يعقد في العاصمة البريطانية لندن مؤتمر قمة العشرين للدول الصناعية الرأسمالية الاكثر تطورا وبمشاركة رؤساء دول وحكومات هذه البلدان والمستشارين الماليين والاقتصاديين المعتمدين، ومهمة هذا الشكل التنظيمي العالمي، الذي اقيم بل اكثر من ستة عقود في ظل الحرب الباردة بين المنظومة الرأسمالية والمنظومة الاشتراكية، هي بلورة استراتيجية مشتركة للدفاع عن النظام الرأسمالي العالمي ورسم برامج تكتيكية لخدمة مصالح البلدان الرأسمالية الصناعية المتطورة وخاصة المحاور الامبريالية الاساسية الثلاثة في صراعها ومنافستها للبلدان الاشتراكية في حينه ولاستغلال البلدان النامية في آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية. اما مؤتمر قمة لندن الذي اعد له المستشارون منذ منتصف هذا الاسبوع وافتتح الرؤساء اعماله امس الخميس فان القضية المركزية المطروحة على اجندة مؤتمر القمة هي كيفية الخروج من اعصار اعمق ازمة مالية – اقتصادية مدمرة غير مسبوقة بمخاطرها التي تهدد مصير النظام الرأسمالي العالمي. وهل بالامكان بلورة نظام عالمي مالي جديد اكثر عدالة وينقذ الرأسمالية ازمتها الخانقة التي طالت انيابها المفترسة مختلف البلدان الرأسمالية. والحقيقة هي انها المرة الثانية التي يعقد فيها مؤتمر قمة العشرين، ففي شهر تشرين الثاني من العام الفين وثمانية الماضي عقد في عهد ادارة بوش قبل انصرافها، في واشنطن مؤتمر قمة العشرين الاول الذي لم يسفر عنه أي اتفاق حول اجراءات عملية لمواجهة اعصار الازمة بل تمخضت عنه اعلانات وابتهالات بضرورة انعاش الاقتصاد لتجاوز ازمة الركود الاقتصادي والسيطرة بشكل افضل على نشاط الاسواق المالية (البورصات)!!
والحقيقة الثانية هي ان اعصار الازمة المالية الرأسمالية قد عكس امرين اساسيين بارزين، الاول، ان النظام المالي العالمي الذي كان سائدا في ظل العولمة الرأسمالية الخنزيرية الوحشية التي يقود رسنها عفوية "اقتصاد السوق" او "السوق الحرة" والمنهج النيولبرالي قد اثبت فشله، والثاني، ان بقاء هيمنة الدولار الامريكي والبورصة الامريكي على عصب العلاقات الاقتصادية والمالية الدولية في ظل ازمة الاقتصاد والمالية الامريكية قد اصبح عاملا مفجرا للازمة ومعينا للتطور التنموي الاقتصادي العالمي، ولهذا اعادوا في عديد من البلدان الى الاستعانة بكارل ماركس حول تدخل الدولة ودور الدولة ودعم الدولة في حماية الرأسمالية من الانهيار، وفي قمة العشرين في لندن يبرز الخلاف، خاصة، بين الموقف الفرنسي والالماني من جهة والموقف الامريكي من جهة اخرى. حول أي طابع لنظام مالي عالمي جديد ينقذ الرأسمالية من ازمتها الحالية. ساركوزي هدد بالانسحاب، فهو يطالب "باصلاح النظام المالي العالمي بشكل يؤدي الى بناء رأسمالية متجددة وجيدة التنظيم تتسم بمزيد من الاخلاق والتنظيم"!! فعمليا يطالب بنظام مالي عالمي جديد متحرر من الهيمنة الامريكية ومن النمط النيولبرالي لنشاط البورصات العفوي دون حسيب او رقيب.
وما نود تأكيده لساركوزي وللمجتمعين في قمة العشرين انه لا توجد ولا يمكن ان توجد رأسمالية اخلاقية او عادلة، فنظام يقوم على استغلال الانسان لاخيه الانسان لا يمكن ان يكون نظاما اخلاقيا. كما ان ازمة الرأسمالية تكمن في الجوهر البنيوي لهذا النظام، يمكن تخفيف حدة الازمة او تجاوزها مؤقتا ولكن لا يمكن ان تكون هناك رأسمالية بدون ازمات.
