أطل علينا نفرٌ من المسؤولين عن أموال الوقف الاسلامي في اسرائيل باعلان عن استعدادهم لتقديم المنح الدراسية للطلاب الجامعيين العرب، من أموال هذه الأوقاف وقد حدد الاعلان شروطا تعجيزية لاستحقاق مثل هذه المنح .
الإعلان عن تقديم هذه المنح ممن تسمي نفسها اللجنة الاستشارية لأموال الوقف الاسلامي بواسطة مكتب رئيس الوزراء يجيء كل سنة تقريبا ليبهر العيون ويحجب حالة التمييز العنصري، الذي تمارسه المؤسسة الاسرائيلية الحاكمة بحق الطلاب الجامعيين العرب الذين يدرسون في جامعات البلاد ، هؤلاء الطلاب الجامعيون، محرومون من كل دعم أو مساعدة من اية مؤسسة، سواء كانت رسمية أو غير رسمية. من هنا تصبح الغاية من توزيع هذا الفتات الجاف على بعض الطلاب العرب، تجميل وجه المؤسسة الاسرائيلية الحاكمة وليس خدمة لهؤلاء الطلاب. هذه المؤسسة تدرك أن مثل هذه المنح وغيرها من الفتات عاجزة عن بناء جسور الثقة بين المواطنين العرب والحكومات الصهيونية المتعاقبة، كما أن هذه المنح لا تشطب حرفا واحدا من القوانين العنصرية التي تُمارس ضد هؤلاء المواطنين.
إن تقديم مثل هذه المنح الرمزية، التي لا تتجاوز نسبة 3% من القسط الجامعي السنوي - لسنة واحدة - وتقدر ب 3500 شاقل، فيها كل الادانة للحكومات الاسرائيلية ومكتب رئيس الحكومة خاصة.
ادانة لأنها تطبق المثل الشعبي "من دهنو اقليه"، أي أن الجهات المسؤولة تعتبر اعادة بعض أموالنا عطفا ومنة منها لأن أموال الوقف الاسلامي ليست ملكا لمكتب رئيس الوزراء أو وزير الأديان أو ما تسمي نفسها باللجان الاستشارية، ولأن هذه اللجان مجرد أنفاق مظلمة تستخدمها المؤسسة الحاكمة لتمرير استمرار استيلائها على أموال الوقف الاسلامي .
القاصي والداني يعرف بأن أموال الوقف هي من حق أصحابه، وهم العرب المسلمون، وما تقوم به الحكومة الاسرائيلية الحالية وكافة الحكومات السابقة ما هو الا اعتداء على حقوق هؤلاء المواطنين واختلاس ونهب لأموالهم، التي نص عليها الشرع الرباني والشرع الانساني والأخلاقي.
الشرائع تنص على أن الوقف يعني المنع أو حبس العين عن تمليكها لأحد من العباد والتصدق بالمنفعة على مصرفٍ مباح.
يشمل الوقف العقارات والمزارع كما يشمل الأصول المنقولة كالنقود والأسهم، ومن أهداف الوقف تحقيق مبدأ التكامل بين أفراد الأمة والتوازن الاجتماعي حتى تسود المحبة والأخوة ويعم الاستقرار ويتحقق تطوير المجتمع في كافة المجالات الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والصحية.
لكن أين الصهيونية من هذه القيم وأسس العدالة ؟ بعد قيام النكبة اعتبرت اسرائيل اللجنة التي كانت مسؤولة عن أموال الوقف الاسلامي زمن الانتداب غائبة، فقامت بمصادرة أملاك الوقف، على اعتبار أنها أموال متروكة يسري عليها قانون الغائبين من عام 1950، مع أن الشريعة الاسلامية تقضي بأن الأوقاف لا تصادر ولا تباع ولا تجرى عليها اية صفقة من الصفقات وهي ملك لله وللعرب وللمسلمين، الباقين منهم في وطنهم ولم يغادروه، ويجب أن تظل تحت اشرافهم وأن يصرف ريعها على الشؤون الاجتماعية والثقافية و الدينية .
لكن الأيديولوجية الصهيونية، المبنية على اغتصاب المزيد من أملاك وأراضي المواطنين العرب، شجعت حكام اسرائيل الالتفاف على جميع حقوق المواطنين العرب في أموال الوقف الاسلامي وغيرها . ومن أجل الوصول إلى هذه الغاية فصّلوا قوانين عنصرية جديدة، على مقاس مصادرة أموال الوقف الاسلامي، فصدر سنة 1965 قانون لجان الأمناء كتعديل لقانون الغائبين، بموجب هذا القانون عينت لجان بأسماء وهمية دُعيت "لجان الأمناء" في كل من حيفا ويافا وعكا واللد والرملة. ولقد أعطى القانون الجديد لأعضائها الحق بتمرير صفقات مشبوهة لتصفية أموال الوقف الاسلامي في المدن المذكورة وخارجها.
شارك في هذا التواطؤ قضاة مسلمون أصدروا فتاوى سرية تبرر التصديق على مثل هذه الصفقات رغم أنها مزيفة وبعيدة عن كل مصداقية، عن طريق هذه الصفقات تمت مصادرة غالبية أملاك الوقف الاسلامي لأهداف مختلفة من قبل مؤسسات وشركات يهودية عديدة.
لم تبق من هذه الأموال والعقارات إلا النزر اليسير لا تزال خاضعة لإدارة جهات حكومية وعناصر متواطئة شبه سرية.
هناك اسئلة ترفض حتى الآن وزارة الشؤون الدينية الإجابة عليها كما يتجاهلها مكتب رئيس الوزراء، من هذه الاسئلة:
من هم الأشخاص الذين يجلسون في اللجنة الاستشارية لأملاك الوقف الاسلامي ؟
من الذي عيّنهم؟ هل يمثلون قطاع العرب المسلمين في البلاد؟ من يستطيع تحديد حجم أملاك الوقف الاسلامي ومدخولها الشهري أو السنوي؟ من يستخدم هذه الأموال ومن يديرها ومن يستفيد منها؟ إن عدم الاجابة على هذه الاسئلة يؤكد بأن أموال الوقف الاسلامي سائبة ومباحة تتصرف بها طغمة فاسدة ممن تختارهم أجهزة الشاباك وما المنح المذكورة سوى لذر رماد الغش في عيون المواطنين، لأن أموال الوقف لا تصرف فقط في مجال واحد، وقد قدر الباحث الاسرائيلي أهارون لايش مدخول الأموال من الوقف الاسلامي سنويا بملايين الشواقل.
لماذا لا تصرف هذه الأموال حسب المجالات التي حددها الشرع الاسلامي ؟ أين يتم تبذيرها وصرفها ؟ لا نستغرب اذا عرفنا أنها تصرف على انشاء المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
المجالات التي حددها الشرع الاسلامي لصرف هذه الأموال كثيرة نذكر :
منها انشاء المساجد ورعايتها، توزيع الكسوة على الفقراء والأرامل والمحتاجين، انشاء المكتبات العامة والمدارس العلمية التي تكون مجانية التعليم، حفر الآبار، بناء مراكز للأيتام ورعايتهم، الصرف على تطور الأبحاث العلمية وغيرها.
اكد الباحث المذكور ان المدخولات من أموال الوقف الاسلامي منذ النكبة حتى اليوم تقدر بمليارات الشواقل، ثم تساءل ونحن نتساءل معه أين أهدرت هذه الأموال؟؟
