لم يفاجئنا ابدًا زعيم المعارضة الاسرائيلية هرتسوغ حين دعا حكومة اسرائيل الى استيعاب لاجئين سوريين من "منطلقات انسانية"، ليس لانه صادق فيما يقول ويدعو اليه، وانما لانه يسير على خطى قادة اسرائيل التاريخيين في الخداع والتضليل والدعاية.
هكذا كانوا يقولون ما لا يضمرون من اجل كسب سياسي او تعاطف ما، ونحن اكثر من غيرنا نعرفهم. كذلك لم يفاجئنا اتصال "المعارض" السوري كمال اللوباني بهرتسوغ، طالبا منه العمل من اجل ان تستوعب اسرائيل قسما من اللاجئين السوريين. واللبواني يثبت، للمرة الألف، انه عميل رخيص، ومتعاون تافه مع اعداء بلده وشعبه. ومثل هذا الصنف من البشر لا يجوز اعتباره معارضا، فالفرق كبير بين المعارض والعميل. فللمعارضة وجهة نظر واجتهاد يمكن ان تؤخذ في الحسبان طالما تحظى بدعم من الشرائح الشعبية. لكن العميل الذي باع نفسه ليس له مكان في الحياة السياسية في بلده لانه خائن. والوطني سواء كان معارضا او مواليا فهو صاحب الوطن، وهو جزء من اي عملية سياسية لان المواطنة هي المعيار. اما كمال اللبواني وغيره من "المعارضين" فان اوراقهم مكشوفة ومحروقة، ومكانهم الطبيعي والوحيد هو عند اسيادهم، الذين يشغّلونهم. وهؤلاء سيلفظونهم عندما تنتهي صلاحياتهم، تماما مثل البيض الفاسد. وامثال هؤلاء يتلقفهم هرتسوغ، لكنه نسي ان بضاعته فاسدة، ولا تساوي حتى التندر بها.
لكن ما يهمنا في هذا المجال ان هذا الزعيم الصهيوني يتظاهر بانسانية لم نعهدها فيه، ولا في الذين سبقوه. فلو كان الرجل صادقا فأولى به ان يعترف بحق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة الى وطنهم، وهو مفتاح حل الصراع العربي الاسرائيلي والفلسطيني الاسرائيلي. وبدون الاعتراف بحق العودة لهؤلاء اللاجئين فلا سلام، ولا استقرار في المنطقة. وهرتسوغ وغيره من قادة اسرائيل يعرفون ذلك، لكنهم جميعا لا يريدون لاجئين عائدين، وكلهم مسؤول عن نكبة الشعب العربي الفلسطيني. واذا كان هرتسوغ وجها من وجوه العملة، فان نتنياهو هو الوجه الآخر لها، وكان دوره هو رفض ما طالب به هرتسوغ حفاظا على يهودية الدولة. احد وجهي العملة كان صريحا وواضحا، والوجه الآخر كان يمارس المناورة والخداع والتضليل، لكن كليهما متفق في الجوهر وفي التنكر لحقوق الشعب العربي الفلسطيني. وهذا نعرفه جيدا ولا يحتاج الى دليل.
لكن الذي اريد ان يكون واضحا هو ان البعض منا ربما راهن على هرتسوغ بان يكون بديلا لنتنياهو، وهو رهان خاسر. فالرجلان كما قلت وجهان لعملة واحدة، وليس أمامنا كجزء حي واصيل من شعبنا العربي الفلسطيني الا ان نزداد توحدا لانتزاع حقوقنا، وفي فضح السياسة العدوانية الاسرائيلية المناهضة للسلام، والتي لا تنفك تلعب بالنار. ونحن قوة ديمقراطية كبرى، وحين نزج بها في معركتنا فلا احد يستطيع تجاهلها او تجاوزها. وهذه هي ميزتنا النضالية، وخصوصيتنا الفريدة، بعيدا عن التعلق بالاوهام التي لا طائل تحتها. ورسالتنا يجب ان تظل دائما موجهة الى المجتمع الاسرائيلي، والرأي العام الاسرائيلي، لعله يستيقظ او يصحو في يوم من الايام..!
*صاروخ مأرب*
نلاحظ اليوم، وبعد ستة اشهر من العدوان السعودي المستمر على اليمن، ان اطراف العدوان قد فشلت في حسم الحرب لصالحها، وانها بعيدة جدا عن هذا الهدف، رغم تقدم هنا او هناك. فكلما ازدادوا تورطا في اليمن ازدادوا غرقا في هذا المستنقع، الذي لا نجاة فيه لغازٍ، مهما بلغ من القوة. وبعد تقدمهم البري في بعض اجزاء مأرب، جاءتهم المفاجأة المرة والصدمة القوية من صاروخ بالستي واحد من نوع "دوتشكا"، اطلقه الجيش اليمني على قاعدة "صافر" في مأرب اليمنية، حيث تجمع فيها عدد كبير من الغزاة. وكانت الاصابة دقيقة ومباشرة في القاعدة وفي مستودع الاسلحة فيها، ما حصد عددا كبيرا من القتلى والجرحى في صفوفهم. واعترفت دولة الامارات بمقتل 45 جنديا من جنودها، واعترفت السعودية بمقتل عشرة وخمسة بحرانيين، بينما المصادر اليمنية تؤكد مقتل حوالي مئة جندي، وتدمير 40 مدرعة اماراتية وثلاث طائرات هيلوكبتر من نوع اباتشي. وهذه الخسائر الفادحة في الارواح والمعدات كانت بمثابة الصدمة القوية لاطراف العدوان. فالجيش اليمني، واللجان الشعبية قادرة على توجيه اقسى الضربات، سواء للذين عبروا حدود اليمن، او للمواقع السعودية في جيزان ونجران وعسير، التي اصبحت عرضة يومية لصواريخ وهاونات اليمنيين. وهذا ان دل على شيء فانما يدل على ان الشعب اليمني بجيشه ولجانه الشعبية الثورية مصمم على دحر العدوان واستنزاف اطرافه وايقاع الهزيمة بهم، طالت المعركة ام قصرت، فاليمن كان وسيبقى على الدوام مقبرة الغزاة.
واذا كان الاماراتيون هم اكبر الخاسرين من صاروخ مأرب، حيث يدور الحديث عن مصرع ثلاثة قادة كبار في هذه العملية، بينهم انجال لبعض حكام الامارات، فإنه يؤلمنا ان تراق قطرة دم عربية واحدة في غير مكانها، سواء كان هذا الدم اماراتيا او سعوديا. لكن من حقنا ان نسأل حكام اليوم في الامارات: ما لكم ولليمن؟! وماذا فعل بكم الشعب اليمني حتى تكونوا مرتزقة عند آل سعود لتقتيل وتدمير هذا البلد العربي الاصيل؟! قد تقولون مجاملة للسعودية، وانتم لا حدود لكم مع اليمن، وكان الاجدر بكم ان تحذوا حذو سلطنة عمان التي رفضت ان تكون جزءا من تحالف العدوان، وظلت تحتفظ بعلاقة وثيقة مع كل الاطراف، بما فيها اليمن وايران وباقي دول الخليج. وهنا لا بد ان نترحم على الشيخ زايد بن سلطان، اول رئيس لدولة الامارات، وقد كان الرجل حكيما الى ابعد الحدود، وعروبيا حتى النخاع، وفارسا من فرسان الصحراء. ولو كان حيّا لما ورّط بلاده في حرب خاسرة. ويمكن ان نلاحظ ان الردة حصلت في الامارات بعد وفاة الفارس زايد بن سلطان، واصبح حكامها "الصغار" تابعا ذليلا للعرش السعودي، وللاملاءات الامريكية. ونحن نثق في شعبنا العربي في الامارات بان يصحح هذا الخلل الحاصل هناك. وهنا اتذكر الحاكم السابق لامارة الشارقة، الشيخ صقر بن سلطان القاسمي، الشاعر الفارس، والعروبي الناصري المعروف. ويحضرني الآن انه كانت له ابنة في العام 1956، ايام العدوان الثلاثي على مصر، وكانت تبلغ من العمر سبع سنوات، وقد خرجت مع ابناء الشارقة في مظاهرة ضد العدوان الثلاثي. وكانت تحمل في يد صورة والدها، وبالاخرى صورة للزعيم جمال عبد الناصر. وعندما اعياها التعب كان لا بد لها ان تلقي على الارض احدى الصورتين، فألقت بصورة والدها وأبقت صورة جمال عبد الناصر..!!
