أعود بذاكرتي إلى سنوات الخمسين الأولى، إلى سنوات الحكم العسكري البغيض، وتحكم جهاز الاستخبارات، وإرهاب الناس ومحاربتهم بأرزاقهم ولقمة عيشهم وتصاريح سفرهم، وتسلُّط الحكم العسكري وجهاز الاستخبارات على مقدراتهم.
في هذه الظروف الصعبة كنت أنت على رأس كوكبة من المعلمين الشباب في عمر الزهور، في بداية العشرينيات من العمر، ذوي همة وحضور، يعتمل في داخلهم حب شعبهم، وتنير عقولهم ودربهم شعلة الوطنية الوهاجة.
هذه الكوكبة من المعلمين التي لم يمض على عملها في سلك التعليم سوى ثلاث أو أربع سنوات، رأت أوضاع التعليم المزرية في المدارس العربية: الاكتظاظ في الصفوف، والغرف التدريسية المستأجرة غير الصالحة للتعليم، وعدم وجود كتب تدريس، وسياسة التجهيل والعدمية القومية، وملاحقات الحكم العسكري وأجهزة الاستخبارات، فصممت على التصدي لكل هذا.
في هذه الظروف العصيبة، نهضتَ أخي أبا نرجس وأقمت مع الزميل والصديق إبراهيم بولس حلقة سرية أولى من المعلمين في الجليل الغربي انضم إليها لاحقًا الزملاء الياس دلة وفريد جهجاه ومطانس مطانس وزملاء آخرون، فاحتضنها الحزب الشيوعي بالرعاية والإرشاد، وكانت تعقد اجتماعاتها سرًّا في بيت الرفيق رمزي خوري في عكا.
ثم عملت مع الصديق الشاعر عيسى لوباني ومعي على إقامة حلقة سرية أخرى للمعلمين في الناصرة، انضمت إليها الزميلة أنيسة جبران والزملاء فرحان عرطول وجورج جرايسي وأكرم أبو حنا وفيما بعد منذر غريب وزملاء آخرون، وكنا نجتمع سرًّا في بيت طيب الذكر الرفيق فؤاد جابر الخوري.
وقد عملت أخي أبا نرجس بلا كلل أو ملل مع الحلقتين في الناصرة وكفرياسيف تنتقل بين هذه وتلك، وحاولت جاهدًا إقامة حلقة ثالثة في المثلث وان لم تثمر المحاولات بالسرعة المنشودة... وهكذا قامت لأول مرة "كتلة المعلمين الديمقراطيين" بقيادتك وبمبادرتك، والتي ناضلت بلا هوادة من اجل حقوق المعلمين، ورفع ضيم واضطهاد الحكم العسكري عنهم، ومن اجل النهوض بمستوى التعليم، فاستحققت بذلك لقب "المعلم الديمقراطي الأول". وكان هذا الانجاز النضالي من اجل التعليم والمعلمين، باكورة نضالاتك، وكنت بذلك من بُناة حجارة الأساس.
أخذت كتلتنا بعد ذلك تصدر نشرة للمعلمين تُطبع بالستانسل وكانت هذه النشرات تصدر لمرة واحدة، وكل مرة بعنوان مختلف وباسم محرر مختلف. واقتصرت أسماء المحررين على أربعة أسماء: نمر مرقس، إبراهيم بولس، عيسى لوباني والياس دلة. وكنا ننشر فيها قضايا التعليم والمعلمين. ويبدو ان ذلك اغضب أجهزة الحكم العسكري ووزارة المعارف، فكان ان فصلت إبراهيم بولس سنة 1957، ثم نمر مرقس وعيسى لوباني والياس دلة عام 1958.
كانت هذه ضربة قاسية لكتلتنا فقدت بها أربعة من قادتها المؤسسين. ولكن أحرار المعلمين لم يخافوا ولم يتراجعوا وانضم إلينا فيما بعد زملاء عديدون إلى ان سلمنا الراية إلى الجيل الذي جاء بعدنا.
أخي أبا نرجس:
لقد أصبحت أنت والزملاء المفصولين مثلا ونبراسًا لسائر المعلمين، وأصبحت أنت وبحق القائد الأول وواضع حجر الأساس لنضال المعلمين.
لا استطيع يا أخي ان اعدد كل أعمالك ونضالاتك المرموقة، فلقد كنت في حياتك رائدًا في أكثر من ميدان. كنت معلمًا رائدًا فأنشأت "كتلة المعلمين الديمقراطيين" التي ما زالت قائمة حتى الآن. وكنت مثقفًا وكاتبًا رائدًا فأنشأت في آخر الخمسينيات مع الشاعر عيسى لوباني ومع رهط من الشعراء والأدباء والمثقفين "رابطة الأدباء والمثقفين العرب" التي كانت الأولى من نوعها. وكنت حزبيًّا رائدًا وصلت إلى أعلى المراتب الحزبية وتفانيت في خدمة شعبك. كنت أحد قادة معارك البقاء. وأحد بناة كياننا في وطننا بعد النكبة الرهيبة، فألف تحية لذكراك.
فقدناك أيها الرائد الباني الكبير فيا لَخسارتنا ويا لحزننا. ان قلوب رفاقك وأصدقائك وزملائك المعلمين تخفق حزنًا عليك. عزاؤنا انك أديت رسالة هامة، وان ذكراك ستبقى حية وخالدة في وجدان أبناء شعبك.
(كلمة ألقاها الكاتب في حفل تأبين الرفيق نمر مرقس – عن المعلمين القدامى رفاق دربه)
