بعد ان حلَّت النَّكبة بشعبنا العربيِّ الفلسطينيِّ وأصبح الشَّتات والغربة والمعاناة والقهر ملجأ شعبنا، تقسَّمْنا ما بين لاجئ خارج الوطنِ ولاجئ داخله على بعدٍ من مسقط رأسه، في منطَقة مجاورةٍ، وصامد على أرضه الخاصَّة، دون أن تطاله يدُ الطَّرد والغُبن وأصبحنا أقليَّة قوميَّة في وطنٍ، كنَّا فيه الأغلبيَّة السَّاحقة، ونُعتنا من قبل ذوي القُربى وأبناء جلدتنا، نحن الذين بقينا في وطننا صامدين نعاني سياسة الاضطهاد والعنصريَّة والظُّلم والمصادرة واللجوء القسريِّ، بالخؤونين، وذلك لبقائنا فوق ترابنا الغالي، ومن بعدها نلنا "صفة" عرب الثَّمانية والأربعين أو عرب الدَّاخل، وأصبح الأشقَّاء مقسَّمين ما بين الدَّاخل والخارج، وابن الضَّفة أصبح ضفَّاويًّا وابن غزَّة غزِّيًّا، نتقاسم معهم الهمَّ والغمَّ والآلام والغربة..
وأصبحنا بحسب تعريف حُكَّام بلادنا الجدد "عرب اسرائيل"..
زِدْ على ذلك، أنَّ هناك لقبًا جديدًا منحونا إيَّاه، وهو "أبناء الوسط العربي"، وقد اختصروه بعد أن استكثروه علينا وبدأوا يُعرِّفوننا بأبناء الوسط، (بْني همجزار)، وبقدرة القادر القهَّار أصبحنا أبناء الوسط، أبناء "المچزار".
كم أكره هذه الكلمة!
حاولتُ أن أجد معنى وسط! ولماذا نحن، الشَّعب العربيَّ في هذه البلاد يُدعى وسطًا، وسط ماذا ووسط لماذا؟ فالوسط هو المعتدل ويُقال شيء وسط و"خير الأمور وسط"، أي ما بين الرَّديء والجيِّد، ووسَطُ الشَّيء هو النَّقطة الواقعة في منتصف طرفيْه، والوسط هو الخصر لأنَّه منتصف الجسم، ونقول وسطًا قاعديًّا، حامضيًّا أو معتدلاً، ونقول أيضًا يجلس الشَّيخ في وسط السَّاحة، أو في وسط الدَّار أو في وسط الجموع، أو كانت مطبعة الإتحاد في وسط حيِّ وادي النِّسناس، أو تقع مدينة يافا في وسط البلاد، حيث كانت قبلةَ الوسط الفنِّيِّ والثَّقافيِّ والأدبيِّ.. نحن شعب عربيٌّ فلسطينيٌّ يعيش في وطنه، أرض آبائه وأجداده وأجداد أجداده، ونحن أهلُ هذه الأرض وأهلٌ لها ولحمايتها وليست له أرضٌ سواها، وأنَّنا جزء حيٌّ من الشعب العربيِّ الممتدِّ ما بين المشرق العربيِّ ومغربه وعليهم أن يعلموا أنَّ السُّكَّان الحاليِّين للبلاد هم من العرب واليهود، حيث يعيش في هذه البلاد شعبان وليس شعب ووسط، وتعريفنا كوسط هو تعريف عنصريٌّ وقمعيٌّ وفوقيٌّ يهمِّشُنا بتمييز منهجيِّ، يصبُّ في خانة أنَّ اسرائيل هي دولة أحاديَّة القوميَّة، "دولة اليهود"، حتَّى يتنكَّروا لحقوقنا القوميَّة والمدنيَّة والحياتيَّة اليوميَّة، وأيضًا لحقِّنا فوق ثرانا..
نحن شعب عربيٌّ فلسطينيٌّ له ماضٍ وحاضر ومستقبل فوق أرضه فنحن "لا نكره النَّاس ولا نسطو على أحد"، ومن حقِّنا أن نُطوِّر لغتنا وثقافتنا وحياتنا الاجتماعيَّة والثَّقافيَّة والشَّعبيَّة والاشتراك في اتِّخاذ القرارات المصيريَّة في المجتمع من أجل السَّلام والعدالة الاجتماعيَّة والمساواة والدِّيمقراطيَّة غير المشروطة.
ومن حقِّنا أيضًا أن نتضامن ونتعاضد ونتواصل وندعم شعبنا في كلِّ بقعة من وطننا العربيِّ، كي ينال حرِّيَّته في تقرير مصيره واستقلاله، ومن واجبنا أيضًا أن نتضامن مع شعوبنا العربيَّة كما في باقي العالم ضدَّ الإرهاب والتَّكفير والتَّدخُّل في الشُّؤون الدَّاخليَّة للإقليم..
و"عيفونا عاد" من كلمة وسط/"مچزار"، فإنِّي أكره هذه الكلمة!..
