الاستيطان: هو السرطان الذي يقضم امكانية السلام بين العرب واسرائيل.
لا بد من كلمة مختصرة قبل البدء بالموضوع، ان سياسات الحكومات المتعاقبة في اسرائيل نهجت على نهش الارض العربية بوسائل جهنمية شتى، وخاصة الحكومة اليمينية الحالية المتطرفة التي تساعدها الولايات المتحدة بكل اطيافها ويتسابق زعماؤها بل يتباهون في النفاق لاسرائيل والتغني بالتسابق لخطب ود اللوبي الصهيوني، وضعف العرب كدول في التصدي لسياسة اسرائيل التوسعية مما جعل المؤسسة الصهيونية تسرح وتمرح في هذا المجال كما في مجالات اخرى عديدة.
بشأن المياه واهميتها في الشرق الاوسط العربي الشحيح اصلا بهذه المادة المهمة للحياة، حيث ان الامن المائي يشكل رديفا للامن الغذائي، بعد العدوان الاسرائيلي على الدول العربية الاردن وسوريا ولبنان، سيطرت اسرائيل على مصادر المياه في نهر الاردن، واصرت ان يكون لها حصة في مياه اليرموك ومنعت بذلك قيام سد الوحدة بين سوريا والاردن.
الى ذلك لم تكتفِ اسرائيل بل حرضت، حيث ان ايادي اسرائيل الخفية بدت واضحة في تحريك الاقطار غير العربية التي تشكل المنابع العليا للانهار الكبرى في الوطن العربي لضرورة استغلال موارد هذه الانهار بشكل اكبر دون ادنى اعتبار لمصالح الدول الواقعة في المجاري الدنيا، وهذا ما حصل مع تركيا بالنسبة للعراق وسوريا وكما يبدو يحدث في اثيوبيا بالنسبة لمصر والسودان.
لقد جاء رد فعل الدول العربية متأخرا كما اوضحت الدكتورة زها بسطامي الاستاذة في مركز الدراسات الشرق اوسطية في جامعة هارفرد مثل ما ورد في جريدة الحياة 8 تشرين الاول 1991 وبنفس العدد من نفس الصحيفة ما ورد في مقالة للدكتور محمود رياض مفادهما: يحلو لمؤسسات الدراسات الامريكية ان تقول ان الصراع على المياه لم تعرفه المنطقة الا بعد قيام دولة اسرائيل، وعدوانها على دول الشرق الاوسط العربي.
وأروع ما كتب في هذا المجال ما كتبه وأعده الدكتور عبدالله الدروبي مدير ادارة الموارد المائية بعنوان: المياه في الاستراتيجية الاسرائيلية وآليات ووسائل تحقيقها.
والآن عود على بدء، ان الانحطاط العربي اليوم يعكس حالة العجز والتشرذم، يتجسد في المستوى الاخلاقي الذي وصل اليه التعاطي مع القضية الفلسطينية في المجالين العربي والدولي بعد سلسلة من مراحل التفريط في الحقوق الثابتة عبر المفاوضات التي اصبحت وقودا لنار الانشقاق العربي الفلسطيني، وكما يبدو اليوم عجْز العرب مخجل جدًّا لعدم القدرة على معالجة الازمات المختلفة في الحياة العربية واستمرار حالة الصمت العربي.
إن التساؤلات والانتقادات ومكاشفة مجتمعاتنا العربية بحقائق الواقع المعاصر تعد ادوات منهجية هامة لمعالجة تحديات الواقع العربي.
لا شك ان اسباب مضاعفة الاستيطان بوتيرة جنونية تدعو الى القلق على مستقبل العلاقات السلمية بين اسرائيل من ناحية والفلسطينيين من ناحية اخرى وهذا يعود الى:
السياسة المجنونة للحكومة الاسرائيلية المتطرفة في اسرائيل اليوم يقودها الجناح اليميني الذي قد يتهور ويسعى الى اعلان الحرب على ايران وسوريا وكل الخط الذي تمثلانه.
الضعف العربي حيال القضية المُحرقة للشعب الفلسطيني وهو نابع عن انشغال العرب في الربيع العربي وتحليل هذا الوضع مما اتاح لحكومة اسرائيل لاستغلال هذا الانشغال من اجل رفع وتيرة الاستيطان وفي القدس خاصة، وبناء ابراج استيطانية في الاراضي المحتلة في القدس.
انقسام الفلسطينيين المجلجل بل المخجل في الاراضي المحتلة وعدم قدرتهم على الاتحاد وتناسي الخصام في خضم المصائب التي تحيق بهم من جراء هذه الجرأة او الوقاحة الاسرائيلية الشرسة بأنيابها الاستيطانية المتهالكة.
واما العالم والولايات المتحدة الامريكية بشكل خاص تقف للعرب بالمرصاد وتعاملهم كأطفال ترمي لهم بالفتات فما يلبثون في التملق والتأتأة في قضية دعم اسرائيل وقهر العرب في قضيتهم الكبرى.
اما المحور الاخير فهو عجز الامم المتحدة التي تسيطر عليها امريكا قبح الله اسمها ورسمها بكل ما تعنيه هذه العبارة من معنى.
إن تصريحات نتنياهو قابلة للتأويلات المتناقضة اما نائبه يعلون فقد اكد ان اسرائيل لن تنسحب على حد قوله ولو من ميليمتر واحد من الاراضي المحتلة والسبب في هذا التغول الاسرائيلي هو ما قلناه سابقا في العجز العربي المعيب.
خلال الاعوام الثلاثة السابقة تم استصدار قوانين عديدة هدفها الاخلال بالواقع الديموغرافي لصالح اليهود في مدينة القدس، ولقد كان قانون تهويد التعليم وقانون الغائبين من اخطر هذه القوانين وفي ضواحي القدس توجد 26 مستوطنة وربما زاد العدد خلال اعداد هذا المقال اي بما يزيد عن 185 الف مستوطن.
وماذا نقول في النهاية، يحدونا الامل لا الوهم بان تستفيق الامة العربية على هذا الواقع المرير ونصحو نحن ان شاء الله على واقع متغير للافضل.
(كفرياسيف)
