ملاحظات على بعض "ملاحظات وأفكار" رجا زعاترة

single

أربكني رجا في إلحاحه عليّ بالتعجيل في تسجيل ملاحظاتي التي وعدته بها على "ملاحظاته وأفكاره عشية مؤتمر الجبهة الثامن"، إذ لم يخل إلحاحه من مسحات "مداعبة" استفزازية!! وكنت قد مِلتُ إلى نقض وعدي المقطوع، لكن رجا لم يترك لي أي مجال، وكي لا أرده خائبا، فهاأنذا أسجل ثلاث ملاحظات مقتضبة يغلب عليها طرح التساؤلات، امتناعا عن الإطالة أولا، وتلافيا لـلإبراق ثانيا، وإبقاء لباب الرجوع المستقبلي مفتوحا ثالثا، راجيا أن يتسع لها صدر رجا (الواسع، أصلا):

أجدني محتاجا هنا والآن إلى التنبيه، مرة أخرى، إلى إنه يتوجب علينا، في كل مرة يجري فيها نقاش في هذه المواضيع، أن نبحث بداية عن مساحة اتفاق إرتكازية على تعريفات محددة لمفهومي المقاومة والإرهاب، تحديدا، لنكون مطمئنين إلى إن المتناقشين إنما يقصدون الأشياء ذاتها فعلا وحقا. فليس الأمر مفروغا منه، على الإطلاق! (وبالمناسبة، ينطبق هذا على مفاهيم أخرى عديدة، في السياسة والاقتصاد وعلم الاجتماع وغيرها، ترتبا عما هو حاصل بيننا من انسياق غير واع، في أكثره – ولهذا يتم إنكاره!- وراء التعريفات "السائدة"، إعلاميا وثقافيا، لهذه المفاهيم وغيرها). وطالما لم يتم ذلك، تبقى نقاشاتنا وحواراتنا ليس أكثر من جدل تقريعي، يتصارع فيه الأشخاص، بالتشنج والتزمت وكيل الاتهامات بلا وازع، بدل أن تتصارع فيه الأفكار والطروحات، في "سوق حرة" خلاقة وإبداعية، فلا يستوفي شروط الحد الأدنى للإفادة والاستفادة.
ومعطوفا على ما سبق: كيف نوائم بين التصريح باعتماد الجدلية الماركسية منهجا في فهم الظواهر وتحليلها وبين الاسترسال في سوق وتوكيد ما لا يتفق معها، بل ويناقض قوانينها؟ فإذا ما أغفلنا قانون وحدة الأضداد وصراعها، وما يتفرع عنه بشأن تحديد التناقض الرئيسي والتناقض الثانوي وحركيتهما التفاعلية الدائمة وضرورة تغليب الأول على الثاني، فماذا يبقى إذن من جدلية ماركس المادية؟
من هذا المنظور ينبغي أن نقارب مسألة "الأصولية" (وليكن الكلام واضحا وصريحا: لا حديث عن "أصوليات" اليوم سوى "الأصولية الإسلامية")، التي أميل شخصيا إلى تبني ما اقترحه محمد عابد الجابري باستخدام مصطلح "السلفية" لتسمية هذه الظاهرة التي نقصدها، نظرا لما يوفره من دقة وصوابية أكبر في توصيف حقيقتها.

ومن اللافت إن الحاصل بشأن هذه الموضوعة في العقود الأخيرة يقدم لنا برهانا ناصعا على مدى انطباق قوانين الفيزياء على السياسة، كما على علم الاجتماع وغيرهما. وأقصد هنا، تحديدا، القانون الثالث من قوانين الحركة لنيوتن، والقائل بأن لكل فعل ردة فعل مساوية له في المقدار ومعاكسة له في الاتجاه. فتفشي السلفية واستفحال ممارساتها (لا طائل من الجدل العقيم: هل يحضّ الدين على ذلك أم لا؟) جر حربا ضروسا عليها، لا تقل ضراوة واستفحالية. وبقطع النظر الآن عما نشهده من تشوش واختلاط أوراق في هذه الحرب، يبقى السؤال المركزي في هذا السياق برأيي هو: أيهما الفعل (البادئ) وأيهما رد الفعل (اللاحق) هنا؟! ولكنني سأقفز عن متاهات الإجابة على هذا السؤال (البسيط) لأقول، بما لا يمكن تأويله ولا يحتاج إلى أي تفسير: الحركات السلفية، على ما فيها من تنوعات واختلافات وتفاوتات، هي جزء لا يتجزأ من الحشد الوطني في المعركة/الحرب/ الكفاح/ النضال ضد الاستعمار الامبريالي. هذه الحركات، بأعضائها وجمهور مؤيديها على الصعيد الوطني، هي عنصر أساسي من القوى المحاربة ضد الاحتلال الأجنبي لأرض الوطن وشعبه.

وهذا لا يقلل،  البتّة، من الحاجة الملحة والماسة  إلى مناقشة هذه الحركات، فكرها  وطروحاتها وممارساتها، وإجبارها على خوض هذا النقاش/ الحوار، هنا والآن، لا تأجيله، بكل عمقه وحدته المطلوبين. وهذا لا يقلل، البتة أيضا، من ضرورة التصدي الشجاع غير المهادن، بكل حزم وقوة، لأية انحرافات أو محاولات تبتغي جر النضال الوطني العام إلى ما لا ينفعه وما لا يعززه، بل إلى ما يضره ويضعفه، والسعي إلى صهر مختلف فئات الشعب وتياراته في بوتقة منسجمة تقود نضاله الانعتاقي ومعركته التحررية. وقد تحقق هذا الموديل في غير تجربة وطنية.

أما رفع لواء العداء والمعاداة ضد هذه التيارات والحركات في واقع شعب يرزح، ووطنه، تحت نير  احتلال أجنبي أو يتعرض لاعتداءات  أجنبية (استعمارية) فهو ما يعني تغليب  التناقض الثانوي على التناقض  الرئيسي، وهو ما يتناقض وجوهر جدلية  ماركس المادية. 

أين يرسم لنا رجا شعرة الفصل بين ما يعتبره هو "النقد الواضح والقوي" لأداء السلطة الفلسطينية، الذي يطالب به الجبهة، وبين "موضة التخوين" و"الأسطرة والاستغلال"، التي يرمي بها كثيرين؟ ثم كيف تستوي هذه المطالبة مع سعي رجا الى التخفيف من موبقات السلطة بحجة إنها لا تصل حتى إلى "عُشر" جرائم حماس! فهل الإثنا عشر عُشرا الحمساوية تبرر الخـُمس (أو أقل) السلطوي؟ أوليس على هذا المنوال يجري تعييرنا نحن هنا بالنّعم التي نرفل بها مقارنة بالعرب الآخرين؟ وهل ثمة مبرر منطقي مقبول في العلوم السياسية لهذه المساواة، بل المطابقة، بين مسؤوليات وموقع "السلطة" كسلطة على الجميع وللجميع وبين مسؤوليات وموقع فصيل حزبي، أيا كان وزنه وحجمه؟  وأكثر: هل ثمة من هو مقتنع حقا وحقا (ورجا، أيضا) بأن انقلاب حماس الدموي في القطاع "وضع القيادة الفلسطينية في زاوية مريحة للضغوطات والابتزازات والتهديدات والاملاءات الإسرائيلية والأمريكية"؟ هل هذا، يا رجا، تحليل سياسي يعتمد الماركسية وجدليتها؟ أليس من باب أولى الإقرار بأن هذه السلطة هي "نخبة" اليمين الفلسطيني الذي يأخذ القضية الفلسطينية ومكوناتها إلى ما لا يجوز تبريره بموازين القوى العالمية والإقليمية، ولا حتى بالتشرذم الفلسطيني الداخلي؟ أبهكذا يمكن تبرير ما تنحو إليه هذه السلطة، بهذه القيادة، من ممارسة سياسية لم يسبق لها مثيل في تاريخ القضية الفلسطينية الحديث؟
وإذا كنا نروم الصدق والمصداقية في مقاربة الأمور، فلا مناص من مساءلة رجا: لماذا لم يذكر، ولو بإشارة خفية، حقيقة إن انتخابات حرة ودمقراطية مئة بالمئة قد جرت، بإشراف واعتراف دوليين، وتمخضت عن فوز حماس بمقاليد السلطة ثم جاءت "السلطة الوطنية" (ورهطها، من "الأشقاء والأصدقاء و....") فاغتصبت إرادة الشعب الفلسطيني الحرة كما أفرزتها صناديق الاقتراع؟ هل معارضتي لحماس، وفكر حماس وأصولية حماس وممارسات حماس، يجيز لي أن أكون مؤيدا لمثل هذه الجريمة التي ستؤسس لموبقات وجرائم أخرى لاحقة كارثية التداعي على مستقبل هذا الشعب في ما يتصل بسيرورة وضع اللبنات الأولى في بنيان المؤسسات الوطنية والمجتمع الدمقراطي القادر على تداول السلطة، دمقراطيا وسلميا، وفق القانون؟

أما قولة رجا الحازمة الجازمة القاطعة بأن " مشروع حماس السياسي والفكري يضاهي الاحتلال الإسرائيلي في خطورته على قضية شعبنا الوطنية ومستقبله الحضاري" فلست قادرا على فهمها إلا بكونها توغل مفرط في الحماسة التي تميز رجا، عادة. لا يمكن أن يكون رجا يقصدها حقا، وهو الذي (يُفترض إنه) يعرف مدى خطورتها ومدى مناقضتها، الجذرية الزاعقة، لقوانين الجدلية الماركسية التي أشرت إليها أنفا، بينما يصرّح رجا ويكرر تصريحه بأنه يعتمدها. فهل يقصد رجا، حقا، إن "مشروع حماس" هو التناقض الرئيسي الذي ينبغي على الشعب الفلسطيني الآن تغليبه على التناقض الثانوي، الذي هو الاحتلال؟ إذا كان غدعون ليفي لا يقول ذلك في "هآرتس"، فهل يمكن أن يقوله رجا، في الحزب والجبهة؟ وهل يقصد رجا، حقا (فهذا معنى مقولته هذه!) ضرورة إقصاء "حماس" من دائرة الحراك الوطني الفلسطيني، بل الوفاق الوطني الفلسطيني، بينما الاحتلال لا يزال جاثما على صدر الوطن والشعب؟ 

قد يهمّكم أيضا..
featured

يخطئ من يظن أنّه...

featured

كان جيّدا لأكون جيّدا

featured

أين أموال الوقف الاسلامي

featured

وثبت دموعي على الوجنات.. وصرخوا "يششش" على الدم

featured

حول الاختراع والابداع ومتى نصبح من جديد نحن العرب مخترعين ومبدعين في جميع المجالات

featured

"وزارة الدفاع الفلسطينية"

featured

أزمة السكن في تفاقم متواصل