساهل مع الخبّازين في الأوزان ويتشدّد في النوعية، لأنّه يلاحظ أنّ رعيّته تفضّل الخبز ابيضاً ونقيّاً على أن يكون وزنه دقيقاً، الخ. هؤلاء أناسٌ تدرّبوا على فنون الحكم منذ الصّغر، ولا يشبهون الصّورة التي كوّنتها عنهم المخيلة الشعبية المعاصرة).
أمّا السّرديّة الثالثة هنا، فهي غربيّة المصدر، وقد ظهرت تحديداً في المؤسسة الأميركية بعد حرب العراق ودخول اميركا الى المنطقة في مشروعٍ لـ«بناء الدّول» وإعادة تشكيلها: أصبح العديد من المثقّفين الأميركيين يرجّعون «فشل» الشرق الأوسط ودوله الى التراث العثماني ايّاه، وأنّ نظام الملل واللامركزية لم يخلق دولاً قوميّة «طبيعية»، بل خليطاً سكّانياً غير منسجمٍ ولا يشبه دول اوروبا، فعلينا اذاً ــ يذهب المنطق الأميركي ــ الى «تصحيح» التركة العثمانية، وإعادة تقسيم دول الاقليم على أساسٍ «منطقي» اثنيّ، وأن نستدخل تقنياتٍ مثل الفيديرالية ومجالس الطوائف حتى نتمكّن من إدارة هذه «الفسيفساء البشرية» التي خلّفها العثمانيون و«إصلاحها» وتغييرها.
تواريخ موازية
الحقيقة، بالطّبع، هي في مكانٍ آخر وهي خارج السرديّات المثاليّة، سلبيّة كانت أم ايجابيّة، ولكنّ الغريب هو أن الكثير من أبناء عصرنا العربي لا زالوا يتعاملون مع الموضوع بحماسة وحدّة، كأنّهم والعثمانيين في عدواةٍ مستمرّة وحربٍ أهليّة قائمة. حتّى نكون واضحين منذ البداية: السلطنة العثمانية لن «تعود»، ولا يمكن أن تعود؛ المسألة ليست هنا. وسعي الحكام الأتراك اليوم لـ«استعادة» و«إحياء» التراث العثماني، واعتماده مظلّةً لطموحات الدولة التركية الحديثة، ما هي الّا محاولةً لخلق شيءٍ جديد، لا علاقة له بالماضي، وبالاعتماد على تأريخٍ رومانسيّ ومسيّس. وانت، حين تربط بين حكّام أنقرة وبين العثمانيين وتتكلّم عن «عودة العثمانيين» عبر حزب أردوغان فانّك، من جهةٍ، تشوّه التاريخ والحاضر سويّة و من جهةٍ أخرى تُعطي هؤلاء تحديداً ما يريدون: مصادرة تاريخنا وتاريخ أسلافنا واحتكارهم لماضينا العثماني كأنّهم يملكوه، وتشكيله على هواهم ووفق مصالحهم.
دليلنا هنا سيكون الكتاب الفذّ للمؤرّخ مايكل رينولدز «امبراطوريات تتكسّر» (منشورات كامبريدج، 2011)، ونحن لن ندخل حتّى في المضمون التّاريخي للكتاب ــ وهو عن الصراع بين الروس والعثمانيين في السنوات الأخيرة للسلطنة ــ بل سنعتمد أساساً على إطاره النّظريّ وتفسيره لنشوء القوميّات في بلادنا.
البديهية الأولى التي يحطّمها رينولدز هي فكرة «حتميّة» انهيار الامبراطوريات متعدّدة الأعراق في السلطنة والنمسا وروسيا، والتي سقطت إثر الحرب العالمية الأولى، و«حتميّة» استبدال دول الـ«موزاييك» هذه بأممٍ قوميّة. ما يجري هنا بحسب رينولدز هو أنّ إجماع الأكاديميا الغربيّة قد حوّل مسار التّاريخ الى ما يشبه عمليّة «هيغيليّة»، يصبح زوال الامبراطوريات الكبرى فيه هو النّتاج الطبيعي للتاريخ، وانتصار القوميّات العلمانيّة تتويجاً لمساره الحتميّ. تمزج هذه الأدبيات، في منطقٍ صوريّ، بين واقعة تاريخية هي سقوط الامبراطوريات وإعادة تشكيل العالم بعد الحرب العالمية الأولى، وبين نظريات صعود القوميّة في اوروبا الغربيّة؛ فتعتبر ــ مع بينيديكت اندرسون وغيره ــ أنّ التحوّلات الاقتصادية والاجتماعيّة (مثل الطباعة وانتشار التعليم والسياسة الجمعيّة) قد وضعت العالم بأسره في «طريقٍ قوميّ» محتوم، يترافق مع الحداثة. وأنّ حتمية استيقاظ القوميّات واعتمادها إطاراً للسياسة والهويّة هو ما حكم على تشكيلاتٍ امبراطورية مثل النمسا ــ المجرّ والسلطنة بالتفجير من الداخل والفناء. هذا الخطاب، يقول رينولدز، يذهب الى حدّ قراءة التاريخ «بالمقلوب»، فلا يكتفي باعتبار هذه الامبراطوريّات «خارج التاريخ» ومخالفة لقواعده، وأنّ زوالها كان طبيعيّاً، بل هو يقرأ ماضي هذه الدّول بعين الحاضر، كأنها كانت «تحبس» أو «تقمع» هذه القوميّات، التي احتاجت الى انهيار الامبراطورية حتّى «تزهر» (فيصبح الحكم العثماني مثلاً ــ حتى في قرونٍ سبقت المدّ القومي ــ «احتلالاً تركيّاً» للعرب واليونان والبلغار، وتصبح روسيا القيصرية «سجن الشعوب»).
هذا الخطاب، يقول رينولدز، لا يستقيم مع وقائع التّاريخ لثلاثة أسباب. أوّلاً، ما يجمع بين دولتي هابسبورغ وبني عثمان، وما سبّب انهيارهما هو ليس طبيعتهما المتنوّعة وتعدّد الأعراق بل، ببساطة، أنّها هزمت في الحرب الأولى وزالت بسبب ذلك، والّا (وهذا كان احتمالاً قريباً، أقرب بكثير من التنافس في الحرب العالمية الثانية) لانتصرت واستمرّت وأمّنت استقراراً لعقودٍ قادمة ولربّما نجحت في محاولاتها التحديثيّة وأعادت اختراع نفسها، كما فعلت مرّاتٍ عديدةٍ في الماضي. ولكانت القوميّة العربيّة والدّعوات الانفصاليّة هنا، هي التي تقف خارج التّاريخ، ولسُحقت أو ظلّت كما كانت يومها في أوائل القرن (حركات فكريّة وسياسية صغيرة لا حاضنة شعبيّة لها في الوطن، وأكثر دعاتها أقلويّون ومرتبطون بالغرب).
ثانياً، يقول رينولدز، فإنّ الرابطة السببية التي يستسهل البعض اعتمادها تفسيراً، بين انتشار الحداثة والتعليم من ناحية و«استيقاظ» الحس القومي من ناحية أخرى، لا نجدها في الأقاليم التي انفصلت عن السّلطنة. مستوى التعليم والأمية والطباعة في دولٍ مثل بلغاريا وصربيا ورومانيا لم تكن تختلف، يوم «استقلال» هذه الدول، عمّا كانت عليه في القرن الثامن عشر، ولم تكن هناك حركات قوميّة فعلية وشعبية حتى تمّ تشكيل هذه البلاد.
ثالثاً، وهذا الأهمّ، فإنّ اساس الهويّة ومحرّك التاريخ في مذهب رينولدز هو سياسات القوّة وليس أيّ شيءٍ آخر. فالحركة القوميّة، لو لم تتمظهر في دولة ونظام له مؤسسات وجيش ومدارس، لما كان لها مكانٌ في التاريخ، ولو لم يكن الجوّ الدّولي مناسباً، لما حازت هذه القوميات «دولها». والحال هي أنّ أغلب الدول التي نشأت من كنف السلطنة قد خرجت وتمّ رسم حدودها بسبب التنافس الدولي والارادة الاوروبية والهزيمة في الحرب أمام الأجانب، وليس الثورات الشعبية أو ظروفٍ داخليّة (وهذا ينطبق على بلغاريا واليونان كما ينطبق على دولنا في المشرق ــ مع احترامنا لكلّ الأساطير القوميّة والاثنية والطائفيّة).
كمثالٍ على هذه الفكرة، قرأت مؤخّراً نصّاً لباحثٍ عربيّ يقارن فيه بين ايران والسلطنة العثمانية، ويجزم بأنّ سبب تقسيم السلطنة وبقاء ايران موحدة هو أنّ الأولى كانت متعدّدة الاثنيات فيما الثانية لها طابع قومي «فارسي». هذه الخلاصة تختزل كل الأخطاء التي يتكلّم عنها رينولدز: الدولة العثمانية وإيران لم تختلفا في تكوينهما وسبل ادارتهما، والاثنتان كانتا امبراطوريات متعددة الأعراق والأديان؛ من هذا المنظار يُصبح علينا أنّ نفهم ايران على أنها بلدٌ ذو أغلبية فارسيّة تحكمها السلالات التركيّة، منذ السلاجقة والصفويين وصولاً الى «رضا خان قوزاق» (هكذا كانوا يسمّونه في ايران في بداياته). السياسة الدولية سارت، ببساطة، لصالح تقسيم السلطنة في حين ساعد التنافس البريطاني الروسي على إبقاء إيران موحّدة، ومنع ضمّها بشكلٍ رسميّ من قبل أحد. ولو اختلفت مصالح اوروبا ومسرح سياستها قليلاً، لرأينا بسهولة تقسيم ايران و«نهضة قوميّة» فيها هي الأخرى، ودولة اذرية في الشمال الغربي وكردية في الغرب وفارسية في الوسط؛ ويحصل العرب على امارة في الجنوب الغربي ومثلهم البلوش في الشرق، وتنفصل خراسان عن محافظات فارس التاريخية (في أوائل القرن العشرين، لم تكن الصدامات في ايران تقع بين الدولة والمعارضين، بل بين «الروس» و«السويديين»، أي الوحدات التي يقودها مرتزقة من بلدٍ اوروبي ضدّ آخر، في مرحلة استسلمت فيها الحكومة بالكامل لإرادة الخارج وهيمنته).
الهدف هنا هو ليس تخيّل تاريخٍ مخالف أو استعادة ما سبق، بل أن نفهم كيف وصلنا الى هنا، وأن نتحرّر من خرافاتٍ تقيّدنا وتشوّه نظرتنا الى أنفسنا والى ماضينا، وتبقينا في حالة ضياع هويّة تزداد تفاقماً وتهدّد بمزيدٍ من التشظّي. المدخل الى الفهم، في رأيي، يبدأ مع أحداث الحرب العالميّة الأولى، ومن الضروريّ أن نكون صادقين مع أنفسنا ومع أسلافنا وماضينا ونحن ندخل مرحلةً تاريخيّة جديدة، شرسة وصعبة على مستوى العالم ــ قد تشابه ظروف القرن التاسع عشر الذي فشل العثمانيون في التعامل معه ومع تحدّياته، فسقطوا وأورثونا الهزيمة والانكسار. حين نبني من البداية، يجب أن نختار المثال الصحيح، وهو ليس نوري السعيد والشريف حسين وأولاده كما تقول لنا الكتب المدرسيّة، بل مئات آلاف العراقيين الذين قاتلوا البريطانيين والعملاء، في ثورة العشرين، تحت راية الخلافة، وكانوا نقطةً مضيئة في ذلك الليل الحالك الطويل، الذي لم يزل مستمرّاً إلى اليوم.
قد يكون من الأدقّ لغاياتنا هنا، بدلاً عن الكلام على «أزمة هوية» في بلادنا، أن نتكلّم على «ترهّل الهويّة»؛ بمعنى أنّ الدّول القطريّة التي نشأت اثر الحرب العالمية الأولى لم تنجح في «بناء أممٍ» مكتملة تملك هيمنةً وعقداً مع المواطنين؛ والوحدة العربية ظلّت فكرة ولم تتمثّل في مؤسساتٍ وكيان؛ فيما الهويات الطائفية والمحليّة، على استمرارها ونفوذها، الّا أنّها لم تتحوّل هي الأخرى الى بديلٍ تاريخي (والّا لأصبحت الطوائف أمماً وانقضى الأمر هكذا).
بمعنى آخر، أنت تعيش بين هويّات متنازعة ولكن لا الأمّة العربيّة تحققت بشكلٍ ماديّ، ولا الدّولة القطرية أصبحت أمّة مستقرّة، ولا زالت الهويات الطائفية والمحلية أكثر تأثيراً عليك كفرد، وأكثر قدرةً على التحشيد وتوليد الولاء، من أحلامك الوحدوية ــ التي ظلّت أفكاراً ومبادئ ــ ومن دولتك القطريّة الهزيلة.
المشكلة ليست على المستوى الوطني الداخلي فحسب، بل هي تطال نظرتنا الى انفسنا واقليمنا ومكاننا في العالم وبين من هم حولنا. وهذه ليست اشكالية «ثقافية» أو معنويّة فحسب، بل لها مفاعيل سياسية ومادّيّة عميقة. هذا ينطبق حتّى على مسألة مثل فلسطين، فما هي القضية هنا؟ هل هي قضيّة «بلد» اسمه فلسطين و«شعبٌ أصلي» تعرّض للتهجير والسّلب؟ أم هي قضيّة عربيّة وجزءٌ من أرضنا قد سرق منّا؟ أم فلسطين قضيّة اسلاميّة، تحريرها فرض كفايةٍ على مجموع المسلمين؟ هذه الإجابات لا تتّسق مع بعضها البعض، والطّريف أنّ تسمع من يهرب من هذا السّؤال عبر كليشيهات من نمط أنّ «فلسطين قضية انسانية»، أو أنها «قضيّة أخلاقيّة» وكفى (ماذا يعني هذا الكلام؟ هل انتصرت، في التّاريخ يوماً، قضيّةٌ لأنّها «اخلاقية»؟ هل تظنّ أنّ هناك أحداً، بمن فيهم الصهاينة، لا يعتبر نفسه «أخلاقياً»؟ وهل تعتقد أن الأخلاق مفهومٌ مفرد، موجودٌ في رأسك ويتّفق عليه الجميع؟ المعركة تحديداً هي حول تحديد هذه «الأخلاق»، وترويج مفهومك عنها في وجه مفاهيم معارضة. حتّى حين تتفحّص التّاريخ وتقول السّرديّة بأنّ «الخير» قد انتصر ــ على النازيّين مثلاً ــ فإنّ القضيّة هنا قد أصبحت «أخلاقية» باتّفاقنا، غالباً، لأنها قد انتصرت وليس العكس).
العبرة الأساس هنا هي أنّه لا يمكننا مقاربة الهوية السياسية باعتبارها مجرّد «خطاب» أو «نصّ سردي» (script)؛ كلّها احتمالات متساوية وانت تختار بينها كما يختار المرء زوجاً أو يعتنق فكرةً تعجبه في الاكاديميا. يوجد أساسٌ ماديّ وتاريخي جعل أشكالا معيّنة من الهويات تظهر وتسود وأخرى تنحسر، وكلّ عمل الباحثين وجدالهم هو تحديداً حول تعريف وشرح هذا الأساس التاريخي والمادّي الّذي أوصلنا الى هنا. الفكرة «اللغوية» البحت عن الهويّة، أي التي لا تراها الا بما هي «خطاب»، تشابه في تبسيطها ولاتاريخيتها من يرى الهويّة على أنّها «حقيقة» وبداهة ما عليك الّا «اكتشافها» (لو كانت هناك ــ من بين كلّ سرديات الهوية المعروضة علينا في هذه البلاد ــ «هويّة\حقيقة»، لاكتشفناها واعتمدناها جميعاً خلال هذا القرن، ولما كنّا نعقد هذا النقاش).
القومية الحديثة: قصّة من فصلين
المثير في كتاب مايكل رينولدز هو أنّه لا علاقة له، في المنهج أو في النظرية أو الموضوع، بأدبيات «ما بعد الاستعمار» ونظرياتها، فمنهجه تاريخي تحقيقي بحت، وهو في النظرية متأثّر بأمثال تشارلز تيللي وماكس فيبير، ولكنّه يصل في حالاتٍ كثيرة (مثل انتشار فكرة القومية من اوروبا الى العالم) الى نتائج تقارب ما يقوله معسكر «نظرية ما بعد الاستعمار». الفارق هو أنّه، مع رينولدز، فإنّ عملية استنساخ المفاهيم الأوروبية وفرضها على العالم لم تكن «لغويّة»: «خطاب قوة» اوروبي يخلق خطاباً تابعاً أو يعرّف نقيضه في «الشرق» ويشكّله، الخ. بل هي عمليّة ماديّة وسياسيّة، يتتبّعها عبر الوقائع والأرشيفات.
فلنبدأ من البداية. القوميّة انتشرت في اوروبا، وتحوّلت الى النمط الناظم للسياسة في القارّة، لأسبابٍ عسكريّة اساساً. اثر الحروب النابليونية، يقول رينولدز، تيقّنت القوى الأوروبية المتنافسة بأنّ الجيوش «الوطنيّة» الشعبية (كجيش الثورة الفرنسية) ستتفوّق دوماً على الجيوش الصغيرة المحترفة، أو وحدات المرتزقة وميليشيات الاقطاعيين. احتاج الأمر حينها الى 7 أو 8 أحلافٍ كبرى، كلّ واحدٍ منها كان بحجم حربٍ قاريّة، والى اجتماع بريطانيا مع روسيا والنمسا وأكثر ألمانيا، من أجل إخضاع نابليون ومنع فرنسا من التهام اوروبا. العملية هنا لا علاقة لها بمنطقٍ بنيوي تاريخي أو بمسارٍ محتّم، أو بأنّ القومية «حقيقة» كان لا بدّ أن تسود، بل هي مرتبطةٌ بالتنافس بين الدّول في عالمٍ صراعيّ منفلت، هو عالم القرن التاسع عشر؛ وضرورةً نشأت في ظرفٍ تاريخيّ، احتاجت فيها الحكومات الى اللجوء لسواد الشّعب من أجل تأدية مهام الحرب والدّفاع. أصبحت مضطرّاً لأن تنظّم بلدك على أساس أنّه «وطن»، له علمٌ ونشيدٌ وتربية مشتركة ويرتبط أهله به كمواطنين، ويتجنّدون جماعيّاً للدفاع عنه (والكثير من عناصر السياسة الجمعيّة، وتطوّر حقوق المواطنة والتصويت والمشاركة، قد بدأت من هنا تحديداً وليس من أيّ مكانٍ آخر).
لم تنتقل هذه الصّيغة الى بلاد الشّرق عبر محض المحاكاة والتقليد (تذهب نخبٌ عربيّة الى اوروبا، فـ«تلتقط» فايروس القوميّة وتنشره في بيئتها، الخ)، بل ايضاً لأسباب سياسيّة وعمليّة ترتبط بالمصالح وموازين القوى. لم تكتفِ دول اوروبا بأن ترى العالم على شاكلتها بل هي، حين بدأت بتقسيم اقاليم السلطنة التي سقطت، اعتمدت النّمط ذاته وقرّرت ــ في مؤتمر برلين ــ تحويل البلقان الى دولٍ وطنيّة، كلٌّ يتطابق مع مجموعة لغوية أو اثنيّة، واعتبرت بأنّ هذا هو التقسيم «الطبيعي» للأمم، والشّكل الذي يتماشى مع رغبات الشّعوب. بالنسبة الى رينولدز، فإنّ مؤتمر برلين عام 1878 لم يكن مجرّد فاتحة لتقسيم السّلطنة، وتحويل أقاليمها الى دول مستقلّة، بل كان حدثاً تاريخياً فاصلاً غيّر كلّ شيء.
أرسلت معاهدة برلين، الى كلّ جماعات ونخب الدّولة العثمانيّة يومها، رسالتين. الأولى هي أنّها ــ على حد تعبير المؤرّخ الأميركي ــ أصبحت تملك «خياراً ثانياً»، بديلاً عن الخضوع للسلطان وقوانينه، فالقوى الأوروبية أصبحت في الدّاخل، وهي قادرة على فرض تنازلاتٍ هائلة على الحكّام في اسطنبول، وهي «تتبنّى» شعوباً وقضايا وتجبر العثمانيين على السّير وفق «قواعد» معياريّة، حتى على المستوى الدّاخلي. الرّسالة الثانية هي انّك، لو شئت أن تستمع اليك هذه القوى الاوروبية ولأن تحوز قضيّتك شرعيّة، فإنّ عليك إخراجها كقضيّة «قوميّة» وانّك تمثّل شعباً وكياناً قوميّاً وتنطق بمطالبه. الهوية القوميّة، في العرف الاوروبي، ليست الهوية «الطبيعية» في السياسة فحسب، بل هي ترتقي الى مستوى «حقٍّ مقدّس»، يعلو على أيّ خطابٍ آخر ويوازي الاستقلال القومي، هنا، «حقّ تقرير المصير».
لهذا السّبب أصبح قائدٌ كرديّ، مثل عبيد الله، حين يختلف مع الدّولة على امارته وحدود قوّته في الأناضول ــ بعد سنتين من مؤتمر برلين ــ يعلن أنّ عصيانه هو لتشكيل «دولة مستقلّة للكرد»، مطالباً بريطانيا العظمى بالدّعم باسم «أمّةٍ كرديّة» يمثّلها هو (بالطّبع، فإنّ الكلام عن قومية كردية عام 1880، كالكلام عن قومية يونانية او رومانية عام 1827، هو مجرّد مزحة. وعبيد الله كان قومياً كرديّاً بقدر ما كان الشريف حسين قوميّاً عربيّاً وبقدر ما أنا قوميّ فنلندي). بالمثل، خلال إعدامات 6 أيّار في بيروت هدّد أحد المحكومين، عبد الكريم الخليل، «سوف نطالب كلّ الدول المتحضّرة في العالم باستقلالنا وحريتنا». أمّا المحكوم الآخر الذي حافظ على إصراره وتحدّيه قبيل الإعدام، فقد كان ضابطا عثمانيا سابقا هو سليم الجزائري، الذي صرّح ببساطة أنّه يكره الأتراك (أمّا باقي من تمّ إعدامهم في بيروت، فقد دفع أكثرهم بالبراءة من التّهم والتجسّس، وأنّهم لا يريدون أن يموتوا عملاء وخونة، فيما طلب آخرون الرّحمة واعتبروا أنّ الأحكام قاسية ولا تتناسب مع ذنبهم). لا يجب أن نغفل هنا أنّ «الدّول المتحضّرة»، في عرف الخليل، كانت على مثال بريطانيا العظمى، التي كانت تفرض حصاراً على بلاده حينها وتقتل نسبةً لا بأس بها من شعبه، جوعاً وتهجيراً، خلال ثلاث سنوات ــ ولا أحد في لبنان اليوم يحقد على البريطانيين بسبب الإبادة والمجاعة القصديّة، ولكنهم يحفظون قصصاً كثيرة عن «التّركيّ» وأيامه.
الهويّة والسياسة الدوليّة
نحن هنا نتكلّم على سياسات نخب، فتحت لها أبواب احتمالاتٍ لم تكن موجودة (كأن تحلم بدولةٍ مستقلّة)، تتلاقى مع سياسات ومصالح اوروبيّة، ولكنّها لا تعكس ــ رغم ادّعاءاتها ــ حركةً «من تحت» أو ارادةً شعبيّة جماهيريّة. حتّى نقرّب الموضوع من السياق الحالي، فلنتذكّر حالة «الرّبيع العربي» وأكثر الاحتجاجات الشعبية حول العالم في العقدين الأخيرين. في عصر الخطاب الليبرالي المهيمن، ممثّلاً بمؤسسات دولية وحكومات قويّة وعواصم تقرّر شؤونك، أصبح أيّ خروجٍ لأناسٍ في الشّارع يتمّ وضعه اوتوماتيكياً في صيغة مطالبة ليبرالية. لو صاح المتظاهرون «نحن نكره اسرائيل» يُقال «يريدون ديمقراطية وانتخابات»، لو صرخوا «نحن جياعٌ نريد خبزاً»، يُقال «يريدون ديمقراطيّة وانتخابات». بل وأصبحت النّخب «الشبابية» تتسابق لتوصيف حراكها عبر هذا الخطاب، والتحوّل الى «وسطاء سياسيين» لأنهم يعرفون أنّ هذه هي المطالبة التي ستحظى بالشرعيّة والاهتمام في الإعلام الدّولي، واعترافاً محتملاً من حكومات الغرب ومنظّماته، فهم سيجدون فيك «التعبير الطبيعي» عن مطالب الناس (بل وأصبحت الحركات اليسارية والماركسية ــ والاسلامية أحياناً ــ تخوض التظاهرات تحت العناوين اياها: «تحسين» الرأسمالية و«الحوكمة» وإصلاحات مؤسسية معيارية).
في حالة سوريا والمشرق العربي في الحرب، وصلت هذه «الاستراتيجيا الخطابية» الى حالةٍ شبه كاريكاتورية: على الأرض، وباللغة العربيّة، خطاب طائفي وإبادي لا يخفي نفسه أو يناور، وعلى أساسه يجري التحشيد والقتال (فلا أحد سيقاتل ويموت من أجل الليبرالية والحوكمة، هذه أمور لا تستحقّ حرباً أهلية ومجازر)، بينما الخطاب «الرسمي» تجاه الخارج والمجتمع الدّولي يتكلّم عن الديمقراطية وحقوق الناس ومقارعة الاستبداد (أو ثوّار عشائر) والنّخب تقدّم قضيّتها بهذا الشكل بكل جديّة ــ واللعبة، على طول السنوات الماضية، هي في أن لا يختلط الخطابان أو يعترف أحدهما بالآخر. أمّا القادة والكوادر، فهم أكثر اهتماماً بنفي العلاقة مع «القاعدة» وتجنّب لوائح الإرهاب الغربيّة من معاملتهم لشعبهم أولوياته. الفكرة هنا هي ليست أنّ الخطاب الأوّل «أصيلٌ» والثاني «زائف»، فالإثنان هم نتيجة تلاقي ظروف محلية وإقليمية وسياسات قوة (من الخليج الى المخابرات الأميركية) صنعت هذا السياق وحوافزه.
اكتشفت هذه النّخب العربية اليوم، مثلما اكتشفت نظيراتها في القرن التاسع عشر، أنّ التماهي مع الغرب أو حتّى الحظي بدعمه لا يضمنان أن تنتصر. مثلما كان هناك النموذج اليوناني «النّاجح» (أو اللبناني، حيث تمكّنت كيانات من نيل استقلالها عبر الدعم الاوروبي، وحظيت نخب وأقليات، بالفعل، بفوائد عظمى جرّاء ضعف السلطنة وانهيارها؛ وإن كان الوجه الآخر لهذا الإزدهار هو مجازرٌ واحتلالات في اقاليم أخرى، وتدمير مجتمعاتٍ كاملة، وهو ما سنخوض فيه في الجزء الأخير من المقال)؛ الى جانب «النموذج اليوناني» كان هناك ايضاً النموذج الأرمني، الذي انتهى الى كارثةٍ وإبادة، أو النموذج العربي الذي أنتج استعماراً وتقسيماً. بل إنّ السياسات الأوروبية ذاتها قد لعبت دوراً سلبيّاً في حقّ أناسٍ راهنوا عليها. كما يكتب رينولدز، حين ترهن نفسك للسياسة الخارجية الأوروبية، فأنت ايضاً ستعتمد على إجماع هذه الدّول حتّى تتقدّم قضيّتك، وأن تتفق اميركا مع روسيا وبريطانيا، وحين تختلف هذه القوى لسببٍ ما، يتأجّل مصيرك الى ما شاء الله.
اليوم كما في الماضي، ليس في إمكانك أن تشتكي حين لا تسير رغبات الأمم وفق مصالحك، فأنت قد دخلت في ميدان التّذاكي و«الواقعيّة» وانت تعرف جيّداً أنّ حكومات العالم (سواء في القرن التاسع أم اليوم) تعمل ايضاً بحسابات واقعيّة ومصلحيّة، ولا تهمّها ــ في العمق ــ المبادئ ولا تحرير الشعوب ولا الديمقراطية حين لا تناسبها (بل إنّ الاستخدام الأداتي لهذه الشعارات كان واضحاً وغير ملتبس، يروي رينولدز مثلاً أنّ بريطانيا، حين أرادت منع روسيا من ضمّ مرفأ باتومي على البحر الأسود، بحثت واكتشفت أقلية اثنية هي مسلمو «اللاز» في تلك المنطقة، فتبنّتها وطالبت بحقوقها وأجبرت روسيا على وضع نظامٍ خاصٍّ لها، تضمنه بريطانيا. وقد جاء ذلك بعد فترةٍ قصيرة، بالمناسبة، على إبادة وتهجير أكثر مسلمي القوقاز). أمّا أن تعتبر فشل قضيّتك هو نتيجة «تآمر» حماتك عليك، فهذا ليس أكثر من طفوليّة، والعميل لا يملك ترف الإختيار.
المفارقة الثانية والأهمّ هي في أنّ الكثير من هذه الحركات القوميّة، كالعروبة، قد تحوّلت في أوطانها ــ خلال عقودٍ ــ الى شيءٍ مختلفٍ تماماً: تيّارات شعبيّة تحشّد لمحاربة الاستعمار وطرد الاحتلال وبناء دولةٍ اجتماعية والحفاظ على ثروات البلاد. هذه العمليّة هي من ألاعيب التاريخ التي انتبه اليها جوزيف مسعد في كتابه عن الهويّة الوطنيّة الأردنيّة، وهي تفتح الباب على قصّة جديدة.. (يتبع حلقة ثانية).
(عن "الأخبار" اللبنانية)
