أطلت علينا الصحف الإسرائيلية أمس بعناوين رئيسة تهلل لمعدّلات النمو المرتفعة وغير المتوقعة في الربع الأخير من العام المنصرم. بالأرقام، "الخير العام" يزداد، بل، وحسب المعطيات الأخيرة، يطفح طفحًا. ولكن، بالمقابل، وبالأرقام أيضًا، يعيش المزيد والمزيد من المواطنين العرب واليهود تحت خط الفقر.
وليس هذا بـ"تناقض" أو "خطأ معياري"، بل أحد تجليات النظام الرأسمالي والسياسات الاقتصادية المتطرفة لحكومات إسرائيل المتعاقبة. حين نقول إنّ هذه حكومة خدمة الرأسمال، وسياسة إفقار الفقراء وإغناء الأغنياء، فهذه ليست مجرّد شعارات، بل هي التوصيف السياسي-الاقتصادي الدقيق لجوهر النظام السائد، ليس في بلادنا أو منطقتنا فقط بل في معظم دول العالم، باستثناء بعض الدول الاشتراكية أو التي تحاول بناء نظام الاشتراكية والعدالة الاجتماعية.
ولفرض هيمنته الفكرية يملي منطق التطرّف الرأسمالي "حقائق" هي الزيف بعينه، لتحرير الدولة من مسؤوليتها عن تدهور أحوال الناس واتساع الفجوات الطبقية، منها مثلا أنّ الفقراء فقراء لأنهم "كسولون" و"غير منتجين". ولكن الحقيقة هي أنّ معظم الفقراء (ومنهم قسم كبير من عاملي القطاع العام) يعملون ويكدّون بنشاط وكرامة، ولكنهم يتقاضون رواتب الحد الأدنى وما دونها، رواتب جوع بالكاد تسد الرمق، فما بالك بكل ما تكدّسه الحكومة على أكتاف الناس من أعباء وضرائب جديدة.
الحكومة تحاول احتواء السخط الشعبي المتصاعد من ضرائبها وضرباتها - والمتأثر، شاء اقطابها أم أبوا، من انتفاضات شعوب المنطقة المباركة - من خلال إجراءات شكلية، على شاكلة "ضريبة الدخل السلبية"، التي تُقتطع تكلفتها من الخدمات الاجتماعية والصحية والتعليمية، ولا تُحتسب ضمن توفير العامل/ة التقاعدي وسائر مستحقاته/ا الاجتماعية.
هذه الحكومة، حكومة خدمة أصحاب الرأسمال والعائلات الفاحشة الغنى، تكذب في وضح النهار حين تزعم أنها تريد "مساعدة الفقراء". فها قد أسقط الائتلاف الحاكم أول أمس مشروع قانون جبهويًا قدمه الرفيق محمد بركة، يقضي بأن يكون راتب الحد الأدنى حوالي خمسة آلاف شيكل.
إن الفقراء لا يحتاجون إلى "مساعدات" و"صدقات"، بل إلى حقوق وضمانات، لا سبيل إلى تحقيقها إلا بتصعيد الكفاح العمّالي الأممي والمثابر.
