*الى رئيس الحكومة والسيدات والسادة اصحاب القرارات في دولة اسرائيل*
يحضرني بيت من الشعر، هو عِبرة للذين بأمس الحاجة ان يعتبروا. اولئك الذين يقودون شعوبهم "الى بر الامان".
وقد حضر في ذاكرتي في الوقت المناسب، بعد غياب طويل، استوطن بين هموم الايام وظلمات الليالي.
هذا البيت من قصيدة رائعة، لولا الاحداث المتكررة، المؤلمة، في الشوارع الاسرائيلية والفلسطينية وما يحدث بين سلالة اخوين من صلب أب واحد، هو ابراهيم الخليل.
لولا هذه الاحداث، او بمعنى اصح لولا هذه المجازر بين يهود اسرائيل والشعب الفلسطيني، لما لفت انتباهي وشدني ان انقِّب بين الهموم والظلمات لألتقي مع هذا البيت مُعافًى، يُحذر وينذر الذين لا يتعظون ويسخرون من تقلبات التاريخ التي فيها يكثر المد والجزر والمتاعب والمصائب.
هذا البيت الشعري، أيها السادات والسادة هو:
لا يحقرن صغيرًا في مخاصمةٍ إن البعوضةً تدمي مقلة الاسد
قد تحتقر اسرائيل، "الامبراطورية العظمى في تاريخنا" الحديث، التي تضم في ترسانتها الحربية ما يزيد عن 18% من السلاح الكيماوي في العالم وتمتلك السلاح الجوي، الحربي، القوي جدًا، والمميز عددًا وعُدة في منطقة الشرق الاوسط، والجيش المدرب افضل تدريب، ولا يُقهر كما يدعون في اسرائيل.
نعم. قد تحتقر وتسخر من حماس وجميع الفصائل الفلسطينية والعالم العربي كله، وإيران وتركيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، وتتجسس على امريكا اوباما، لكنها ليس من السهولةِ بمكان ان تدبر امورها السياسية مع الدول العربية المجاورة، والشعب الفلسطيني، بالأسلوب الذي تعودته واتبعته منذ قيام الدولة، وحتى هذه الايام: اسلوب التجسس على منشآت العالم العربي، والهيمنة على كنوز وخيرات الجيران كالغاز والمياه... والتنكر لحقوق الشعب الفلسطيني... ولن يدوم لإسرائيل حمل العصا ومنع أي دولة من التزود بالتكنولوجيا الحديثة والتسلح بأحدث الاسلحة لحماية برها وبحرها وسمائها.
(2)
ويحضرني شريط تلفزيون من واحدة من المحطات الكثيرة عن الحيوانات في الغابات الكبرى. وصدفةً كان البث في بداية فصل خريف العرب: العراق، ليبيا، سوريا، تونس، اليمن... الخريف الذي طال ظلمه وظلامه، وكبرت فيه آثامه وهمومه، وتساقطت بعض براعمه بين ركام الدور والقصور والمساجد والكنائس والمدارس والجامعات.
وبعضه الآخر شردته اعاصير هذا الزمان الرديء بعيدًا عن الديار، وطن الآباء والأجداد، مهد الأنبياء والصالحين، تلك الأعاصير الملوثة:
بالحرب الضروس بين الفئات المتنازعة في هذه الاقطار والمثقلة بحشودٍ من الجياع والِعطاش، والخوف والحزن والبكاء. والمرضى بلا دواء ينتظرون الموت وليس الشفاء.
خريف وطن عربي كبير مفتوح للأعداء: يدمرون سلاحه، ويقتلون علماءه، ويسْبون نساءه ويسرقون خيراته ويقطِّعون أوصاله، ليصبح عالم الدويلات او القبائل المتأخرة لا اكثر ولا اقل.
هذا الشريط طويل لكنه جذاب، خلاصته:ان لبؤة اصطادت غزالة، ففي اللحظة التي هيأت نفسها لنقل فريستها لجرائها، فاجأها ضباع كُثر، فشلحوها فريستها وبدأوا بتقطيعها وأكلها، واللبؤة المسكينة ترنو اليهم في حسرةِ وألم. وبالطبع وحدة الضباع افرزت القوة والمثل يقول الكثرة غلبت الشجاعة ورحم الله احد رواد النهضة الحديثة (جمال الدين الأفغاني) الذي خاطب الهنود في زمن كانت الهند درة التاج البريطاني: "لو كنتم ذبابًا لطردتم الانجليز بطنينكم".
وكل الرحمات تتنزل على الذين يفتحون الأبصار والبصائر لإخراج الشرر او الشرار والنور من رماد الشعوب المتأخرة او المتخلفة.
واليكِ يا والدتي الفقيرة المسكينة اخلص الترحمات لأنكِ دفعتِ الثمن غاليًا في دراستي الثانوية في كفر ياسيف ما بين 1954-1958 في عهد المرحوم يني يني رئيس المجلس المحلي آنذاك.
هذه الخطوة المشرفة من قبل والدتي التي ما دخل اللحم بيتها إلا بمناسبة العيدين الفطر والأضحى، والألبسة الجديدة لم يلبسها ابناؤها وبناتها إلا مرة واحدة في السنة، شجعت الكثيرين من أرباب البيوت العامرة بالأبناء، والمظلمة في غياهب الجهالة، بالاهتمام في تعليمهم.
أجل في خمسينات وأوائل ستينات القرن الماضي، بعد قيام الدولة لم يكن في قريتنا دير لأسد مثلًا من المتعلمين إلا القلائل جدًا ويعدون على اصابع اليد الواحدة. بينما يتعلم من ابنائنا في هذه الايام في جامعة ملدوفيا اكثر من ستين طالبًا جامعيًا. وفي روسيا والدول الشرقية والجامعات الأردنية جامعات وكليات البلاد والجامعة الامريكية في جنين المئات من طلاب وطالبات دير الأسد وهذه القفزة الثقافية النوعية تزداد نموًا يومًا بعد يوم في جميع قرانا ومدننا الفلسطينية داخل الوطن وفي الضفة وقطاع غزة.
وليس من المبالغة في شيء ان معظم البيوت عندنا تزينها الشهادات الجامعية المعلقة على جدرانها الداخلية للرجال والنساء على حدٍّ سواء. ومن هنا نذكِّر المسؤولين في ادارة الدولة: ان سياسة الفدعرة والعنف والتنكر لحق الشعب الفلسطيني في قيام دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف الى جانب دولة اسرائيل؛ وان سياسة الاعتداءات من قبل المستوطنين والمتزمتين والمدعومين (حكومة وسلطة) على اطفال فلسطين عند ذهابهم الى مدارسهم وإيابهم؛ وعلى العمال وهم في الانتظار على جوانب الشوارع للسفر الى عملهم، او عند العودة الى بيوتهم؛ والسلبطة على اقتسام الاقصى اولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين كما فعلت السلطة في الحرم الابراهيمي في الخليل - لدليل قاطع على الاستمرارية في تضييق الخناق على الفلسطينيين لتشليح ثيابهم والخروج من وطنهم حفاة عراة (لا تين ولا ورق تين) كما يقول الفلاحون في أمثالهم الدارجة.
ولا يغيب عن بال الصغار والكبار من شعب فلسطين الجبار في هذه الاشهر، بعد موسم قطف الزيتون، كيف يفترس المستوطنون حقول الزيتون: يحرقون ويقلعون ويدمرون موسم هذه الشجرة المباركة، شجرة النور التي ينتظر موسمها المواطنون الفلسطينيون عامًا بعد عام.
بالطبع لا ولن يغيب عن البال ايضًا، مآسي ومصائب الانانية المسعورة في الحرب الاخيرة على غزة التي فضحت ضمير اسرائيل السياسي أمام العالم كله واستنكرتها كل القوى التقدمية العربية واليهودية في اسرائيل
(3)
أليست هذه السياسة، من محاولات اذلال وتركيع وشق الطرق الوعرة لتهجير الذين ان حضروا من سلالات عاشت في فلسطين منذ عصور وقرون، وفي تاريخ الامم لهم بصمات بارزة، وعلى ارض الوطن عمروا وسكنوا وأنجبوا الكُثر من البنين والبنات وبنوا المساجد والكنائس والمدارس، وزرعوا التين والزيتون والرمان والخروب والبرتقال، واقتنوا المواشي على مختلف انواعها، ولا زالوا موجودين وحاضرين، تعززهم ارادة الاسد وصامدين يتحدون الظلم والظلام ويحبون الامن والأمان ويطلبون السلم والسلام.
أليست هذه السياسة يا صُناع القرار من اخطر وأحقر سياسات عصرنا الحديث. وهنا اذكر عسا تنفع الذكرى ان الاستعمار الفرنسي في الجزائر، استخدم كل الاساليب القذرة غير الانسانية كالتي تستخدم في هذا الوطن: الضفة الغربية، وقطاع غزة.
حتى اللغة العربية الاصلية، اللغة الام، حاول المجرمون الفرنسيون طمسها. لكن شعب الجزائر صبر، وتحمل ابشع صنوف العذاب، وانتصر على الظلم والظالمين، وطرد الاستعمار ونال الاستقلال.
ولا بأس ان نكرر في هذه السطور القليلة ما قاله سارتر الفيلسوف الفرنسي الكبير في كتابه: عارنا في الجزائر: اذا كنا نود ان نضع حدًا لهذه الاعمال الوحشية القذرة اللئيمة وان ننقذ فرنسا من العار وننقذ الجزائريين من الجحيم فليس امامنا إلا وسيلة واحدة، ان نفتح المفاوضات ونعقد السلام.
يا خسارة... اقولها بألم شديد حيث اصحاب القرارات، السادة والسيدات لا يأخذون العبر من التاريخ، كي يحصِّنوا جماهير شعبهم من المحن وويلات الحروب. انما يَسخَرون حتى من تقلبات الزمان، وقد لا يتعظون مما حصل من حروبهم في لبنان وحربهم الاخيرة مع حماس في غزة لأنهم يتكلمون من رؤوس مناخيرهم، معتمدين على المقولة: الحق تحت اقدام القوة.
ألا فليطمئنوا انه لم يعد بالإمكان طمس القضية الفلسطينية كما تشاء اسرائيل او لفها وطيها الى اجلٍ غير محدود، كما ترغب اسرائيل او فرض الحل والتلاعب بمصير الشعبين العربي واليهودي كما يحلو للزعامة الحالية في إسرائيل.
هنالك ما يزيد عن اثني عشر مليون فلسطيني: عرب الداخل، عرب الضفة وقطاع غزه والباقون مشتتون في العالم العربي ومختلف الدول الاجنبية. وهم دون ادنى شك من ارقى واجدع الناس ولن يتراجعوا عن كفاحهم العادل مهما تتغير الامور والأحوال لأنهم اصحاب حق وموقنون انهم على قيد شبر من تحقيق اهدافهم.
ولذا من الخزي والعار ما يخططه الاسرائيليون من سلب ونهب وظلم في الضفة وقطاع غزة وما ينفذونه من اوامر وهدم دور الفلسطينيين وملاحقات وقتل رموزهم.
إن أقدس أمنيات الشعبين الشقيقين يا صُناع القرار: السلام والأمن وهداة البال في ربوع هذا الوطن الذي ينزف دمًا منذ عدة عقود.
وسعوا بوابات السلام بينكم وبين الفلسطينيين في الضفة والقطاع ليدخل الجميع منها الى الحقول الواسعة الخضراء حيث لا فوضى ولا قلق ولا خوف ولا اقتتال، وإلا سيظل التاريخ يؤنبكم. ووصمة العار تتلبسكم الى أبد الآبدين.
(دير الاسد)
