مواجهة الارهاب المتلبس لباس الدين، لا يمكن ان تكون من المنطق الطائفي والمذهبي ذاته

single

لقد رأينا في النموذج السوريّ منذ البداية أنّ المرحلة الانتقاليّة ستكون الأخطر والأكثر دمويّة، انطلاقا من استمرار حالة القمع وتمسك النظام بسياسته تجاه المطالب الشعبيّة الإصلاحيّة، ومن بروز التدخّل الخارجيّ وتسارعه باعتباره عاملا أساسيّا من عوامل الثورة المضادة؛ وهو الأقوى في معادلتها لكونه يدرّب ويسلّح ويموّل ويتدخل مباشرة... وهذا الوضع المستجد لا بدَّ من أن يضغط حتمًا على موقف اليسار وموقعه من الداخل والخارج.
وعلى هذا الأساس فإن حزبنا تناول دور اليسار انطلاقا من عدة ثوابت:
الأول: إن تحالف المشروع الأميركي- الصهيونيّ مع الأنظمة الرجعية في المنطقة يتحمل مسؤولية أزمة المنطقة والوضع الراهن.
الثاني: إن بعض الأنظمة التي لم تكن جزءًا من هذا المشروع، ولكنها كانت على المستوى ذاته في ممارسة القمع تجاه شعوبها، ولعدم الثقة بهذه الشعوب، تتحمل من موقعها، مسؤوليّة أساسيّة بالمستوى الذي وصلت اليه الأزمة.
الثالث: إن اليسار مستمر في أزمته التي أخذت أبعادًا مثلثه: عالمية، إقليمية ومحلية وفي مستويات مثلثة أيضًا، فكرية سياسيّة وتنظيمية في خلال العقود الماضية.
الرابع: إن إمكانيّات القوى السياسيّة الأخرى، في المعارضة التقليدية للأنظمة، ومن قبْل المساومة التاريخية المعلنة في خطاب أوبأما الذي ألقاه في جامعة القاهرة وبشكل خاص القوى الإسلاميّة، هي إمكانات كبيرة مرتكزة على دعم أنظمة الخليج وتركيا، ومرتكزة أساسا على تحالفها مع البرجوازية وبشكل خاص على مصادرتها للثقافة السائدة والفكر الدينيّ السائد والنطق باسمه.
الخامس: رغم ظروف المواجهة الحالية، فاننا نؤكد على ثقتنا بأن مواجهة هذه الهجمة الامبريالية – الصهيونية ، وبشكل خاص مواجهة الارهاب المتلبس لباس الدين، لا يمكن ان تكون من المنطق الطائفي والمذهبي ذاته . لان المواجهات ذات الطابع المذهبي والطائفي ، سواء كان ذلك ضمن خطتها او خارجها، تساهم في زيادة قوة الارهاب مستفيدة من التعبئة المذهبية والطائفية المقابلة .
إن هذه الثوابت تؤكد، ان المرحلة الانتقالية التي يمر بها العالم العربيّ ، ستكون حتمًا، مرحلة طويلة، قد تتعرض فيها الحالة الثوريّة لنكسات؛ وقد تشهد بلادنا حالة قمع جديدة تكون سمة القوى السياسيّة التي قد تسود بدعم خارجيّ في خلال الفترة المقبلة. وهذا لن يغير أبدًا من قناعتنا بأن ما جرى في العالم العربيّ هو حالة تقدّميّة، بل سيضاعف من تطلّعنا تجاه اليسار وخطته، لتجاوز هذه المرحلة باتّجاه المستقبل...". وعلى هذا الأساس وضع الحزب أمامه، بعد مهمة العمل لتكوين اللقاء اليساريّ العربيّ ، مهمة أخرى هي المساعدة في تكوين الأطر اليساريّة المشتركة داخل كل بلد عربيّ.


// الصعيد الداخليّ اللبنانيّ


أمّا على الصعيد الداخليّ اللبنانيّ فيتفاعل الانقسام الطائفيّ مع انقسام مذهبي قديم مستجد، أساسه طبيعة النظام السياسيّ الطائفيّ المتفاعل مع التطورات التي تعيشها المنطقة منذ العدوان الامبرياليّ على العراق. هذا الانقسام، كما أشارت الوثيقة السياسيّة للمؤتمر العاشر للحزب، وضع لبنان "على شفير حرب أهليّة، حصلت فعلا، وبأشكال وصيغ جزئية ومؤقتة، في أكثر من مكان ومرحلة، وبين أكثر من طرف وجهة"... وهو يتجدد اليوم على وقع الأزمة التي تعيشها سوريا وتداعياتها الخطيرة على وطننا.
ويمكن القول إن عامل الفتنة المتنقّلة بين المناطق اللبنانيّة، من تلك المحاذية للحدود مع سوريا الى بيروت والجنوب (حيث ينتظر العدو الاسرائيلي الفرصة المناسبة للثأر من الهزائم التي مُنيَ بها منذ العام 1982 بفعل المقاومة الوطنيّة)، والمترافق مع انغماس أطراف الطبقة المسيطرة في الحرب الدائرة في سوريا وفتح أبواب الوطن مشرعة أمام دخول العوامل الخارجيّة، قد أصبح يهدد وجود لبنان بالأساس... خاصة إذا ما أضفنا اليه انعدام وجود الدولة وطغيان الفساد والإفساد وتفشي الفقر والبطالة في ظل شلل كامل لمؤسسات الدولة وعدم اتخاذ الإجراءات الآيلة الى وضع سياسات اقتصاديّة واجتماعيّة تسهم في التخفيف من وطأة وتأثير الأزمة الرأسماليّة العامة.
وتطورت أزمة النظام، لتعمق شلل المؤسسات، وتجلى ذلك عبر تعطيل الحكومة ومجلس النواب والفراغ الذي قارب السنتين في موقع رئاسة الجمهورية. إنّ الاهتراء الحاصل في مؤسسات الدولة فاقم من إبراز الدور المباشر للقوى البرجوازية وللرأسمال المالي في القيادة السياسيّة والتصدي لقوى التغيير وبشكل خاص للحَراك الشعبيّ الأخير، حيث تجلى واضحًا تحالف القوى السياسيّة الطائفيّة مع حيتان المال في التفافهم ( العنيف والسلمي) على الحَراك الشعبيّ ، الذي جاء ردًا على الفراغ السياسيّ وعلى غياب الخدمات الاجتماعيّة بشكل شبه كامل وصولًا إلى قضيّة النفايات .
إنّ المرحلة الأخيرة شهدت تصاعد سلوك قوى السلطة في مواجهة التحركات الشعبيّة وأبرزها حركة هيئة التنسيق، لوأد أيّ محاولة تخترق حدود المذاهب والطوائف، وتشكل تهديدًا حقيقيًا لمصالح القوى السياسيّة ولمصلحة حيتان المال، وتلبي الحقوق والطموحات المحقة للفئات الشعبيّة والمحدودة الأجر.
استنادا الى هذه الأسس والظروف، يأخذ تقييم عمل الحزب وقيادته في خلال الفترة الماضية، أهمية استثنائية، سواء من حيث تحديد النجاحات والإخفاقات ومكامن الصواب والخطأ في تنفيذ برنامج الحزب، أم من حيث كون هذا التحديد يسهم في استشراف المرحلة المقبلة بما يساعد على التحضير الأفضل والأفعل لخطة الحزب في المرحلة المقبلة، وتحقيق هدفنا بأن يؤدّي هذا المؤتمر الى دفع الحزب باتّجاه استنهاض جِدّيّ، يجعله يلعب دورا في تطوير حركة اليسار العربيّ ويكون معها قادرا على تلبية تمثيل اليسار لطموحات الحركة الشعبيّة في مسارها الثوريّ المستمر وفي مواجهة المؤامرات التي تستهدف هذه الطموحات وتستهدف دور اليسار والقوى الديموقراطيّة داخل هذه الثورات والانتفاضات.
وعلى هذا الأساس فإننا نرى أن التقييم يجب أن ينطلق من المعايير الآتية:
الاول: استعادة مقررات المؤتمر العاشر على المستويات السياسيّة والتنظيميّة، وإجراء محاسبة نقدية لعمل قيادة الحزب والهيئات المختلفة على قاعدة تلك المهام وكيفية تنفيذها، وأداء الحزب عموما.
الثاني: تحديد التطورات التي استجدّت في الفترة التي تلت المؤتمر العاشر، و شكلت تطورا غير مسبوق أو متوقّع في الوثيقة السياسيّة التي أقرّها (الثورات والانتفاضات الشعبيّة العربيّة كمثال) وأداء الحزب تجاه هذه التطورات وكيفية تعاطيه معها.
الثالث: التمييز بين حالتين، الأولى هي حالة الحزب العامة والناتجة أساسا من تراكم بدأ يحدد مسار التأزم في الحياة الحزبيّة ارتباطا بأزمة البلد العامة وصولا لوضع المنطقة. والثانية هي عمل الحزب والقيادة الحزبيّة، منذ المؤتمر العاشر حتى الآن.
الرابع: وهو معيار أساسيّ يكمن في التدقيق في مفهوم الحزب ودوره، وفي مفهوم العمل الحزبيّ عموما، والعمل القياديّ على وجه الخصوص، وما تعنيه الطواعية في الانتماء للحزب وللوطن. وبهذا المعنى، التدقيق في البعد الطبقيّ لمفهوم الحزب ولدور القيادة الحزبيّة والسلطة الحزبيّة، وذلك ربطا بمفاهيم التنظيم اللينيني وبشكل خاص مفهومي القيادة الجماعية والمركزية الديمقراطيّة.
وعلى أساس هذه المعايير، ناقشت اللجنة المركزية للحزب عملها وعمل الهيئات الحزبيّة والحزب . ووضعت بالتالي مشروع التقييم لعملها في الفترة الفاصلة بين مؤتمرين ، وهو موجود بين ايدي الرفاق، وجرت مناقشته في اجتماعات للمندوبين .
تأخر المؤتمر الحزبي عن موعده الطبيعي ثلاث سنوات، ولكن لا بد من ذكر عدة حقائق تظهر ان هذا التأخير جاء بمعظمه بنتاج ظروف موضوعية وبشكل خاص برغبة حقيقية تجلت بعد المجلس العام الأخير، بتوفير شروط حزبية وديمقراطية أفضل لعقد مؤتمر الحزب.


// الإعداد للمؤتمر الوطنيّ


باشرت القيادة الحزبيّة بالإعداد للمؤتمر الوطنيّ الحادي عشر، في الموعد الطبيعيّ له، وأقرّت بدء النقاش السياسيّ والتنظيميّ العام داخل اللجنة المركزيّة كأساس في تشكيل اللجان التحضيرية وصياغة الوثائق.
وبعد هذه الفترة، ساهمت التطورات الأمنيّة الناتجة من أحداث عرسال في تأجيل البدء في البحث عدة أشهر، ومن بعدها أتت مرحلة التفجيرات الإرهابيّة في بيروت والمناطق لتستكمل عملية التأجيل... علما أننا سعينا، رغم التفجيرات إلى متابعة النقاش التحضيريّ مع اضطرارنا إلى تغيير أماكن الاجتماعات؛ ولكن ذلك طبعًا لم يساعد في جعل التحضير يجري في ظروف طبيعية. ثم جاء عقد المجلس العام ليشكّل خطوة جِدِّيّة في محاصرة الأجواء السلبيّة التي سادت، داخل الحزب وفي الإعلام وتركّزت حول نقاش الوضع التنظيميّ خارج الهيئات، وهذا ما نتحمل مسؤوليته جميعًا.
إنّ الخطوات التي أقرتّها اللجنة المركزيّة بعد المجلس العام جاءت لتكرس الجو الإيجابيّ الذي استهدفناه من وراء عقد الكونفرانس. فلقد بادرت القيادة الحزبيّة إلى اقتراح تشكيل اللجان التحضيريّة الثلاث للمؤتمر، وأعطتها مساحة واسعة من حرية العمل، وحرصت على التنوع في تشكيلها.
وعملت اللجنتان السياسيّة والتنظيميّة بكل مكوّناتها بجِدِّيّة في هذا الإطار، وأنتجت قاعدة الوثائق التي وضعت اليوم بتصرف الحزب. والخطوة الثانية التي اصرت عليها القيادة كانت تشكيل مكتب سياسيّ جديد انطلاقا من إصرارها على أن معالجة الأجواء السلبية تكون من خلال تحقيق اقصى قدر من الوحدة في قيادة العمل الحزبيّ،وكذلك من الاستفادة من مجموعة الكادرات المتوفرة في اللجنة المركزية. (يتبع)
*كلمة الامين العام للحزب الشيوعي اللبناني في افتتاح المؤتمر الوطني الـ 11 للحزب

قد يهمّكم أيضا..
featured

اليمن ينتصر ونظام السعودية يحتضر!

featured

حكومة إرهابيين ضد مواطنين

featured

"حتمية الضرورة "

featured

انعكاسات التغيرات التنظيمية والبنيوية في حزب "العمل" على قراراته ونهجه السياسي

featured

كلمات في أربعين أخي..

featured

التضامن الفعلي مع غزة

featured

ميزانية احتلال واستيطان وتوسّع