مصر العظيمة في الاتجاه الصحيح

single

استطيع ان اقول بكل ثقة ان الذين تسّرعوا في اصدار حكمهم وتكوين رأيهم حول مصر والرئيس عبد الفتاح السيسي، من خلال الاداء المصري ابان الحرب العدوانية الاسرائيلية الاخيرة على غزة، قد اخطأوا في تقييمهم اما عن جهل او لنوايا خبيثة مسبقة للتشهير بهذا الرجل، الذي خلّص مصر من حكم الاخوان المسلمين، والوباء الذي كاد يستشري في الحياة السياسية والاجتماعية في مصر نتيجة تصاعد الإرهاب، وظهور جماعات التكفير والعنف التي لا زالت تضرب حتى الآن في سيناء وبعض المحافظات المصرية. حتى ان البعض وصف مصر بالتواطؤ مع اسرائيل، والتحالف معها ضد حماس.
هذا الكلام اقل ما يقال فيه إنه غباء سياسي وتهريج ارعن، حتى وإن أخذ صفة الحماسة الوطنية احيانا. فالدور المصري في وقف العدوان الاسرائيلي كان هو الحاسم، ولا يستطيع احد ان ينكره حتى وان اخذ صورة غير واضحة المعالم، نتيجة لتعقيدات الامور وكثرة اللاعبين في هذا الملف، نظرا لتضارب وتصادم المصالح الاقليمية والدولية واختلاط الاوراق وفي ظروف بالغة الدقة والتعقيد كتلك التي كانت، لم يكن المهم اطلاق التصريحات الحماسية، او الاعراب عن ادانة العدوان واعلان الدعم والتأييد الكلامي لغزة وفصائلها المقاومة - كما فعل على سبيل المثال رجب طيب اردوغان، الذي اطلق تصريحات نارية لا رصيد لها. وكيف يكون لها هذا الرصيد طالما ان بلاده جزء من حلف الناتو الحامي لإسرائيل وعدوانها، ودول هذا الحلف الاستعمارية هي التي كانت سببا في نكبة الشعب العربي الفلسطيني. وكان يمكن لمصر ان تختار اسهل المواقف وأكثرها شعبية في المزاودة على الاخرين بإطلاق العبارات النارية، التي تدغدغ مشاعر المواطن العربي. ولكن ما هي القيمة الفعلية لانفعال كهذا؟!
 ويأخذ البعض على مصر انه كان يكفي ان تقوم بفتح معبر رفح بشكل دائم ومستمر. ولا احد ينكر ان هذا المعبر اصبح الرئة التي يتنفس منها الفلسطينيون في غزة، وانه المنفذ الوحيد لتواصل غزة مع العالم الخارجي نتيجة للحصار الاسرائيلي الخانق، وان فتح معبر رفح وحده دون المعابر الاخرى يعني ان اسرائيل تريد وترغب في التخلص من غزة وإلقاء تبعاتها على مصر، وهو اعطاء شرعية مصرية للانقسام الفلسطيني. ويعيب البعض على مصر ان بعض وسائل الاعلام الخاصة كانت سيئة جدا، وهذا صحيح، ولكن الاعلام الرسمي المصري لم يكن كذلك. وراح البعض يقول ان مصر تريد الانتقام من حماس، التي اتخذت موقفا مؤيدا للرئيس المعزول محمد مرسي. ومصر في نظري، وهي ترسم ملامح سياستها، لا تنظر للانتقام من احد، حتى وان ناصبت حماس مصر العداء. وكان هذا بارزا في كثير من الحالات. فمصر اكبر من ان تتخذ مواقف صبيانية، وهي تنظر الى القضية الفلسطينية ككل وليس من منظار حماس في غزة. ومصر لا يمكن ان تشجع الانقسام الفلسطيني حين تطالب بأن يدير معبر رفح رجال السلطة الرسمية الفلسطينية. وعلى هذا الاساس تتعامل مع معبر رفح، اما فتحه لدوافع انسانية فهذا معمول به حتى منذ ايام حسني مبارك، ولم يتجاوزه نظام الاخوان ايام مرسي.
 وعليه اقول ان الذين يقيّمون مصر من خلال رؤيتهم الضيقة فقط، وحسب مزاجهم، لا يمكن إلا ان يكونوا مخطئين. فسياسات الدول، التي تحترم نفسها وتكون مؤثرة، لا تبنى على العواطف والمشاعر والتشنجات. وفي الحالة المصرية فان صاحب القرار المصري يدرك ان العدوان الاسرائيلي على غزة كان ابعد من مجرد ضرب حماس او الانتقام من اختطاف ثلاثة مستوطنين، وان هذا كان جزءا من لعبة الامم التي تمارس على الارض العربية الآن، وفيها ما يسمى "التحالف الدولي ضد الارهاب" بقيادة امريكية. وفي لعبة الامم، كتلك التي تجري الآن، هناك الحسابات كلها، الاستراتيجية والتكتيكية ولعبة المحاور، ولعبة تسميم العقول وغسلها بكل ادوات الدعاية المتوفرة. وهي كبيرة وكثيرة بالحرب النفسية، وكل انواع الحروب من الجيل الرابع، والتي تجرب على الارض العربية بكل خسّة ودناءة. ومصر التي خرجت لتوّها من بيت الطاعة الامريكية، بعد ثورة 30 يونيو بقيادة السيسي كانت على شفا الافلاس الاقتصادي، لأن سنوات الردة السابقة انهكتها وأبعدتها عن دورها الاقليمي والدولي والعربي. وحين قررت القيادة المصرية الحالية عودة مصر لتأخذ دورها، لم يكن هذا سهلا وإنما هو قرار صعب وسليم وحكيم. ولولا شجاعة القيادة المصرية، ووطنيتها وإخلاصها وولاءها لشعبها وأمتها، ما كان لمصر ان تخطو خطوة واحدة في الاتجاه الصحيح، لان جميع القوى المتربصة بمصر، وهي كثيرة، لن تتورع عن اجهاض هذا التحول. واستطاع السيسي ان يفعلها من خلال الدعم الشعبي له، والثقة الكبيرة به. فكان ان اتخذ اصعب القرارات حين اتخذ قرار الاستقلال الوطني وعدم الاعتماد والارتباط بأمريكا. وقال للعالم كله إن علاقتنا تنبع من الاحترام المتبادل والمصلحة المشتركة. وعلى هذا الاساس توجّه شرقا نحو روسيا في وقت مبكر، حتى قبل ان يصبح رئيسا. وفتح له الرئيس بوتين ابواب الكرملين، لانه وثق بهذا الرجل، وان لكل من مصر وروسيا مصلحة مشتركة في عودة العلاقات المصرية - الروسية التي كانت ايام الاتحاد السوفياتي. فمصر بحاجة الى حليف دولي من الدرجة الاولى بحجم ووزن روسيا، وروسيا بحاجة الى شريك له وزن وحجم ودور مصر، حتى يستطيع الاسطول الروسي ان يبقى في المتوسط بفاعلية وقدرة مؤثرة. ثم إن مصر هي بوابة لافريقيا والعالمين العربي والإسلامي، وأهميتها الاستراتيجية يدركها الروس تماما. ومصر بحاجة الى السلاح الروسي، القادر على حماية أمنها القومي، فالجيش المصري يتشوق لرؤية هذا السلاح المتطور، وقد اعتاد عليه في السابق، لان امريكا لا يمكن ان تعطي مصر سلاحا تستطيع به مواجهة التحديات الكبرى، لا سيما اسرائيل. وهي لا تنسى ان احد وزراء اسرائيل - ليبرمان - قد هدد في السابق بضرب سد اسوان، اذا دعت الضرورة. وصفقة السلاح الروسية - المصرية الاخيرة، بقيمة ثلاثة مليارات ونصف المليار دولار، ردّ اولي على المتربصين بمصر. فالصفقة تحوي تزويد مصر بصواريخ ارض جو من طراز "اس 300"، القادرة على إسقاط اي هدف قد يقترب من حدود مصر.
وحين تبني مصر قوتها الذاتية العسكرية والصناعية، والمشروع القومي الرائد بشق قناة السويس الجديدة، فان هذه كلها مؤشرات على ان مصر تتغير، وان مصر تتطور وان مصر تسير في الاتجاه الصحيح، لبناء قوتها حتى تكون سندا لأمتها، ومؤثرة في أحداث المنطقة والعالم، وقادرة ان تكون نّدا في لعبة الامم الجارية الآن. وكان السيسي بحاجة الى بعض الوقت حتى يثبّت أقدام مصر القوية والفاعلة. ومن هنا عملت مصر على وقف الحرب العدوانية الاسرائيلية على غزة بأقل خسائر ممكنة للفلسطينيين، رغم فاتورة الدم الكبيرة. لكن ما كان يحضّر كان اكبر بكثير مما حدث. ومن المهم ان نقرأ الاحداث بعيدا عن الانفعال والتشنج، فمصر بألف خير تحت قيادة رئيسها، الذي يدرس كل خطواته بعناية ودقة وبكامل المسؤولية..!
قد يهمّكم أيضا..
featured

تونس تواجه سياسة القمع المعمم

featured

الاسرى ليسوا رهائن

featured

إيهود براك متعهّد الجرائم الوحشية

featured

مليونا أُسرَة عراقيَّة قائمة على الزَّواج المُختلط

featured

في يومك سيدتي، كل شيء تغيّر!

featured

مواجهة الارهاب المتلبس لباس الدين، لا يمكن ان تكون من المنطق الطائفي والمذهبي ذاته

featured

الدفتر مفتوح واليد تسجّل

featured

من البوم طالبة في الصف الرابع يوم الاستقلال