حول الاختراع والابداع ومتى نصبح من جديد نحن العرب مخترعين ومبدعين في جميع المجالات

single

من المعروف انه خلال العصور الماضية المتعاقبة منذ بدء الخليقة قبل ملايين السنين، حقق الانسان التقدم بخطوات بطيئة بفضل التراكمات المعرفية بشكل مستمر ودائم، تحفزه على ذلك الحاجة لايجاد ادوات ووسائل مادية وميكانيكية، ففي العصر الحجري تمكن الانسان من اختراعات بدائية، وفي العصر البرونزي تمكن من صنع العديد من الادوات ذات الاهمية الكبيرة في ذلك الزمن، منها صناعة الدولاب والقاطرات التي تجرها الابقار والخيول، وبعض اسلحة القتال الهامة آنذاك في الحروب منها السيوف والتروس، والخوذ الحديدية، والعديد من الادوات الاخرى. وفي عصر النهضة الصناعية التي جرت ما بين الاعوام الميلادية (1700- 1850) تزايدت الاختراعات الهامة جدا بالنسبة لما سبقها من اختراعات ابرزها اختراع آلة الطباعة المتحركة الاكثر اهمية من معظم الاختراعات السابقة، لانها اسست بداية لنقل المعارف والمعلومات الى اعداد كثيرة من البشر في مختلف انحاء العالم، فأسهم ذلك بالنهوض العلمي وفي التطورات المعرفية الجديدة في مختلف العلوم، وفي المقدمة علوم التكنولوجيا التي اسست لاقامة المصانع الكبيرة التي تضم مئات الخبراء وآلاف العمال الصناعيين وانتاج ما يصعب احصاؤه من انواع الادوات الهامة التي مهدت للوصول الى الاختراعات الحديثة التي تنعم بها البشرية حاليا في جميع القارات والبلدان بنسب متفاوتة، وهذا اسهم مع الزمن في زيادة الحوافز المساعدة على الابداع في مجالات جديدة وغير مسبوقة. وصدق القول الحضاري بان الحاجة هي ام الاختراع، وحاجات الانسان كثيرة وفي تزايد مستمر مواكب للتقدم الحديث والاحدث بفضل تراكم المعلومات المستمر الذي سهل في عصرنا الحالي عملية التصنيع والتقدم الدائم مع دعم البحوث العلمية الهادفة الى التطوير المستمر والى اكتشافات جديدة، والافادة مما تم اختراعه واكتشافه.
واصبح معروفا بان المخترعين يظهرون من مختلف المسارب ومحطات الحياة، كما ان شخصياتهم ومستوياتهم الثقافية مختلفة ويتميزون عموما بكونهم محبي الاطلاع والمعرفة، ويعيشون بقناعة خاصة تجعلهم شغوفين بالهدف الذي يجتهدون لبلوغه وتحقيقه. فمن اقوال المخترع توماس أديسون الذي عاش ما بين عام (1847- 1931) قوله: بان اصل الاختراع واحد بالمئة الهام و 99% هو تعب وعرق واجهاد. هذا ومما سهل وخفف الجهود المبذولة للابداع، تبادل المعارف والمعلومات حيث اصبح في زمننا بامكان المبدع ان يستفيد من تجارب الآخرين، وخاصة اذا كانت الحكومة تشجع وتدعم المبدعين، فان ذلك يردم الفجوة بين الافكار العلمية والمنتجات النهائية وتصبح العملية كأنها هجوم منظم على مجموعة الصعوبات وحلها الواحدة بعد الاخرى.
والتطور الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والصناعي منذ بداية القرن الماضي في العالم، اسهم في توسيع دائرة المعرفة العلمية في كافة المجالات، واتضح دوره الايجابي ليس فقط في الابداع والاختراع وانما ايضا في تنمية الوعي الوطني والقومي والاجتماعي بشكل عام، حيث مستواه اعلى من مستوى الاختراع والابداع في بلادنا التي لا تزال للأسف في مرحلة التأسيس للنهوض الصناعي والابداعي.
وعلى اية حال فإن القناعة التي كانت سائدة حتى بداية القرن العشرين من ان الابداع والاختراع واتقان العمل هو جهد وعرق بنسبة 99% قد تغيرت الى حد كبير. فصحيح ان الموهبة والمجهود الشخصي يبقيان هما الاساس، الا ان الدور الموجه والمحرض الذي بدأ يتجلى للحكومات وتعتمده الادارات الرسمية المصممة على تطوير المجتمع في كافة المجالات، جعل مفهوم التطور الحضاري المتصاعد في الدول الصناعية (اشتراكية – ورأسمالية) يقتضي تدريب العاملين على التقنيات الجديدة، مما يجعل الادارة مؤهلة لايجاد صيغ مناسبة لتوليد ابتكارات جديدة، وتكنولوجيا جديدة، ارقى ومتقدمة من التكنولوجيا القديمة، وان تساهم في تهيئة ذهنية المجتمع ليكون قابلا ومرحّبا بالتجديد والتكيف المستمر مع متطلبات واحتياجات مراحل التطور المتلاحقة والحبلى بالجديد الذي هو بمثابة الابن المولود من رحم التطور الحضاري المحلي والعالمي، بفضل ما توصلت اليه البشرية عامة من انجازات حضارية مهمة في كافة المجالات.
من المعروف لنا بان العقول العربية ابدعت في الازمنة الماضية، واعطت واخذت وافادت واستفادت من التعاطي المنفتح على التراث الانساني. ولكن نتيجة لما تعرضت له بلادنا من غزو واحتلال اجنبي، اصابنا لفترة زمنية طويلة داء التقوقع مع اجترار الماضي الذي بات في ذمة التاريخ. واضطررنا لصرف الكثير من طاقاتنا على استرداد استقلالنا والخلاص من الاستعمار الاجنبي المختلف في جنسيته ومنابعه الغربية والشرقية ، لذلك لا زلنا نحن العرب في المجال (الصناعي) في بداية على الطريق، ومحتاجين للمزيد من التقدم العلمي الذي يتيح لنا التعايش المثمر مع انجازات العصر الحالي وتكديس الخبرات وتجاوز الثغرات والعقبات على اختلاف انواعها، للوصول الى المستوى العالي المطلوب.
هذا وان تشرّب حب الوطن وعشقه، يسهم في اندفاعنا الى الامام، وفي تسريع تجاوبنا مع معطيات العلم، لتحفيز المواهب الكامنة في عقولنا ونسيجنا الروحي والجسدي لكي تنطلق وتنمو وتبلغ اعلى مستويات النضوج والعطاء والابداع الذي يصب في مصلحة جماهيرنا وبلادنا العربية، التي قدمت دائما اغلى التضحيات ثمنا لاستقلالها وتحررها ولا زالت الى يومنا هذا في حالة مواجهة متنوعة الاشكال مع الاعداء والطامعين.

 

(مجدل شمس – الجولان العربي السوري المحتل)

قد يهمّكم أيضا..
featured

"قانون النكبة": خطأ لا أخلاقي آخر

featured

صورة "سلفي" مع هرتسوغ

featured

رفض لملاحقة أجهزة "حماس" الرفيق وليد العوض

featured

حوار مع صُناع القرار

featured

إنفلات استيطاني بدعم من واشنطن

featured

مرثية لخرافة الرأسمالية

featured

قرار هام ضد الإحتلال

featured

كلمة حق في ذكرى المناضل الشيوعي الرفيق محمد فضل حسّان