يوم الثّلاثاء القادم – وللأسف الشّديد – في يوم الحسم والحساب، ستذهب سدًى مئات الأصوات العربيّة في مدينة حيفا لأحزاب صِهيونيّة – متلوّنة، متطرّفة، فاشيّة، ودينيّة – تلك الأحزاب الّتي تعاملت وتتعامل وستتعامل مع عرب البلاد الأصلانيّين باستعلائيّة وعنصريّة وفاشيّة وفوقيّة، ليبقى العربيّ يشعر تحت كنفهم بالدّونيّة!! ويا للغرابة والعجب والاستهجان، كيف يقوم العربيّ الّذي يدّعي أنّه "ربّ العرب"(!!) بالتّصويت لأيّ حزب صِهيونيّ كان؟! وكم بالحريّ عندما تسوّل له نفسه التّصويت لحزب صِهيونيّ متطرّف، وصف "قائده" عرب هذه البلاد الشّرفاء – كلّ العرب من دون استثناء طبعًا، وبضمنهم أصحاب "الولاء" – بـ"الصّراصير والحشرات المؤذية الضّارّة والأفاعي"!! فهذا هو – حسَب وجهة نظرهم – مستوى وقدْر العربيّ "الأفضل" في هذه البلاد(!!).
ينسى – أو بالأصحّ يتناسى – أولئك الّذين يتملّقون للأحزاب الصِّهيونيّة و"يلحّسون" لها ليل نهار، لهدف الفوز – إن استطاعوا – بمرتبة هنا أو وظيفة هناك، أنّهم سيبقون – مهما اجتهدوا و"أخلصوا" – مواطنين من الدّرجة "ز" أو حتّى أقلّ، في نظر "أصدقائهم" في المجتمع اليهوديّ، فكم بالحريّ في نظر أبناء مجتمعهم العربيّ؟! ما فائدة أن يتملّق العربيّ لأيّ حزب صِهيونيّ كان؟ ما معنى أن يعلن ولاءَه ووفاءَه وإخلاصَه المتفاني، وحبّه اللّا-متناهي، لحزب صِهيونيّ يحتقر العرب أساسًا، أو لحزب آخر يرى فينا أعداءً، أو لحزب عنصريّ فاشيّ متطرّف؟! فهل الشّعور بالدّونيّة هو الدّافع إلى ذلك.. عدا المآرب والمصالح والمطامع الشّخصيّة؟! فهل تعتقد أيّها الدّاعم المصوّت لحزب صِهيونيّ أنّ رصيدك المعنويّ وقيمتك وشأنك سترتفع لدى المؤسّسات الحكوميّة، عندما يعلمون ولاءَك وإخلاصك للدّولة؟!! لا، بالتّأكيد.. حتّى إن أردت أن تؤكّد لهم أنّك منهم وإليهم، وتذكّرهم بذلك ليل نهار.
حاولت الامتناع عن صبّ جام غضبي على من تسوّل له نفسه ويسمح له ضميره بالتّصويت لحزب صِهيونيّ، لكنّي لم أفلح؛ لأنّ كلّ من يصوّت لحزب صِهيونيّ يعلم علم اليقين بأنّه مهما تلوّن وتفنّن وأخلص لحزبه الصِّهيونيّ فسيبقى عربيّـًا عربيّـًا عربيّـًا، وهو يعلم – ضمن ما يعلم – بأنّه لن يحصّل جميع حقوقه، ولن ينال بذلك المساواة التّامّة! – "واللي بِفكّر غير شِكِل، بِضحك عَ حالُو قبل ما بِضحك عَ غيرو" – وقد يدّعي بعض "المتفلسفين" أنّه لا ينقصنا في هذه الدّولة شيء، حالنا أفضل بكثير من حال عرب باقي الدّول.. ربّما – في حالات معيّنة – ولكن في حالات كثيرة ينقصنا القليل من الكرامة في هذه البلاد.
إنّ يوم الانتخابات هو أحد الأيّام المفصليّة؛ فيه نعبّر عن موقف سياسيّ وأخلاقيّ واجتماعيّ. نمارس فيه واجبنا وحقّنا، وفيه نؤثّر على سياسة الحكومة ونحاول أن نغيّر من أولويّاتها. فلْنحكّم ضمائرنا، ولْنقف وقفة صادقة مع أنفسنا، ولْنراجع حساباتنا جيّدًا ونحن نقف وراء السّتار، كَيْلا يصيبنا ما يصيب غالبيّة من يصوّت لحزب صِهيونيّ، افترش له الأرض بوعود زهريّة وأحلام ورديّة، لتجده يتذمّر ويبكي ويتباكى لاحقًا، على وعد قد طار أو أمل انهار..!
دعونا نحكّم عقولنا وضمائرنا فعلًا، فقد حانت ساعة الحسم.. ورغم الخمول الّذي يلفّ البعض والخبل الّذي يسيطر على بعضنا الآخر، يجب علينا أن نخرج من تقوقعنا ونذهب جميعًا للإدلاء بأصواتنا، بكلّ فخر وكرامة وعزّة، للأحزاب العربيّة؛ تلك الّتي تحمل قضايانا ومشاكلنا وتشعر بهمّنا وألمنا ووجعنا؛ لأنّها تعيش نبض شارعنا – حتّى إن فشلت حينًا أو تقاعست أحيانًا – فستبقى في "أسوأ" حالاتها أفضل بكثير من أيّ حزب صِهيونيّ، لا يرى إلى العربيّ إلّا صوتًا مدفوعَ الأجر، غالبًا، يضيفه إلى رصيد كراسيه؛ حيث لا تعنيه، بتاتًا، قضايا العربيّ ولا تهمّه مشاكله!!
ويوم الثّلاثاء القريب، بعد أربعة أيّام، في الثّاني والعشرين من الشّهر الجاري، ستحتّم عليّ كرامتي، وسيُلزمني ضميري، وسيدفعني الدّم الأحمر الجاري في عروقي إلى التّصويت – كنهجي – للجبهة؛ لأوّل وأفضل مَن دافع عن وجودنا وبقائنا، ومنع مصادرة أراضينا وتشريدنا، وعمل على تحصيل حقوقنا وحفظ لنا كرامتنا.. فهو الحزب الوحيد الّذي يمكنه أن يمثّلني ويتحدّث باسمي، من دون شعارات رنّانة أو طنّانة؛ وقد أثبت على مدار سنوات أنّه فاعل من أجل تحصيل حقوقي، حاملًا همومي وعاملًا على حلّ مشاكلي، هو عُنوانيَ الدّائم – ليس خلال أسبوع انتخابيّ مشمشيّ، فقط – بل هو موجود معنا وبيننا على مدار الأعوام.. إنّ قائمة الجبهة هي أفضل مَن يمثّل مصالح الجماهير العربيّة والطّبقات المستضعَفة، عاملةً ضمن نضال وشراكة عربيّة – يهوديّة (يساريّة) فعليّة، لا وهميّة أو افتراضيّة، بعيدة عن المصالح الشّخصيّة الخاصّة والتّطرّف الدّينيّ.. والأهمّ أنّها على مدار مشوارها النّضاليّ – السّياسيّ والعمّاليّ والاجتماعيّ، لم تغيّر مبادئها ولم تبدّل نهجها.
وهذه الانتخابات مغايرة عن سابقاتها؛ لسبب تغلغل التّطرّف العنصريّ والفاشيّ والدّينيّ في المجتمعين اليهوديّ والعربيّ، ولذلك – كلّ صوت عربيّ واعٍ صادق وشريف ووطنيّ وأمين سيؤثّر على النّتيجة، لا محالة..!
وفي إطار متّصل، لا يسعني إلّا أن أتمنّى لأخي وصديقي الصّدوق، وابن مدينتي، الشّابّ أيمن عودة، المثابر والمناضل والمجتهد والمثقّف والواعي والعامل من أجل أبناء مجتمعه من دون كلل أو ملل، كلّ التّوفيق والنّجاح؛ لأنّه، حتمًا، سيكون أفضل مَن يمثّل شبابنا وسيؤثّر على اتّخاذ القرارات لا محالة، من موقعه، فهو هدفنا وأملنا في الكنيست، علّ وعوده تفي محبّيه ومصوّتيه وداعميه حقّهم.
قبل الإدلاء بأصواتكم، أعيدوا حساباتكم مرّة أخرى أو أكثر، وحكّموا ضمائركم.. وتذكّروا مَن كان إلى جانبكم ومعكم في الميدان في أصعب الظّروف وأحلكها، عندما لم يكن هناك صوت آخر يصرخ باسمكم في البرّيّة.. موعد الحسم قد اقترب، حيث لن ينفعكم بعده التّذمّر أو التّباكي أو النّدم يا عرب!!
(*) صِحافيّ فِلَسطينيّ، مدير تحرير صحيفة "حيفا.
