نساء القدس ... تهجير مستمر وأمان ضائع

single

في القدس هموم كثيرة ولكنّها وبالرغم من كل ذلك لا تلبث أن تتقاطع مع هموم اجتماعية أخرى في ظل ثقافة ما زالت تميّز ما بين الرجال والنساء، وما زالت تحدد أدوارا لكل منهما فتعطي الرجال حق التحكّم بالنساء، وتجبر النساء على التقيّد بمعايير محددة لإتقان أدوارهن كزوجات مطيعات

 

حضرت إلى المكان تحمل بيدها كيسا مملوءا بأكياس صغيرة من الزعتر، أعدّتها بنفسها علّها تبيعها وتشتري الخبز والمأكل لأسرتها، وفي اليد الأخرى تسند جسدها الذي أضناه التعب والإرهاق، وفي عينيها خوف ممزوج بالتحدّي، وعلى لسانها قصص كثيرة تودّ لو تُسمعها للعالم كلّه بدون تردد، علّها تجد الرحمة أو الحلول التي تبحث عنها لعشرات المشاكل التي عايشتها وما زالت تعيشها...
إمرأة من قطاع غزة شاء القدر أن تتزوج وتسكن في القدس ظنّا منها بأنها داخل الوطن، أو في مكان آخر من الوطن ستسكن... سنوات تعيشها وتنجب خلالها الأطفال قبل أن يتحول زوجها إلى مدمن مخدرات، ليتحول معه البيت إلى مكان لا يطاق، يغيب عنه الأمن والأمان، ويصبح كل فرد من أفراد الأسرة مشروع ضحية بشكل أو بآخر...
بعيدة عن الأهل تسكن القدس بموجب بطاقة إقامة حصلت عليها كونها زوجة لحامل هوية مقدسي فلم ولن تحصل على هوية وفقا للقوانين المعمول بها..
الزوج وبعد سنوات قليلة تمّ إسقاطه في دوّامة الإدمان.. سياسة إسقاط استهدفت وتستهدف كلّ شباب القدس، فتنجح أحيانا، وتخفق في أحيان أخرى وفقا لحالة الضحية المستهدفة، ووضعها الاجتماعي والاقتصادي...وفي كلّ الأحوال فقد كان هو أي زوجها واحدًا ممن نجحت معهم هذه السياسة، فسقط ممسكا بيده كلّ أفراد الأسرة ليسقطهم في دائرة العنف، والفقر، وغياب الأمن والأمان، إلى درجة جعلتها هي ضحية لأمراض عصبية ونفسية عانت كثيرا قبل أن تتمكن من تجاوز بعض آثارها لتتمكن من الوقوف مجددا لتسند أطفالها، ولتنقذ ابنتها من سكين الأب الذي كاد يقتلها في لحظة غياب عن الدنيا، فيغيب هو في السجن، وتبقى هي والأطفال بدون معيل إلا من بيع الزعتر، فيتخلّى عنها التأمين الوطني مدّعيا بأنها لا تحمل الهوية، ويتوقف راتب ضمان الدخل بعد اعتقال زوجها كونها غير مواطنة، وتبدأ إجراءات إبعادها من القدس إلى غزة بعيدا عن أطفالها كونها من كوكب آخر يسمّى غزة، لتدخل في دوامة رعب جديدة عنوانها العيش بعيدا عن أطفالها...
ليست وحدها في هذه الجلسة بل محاطة بالعديد من النساء... فهناك المقدسية التي صودر بيتها من قبل المستوطنين، فعاشت ما يقارب الشهرين وأسرتها على قارعة الطريق قبل أن تتمكن من استئجار غرفة واحدة لها ولأسرتها... وهناك المقدسية من "سلوان" التي قتل المستوطنون زوجها، لتصبح أرملة مسؤولة عن أسرة لم تفكّر يوما ما بأنها ستكون لهم الأم والأب والمعيل حيث لم يعدّها أحد لذلك فهي امرأة "ضلع قاصر" وهذا ما ترّبت عليه... تترك بيتها لتعيش مع أسرتها استجابة لشروط الأهل ولكي تضمن سعادة أطفالها مرددة قاعدة "خمسة أهم من واحدة" أي أن مصلحة أطفالها الخمسة أهم من مصلحتها، فهم خمسة وهي واحدة على حدّ تعبيرها...وأخرى ولدت في الأردن لعائلة مهجّرة في عام 1948، وعادت للقدس لتتزوج مقدسيا دون أن تعلم بأن هناك يوما ينتظرها ستهجّر فيه هي وهو من بيتهم إلى الشارع بناء على قرار إخلاء وصلهم كما وصل غيرهم في حي الشيخ جراح، وتمّ تنفيذه في بيوت الجيران وغدا أو بعد غد سيكون دورها ودور أسرتها، فتقع في دوامة الخوف والقلق بعيدا عن أهلها وكم تحتاجهم أن يكونوا بجانبها ليسندوها في يوم كهذا...

  • مجرّد عيّنات من المعاناة

وأخرى تزور الشيخ جراح يوميا لتنظر إلى بيتها الذي طردت منه عن بعد وتراقب المستوطن الذي سكنه دون أن يتعب ببنائه ودون أن يتكلّف أي فلس، فيجلس على الشرفة ليشرب قهوته ومعه كلبان مدللان أجلسهما في المكان الذي كانت تجلس فيه وزوجها وأطفالها لاستنشاق هواء نقي وتبادل الأحاديث... يمر شاب من الحي بالقرب من هذا البيت، دون أن ينتبه بأنه اقترب أكثر من اللازم فمشى على الرصيف المحاذي لبيت اعتاد أن يدخله ويزور جيرانه فيه، فكان أن أفلت أحد كلاب المستوطن لمهاجمته، وما أن حاول أن يصدّ الكلب عنه بمساعدة أمّه التي جاءت لإنقاذه في محاولة لإبعاد الكلب عنه، حتى يتم القبض عليه بتهمة التعدّي على الكلب، وتقديمه للمحاكمة وإبراز صور التقطت له من كاميرات وهو يقاوم الكلب لتقدّم كإثباتات ضده على أنه هاجم الكلب "المسكين"...
وأخرى تسكن القدس مع أطفالها في حين يحرم زوجها من دخول القدس بعد أن تم ّ إبعاده عنها بحجة أنه من كوكب ثالث يسمى الضفة الغربية، فيسكن مدينة رام الله مع أهله، في حين ترابط هي وأطفالها في بيتهم في القدس متسمكين بحق المواطنة في القدس، بعيدين عن الزوج والأب مكتفين بزيارته من وقت لآخر، وفي عيون الأطفال ألف سؤال حول وجود أبيهم بعيدا عنهم وفي قلبها حسرة ولوعة على تحمّل فراق الزوج وتحمّل مسؤولية الأطفال والبيت وحدها سيما وأن زوجها الذي كان يعمل في القدس أصبح بلا عمل...

وأعود لأتذّكر تلك الشابة التي أتت من الأردن لتتزوج من قريب لها، وبعد أن تمّ رفض جمع شملها بقيت في هذه القرية بشكل غير قانوني، محرومة من التنقّل خارج حدود القرية لعدم امتلاكها للهوية، وحتى لا ينكشف أمرها فتبعد إلى الأردن بعيدة عن زوجها،  لتصبح بعيدة عن أهلها وهي بأشد الحاجة لهم بعد أن فشلت في الإنجاب فاعتبرت "زوجة عاقر" من قبل أهل الزوج... ترجوني زيارتها من وقت لآخر لتعويضها غياب الأهل ولكي تجد من يسمع آهاتها ويمسح دموعها.. وأخرى رأيتها على شاشة التلفاز تجلس فوق ركام بيتها الذي أجبرت وأسرتها على هدمه بأيديهم بحجة أنه بيت بني بدون ترخيص في مدينة أصبح فيها ترخيص بناء بيت يستوجب عناء وجهدًا ومالًا وكأنه ترخيص لبيت على كوكب القمر... وأخرى تشكي بأنّها وبعد هدم بيتها اضطرت وأسرتها للعيش في غرفة واحدة، حاولت في البدء أن تضع خزانتها وسط الغرفة لتفصل الأطفال عنها وزوجها في محاولة عابثة للحصول على بعض الخصوصية التي يحتاجها الأزواج، إلا أنها اكتشفت بأن كلّ ما قامت به لم يعطها أية خصوصية بل حرم أطفالها من نور الشمس، فأزاحتها ورضيت بأن تعيش مع زوجها بدون أي علاقة حميمية كم كانت هي وهو بحاجة لها وسط هذا البؤس والحسرة بعد أن فقدا البيت وفقدا كل المدخرات التي وضعاها في بناء هذا البيت... علاقة قد يعتقد البعض بأنها غير ضرورية، ولكنّها هي التي تعلم كم كانت بحاجة لها هي وزوجها،علّهما يشعران بأنهما ما زالا معا، وبأنهما لم يفقدا كل ما يمتلكان...
هؤلاء ما هنّ إلا عينة من نماذج لنساء مقدسيات يعانين من الآثار السلبية لسياسات الاحتلال في نشر المخدرات وتحويل بيوتهن إلى مأوى عنف وأطفالهن وهنّ إلى مشاريع ضحايا لهؤلاء المدمنين، والتهجير من البيوت والعيش في الشوارع والأزقة وفي البيوت الصغيرة وفي ظل إمكانيات مادية صعبة، بالإضافة إلى الحرمان من الزوج الذي يحمل هوية ضفة غربية، والقيام بدور الأب والأم في وقت واحد، والتهديد الدائم بالترحيل عن القدس... عن الأسرة والأطفال، والمعاناة من قتل الأحبة واعتقالهم بحجج  أمنية لا يفهمها حتى من يعمل عليها أو يطبّقها مهما حاول ذلك، وحتى الحرمان من العلاقات الحميمية في ظل العيش في بيوت لا تصلح إلا للعازبين والعازبات وفي أحسن الأحوال الأزواج الجدد.
في القدس هموم كثيرة موزعة ما بين الجميع كبارا وصغار، نساء ورجال، مسلمين ومسيحيين، بدون تمييز، ولكنّها وبالرغم من كل ذلك لا تلبث أن تتقاطع مع هموم اجتماعية أخرى في ظل ثقافة ما زالت تميّز ما بين الرجال والنساء، وما زالت تحدد أدوارا لكل منهما فتعطي الرجال حق التحكّم بالنساء، وتجبر النساء على التقيّد بمعايير محددة لإتقان أدوارهن كزوجات مطيعات، وكربّات بيوت يتم إعدادهن للعمل المنزلي وتربية الأطفال دون أي حساب للتغيرات المجتمعية والسياسية والاقتصادية وما تخلقه من مسؤوليات جديدة وهموم جديدة قد آن الأوان لأخذها بعين الاعتبار قبل أن تضيع النساء، وتضيع معها الأسر، ونفقد مقوّمات الصمود والتماسك، لنضيع معا في حلقة التهجير الداخلي والخارجي وما ينجم عنها من فقدان للأمن والأمان.
في القدس نساء تصرخ من ألم التهجير وألم الإقصاء ويتساءلن "إلى متى؟!"

 

(مركز الدراسات النسوية)

قد يهمّكم أيضا..
featured

هل تنجح قمة العشرين في بلورة العلاج الناجع؟

featured

لا حاجة للاهاي، لدينا الكريا

featured

"تسويات" مناقضة لاحتياجات الجمهور

featured

خارطة دعم الاستيطان

featured

فلسطين ستقوم كطلوع الشمس على قبة الأقصى.. ذهبٌ على ذهب.. عاصمةٌ على لهب.. احتلال على حطب

featured

الانحطاط الدموي

featured

بوعزيزي الرجل يختلف عن مي فتيحة المرأة

featured

منظمة التحرير في خطر (2)