"حين تبدو السماءُ رماديةً
وأرى وردة نتأت فجأة
من شقوق جدار،
لا أقول: السماء رمادية
بل أطيل التفرَّسَ في وردة
وأقول لها: يا له من نهار"
هي حكمة المجرب، ذاك الذي لُدغ من الجحر مراراً وأصر على إخراج الأفاعي وسد فوهة الجحر كي لا يلدغ غيره منه، فلا فطنة ولا نباهة أن يتفاداه ليسلم بجلده ويترك الآخرين يلدغون.
هي صلاة المؤمن، يتلوها كلما ضاق الحال وتعثرت خطى، فهو -المؤمن- علمته الحياة أن لا شيء ينفع إلا إيمانه وعزمه وإصراره وعدا ذلك يكون الهباء ويحل الضياع.
هي رسالة المتفائل المصمم، تتلبد سماؤه من فوق وتحيطه جدران العبث والمرض واللا معقول من كل صوب وجهة، فيتفرس في وردة نتأت من بين كل ذلك، لتغدو سنداً وشفاءاً لروحه الأبية التي لا تنحني ليأس.
في ظهيرة يوم السبت الماضي، في منتصف نهار صيفي قائظ، ما رحمت شمسه أحداً وقف وصفرةٌ مواربة ما زالت تزين وجهَه وقامة ضعفت بعدما أنهكها انتصار على ما أصابها من مرض.
لم يتعد مجموع الذين لبوا دعوة الجمعية لإزالة الهوائيات في كفرياسيف، بضع عشرات من أهل البلدة، ولا ضير بذلك، فصرخة هؤلاء وما أشاعوه من وجع وحسره كانا كافيين لا سيما وبعضهم حمل حزنه وصور أحبائه الذين قضوا بعدما خسروا معركتهم التي ما زال يكابدها المئات من أهالي البلدة.
وقف وسطهم وفاتح السامعين بما يعرفون وكأنه يريد أن يسمع تحديه لتلك اليد الخبيثة التي حاولت قهره ولم تفلح. قال، بصوت أشرقته دمعة وقفت، وحركت في مآقينا دموعاً، إنه لم يكن يعلم، عندما بدأ مسيرته وزملاءه في الجمعية، انه سيصاب هو بنفس المرض، لينضم ضحية على قائمة من مئات يعانون نتائج سياسة هدر الدم واللامبالاة.
تمنى للجميع الشفاء منوهاً وآملاً أن لا تمتد هذه اليد الخبيثة لأي من الحاضرين أو الغائبين على حد سواء.
جاء على تفاصيل ما كان بينه وبين أطراف أخرى، خلال مساعيه لحل أزمة الهوائية الرئيسية المنصوبة في وسط البلد على بناية "بيزك" وخص بالذكر إدارة المجلس الحالية التي حملها المسؤولية وإفشال عملية نقل الهوائية إلى خارج البلدة.
لم يطل الحديث، فخيره دائماً ما قل ودل، فكيف وإن كان قائله متعباً من خيبة أمل وعليلاً نتمنى له الشفاء وتمام الصحة.
لم ينه إلا بعدما طمأن وأعلن انه سيستمر بنضاله وانه عازم على استكمال المسيرة.
نفر من رجال يلبسون الكحلي والأزرق وقفوا قبالة المتظاهرين متأهبين لأي طارئ فواجبهم حراسة الحجر والمبنى والدفاع عن ما يعلوه من حديد وأسلاك بكل بسالة وثمن، فلتحيا "سلكوم" وليسقط الشعب!.
حضرت الشرطة وغابت إدارة المجلس، فهي لم تتسلم دعوة، والمحافظة على المقام واجب وإقحام الذات رذيلة لا ترضاها كرامة ولا تقبلها مكانه!.
أنهى وعاد إلى كرسيه وبجانبه بعض من المصابين وحوله لفيف من شباب وشابات ونساء وشيوخ. أعداد قليلة، لكنها عكست صورة المجتمع الكفرساوي كله، فموت أحبائهم وحَّدَهم والخوف على مصير من بقي وحَّدنا.
في هذا النهار الصيفي الواضح كان هو الوردة التي نتأت من جدار فهي ساعة من زمن جعلتني وغيري نقول: أخي أبو حسام (حنا مخولي) يا له، من نهار.
هي ساعة من زمن وثقت ما تعلمته في عمر فنى وحياة، مهما ستطول، ستبقى "ركبة فرس".
هي ساعة من زمن عرت زيف ما نعيشه، ما نداريه وما نغفله، نداري ما يسعدنا وما يبئسنا ونغفل الآخر وما يسعده وما يبئسه. وتبقى ساعة زمن عابره، حينما يجمعنا موت ويوحدنا الإصرار على مواجهته وإبعاده عندما يكون لنا إلى ذلك سبيلاً.
هي ساعة من زمن تكفي لتكون ناقوساً لجميعنا، ففي النهاية لا نبغي ولا نريد، إلا أن نحيا أولاً وأخيراً وأن نحيا بكرامة واحترام وان نحيا بإنسانيتنا وببلدة نظيفة، متحضرة، متطورة، وينعم كل من فيها بالأمن والطمأنينة، الصحة وهدأة البال.
هي ساعة من زمن تكفي لنتيقن أن لا أمة ستعيش وتبني حاضراً ومستقبلاً ولا مجتمعاً سيرتقي ويتطور ويبني دوله وإنساناً حراً كريماً، إن لم يبدأ ببناء نفسه وذاته وإن لم يروضها على العطاء والتضحية، على الإباء والإصرار، فها هي وقفة من بضع عشرات لبوا نداء جمعية صغيرة في ظهيرة يوم صيفي عادي سجلوا رسالة الحياة وحكمة التفرس بتلك الوردة التي نتأت هناك في جدار في قرية اسمها كفرياسيف.
أما أنا أخي أبو حسام ولمن معك في هذا النضال أقول ما قاله الشاعر: "من حسن حظي أن الذئاب اختفت من هناك/ مصادفةً أو هروباً من الجيش/ لا دور لي في حياتي / سوى أنني/ عندما علمتني تراتيلها/ قلت: هل من مزيد؟".
