بات الخوف الصناعة الأكثر رواجًا وانتشارًا في المجتمعات المعاصرة. فائض إنتاج، على الأرجح، للسيناريوهات المتداولة على الصعد السياسية والاقتصادية والتكنولوجية والطبيعية على وجه الخصوص
التجليات المترتبة على فائض الانتاج تعكس إعادة تشكل رأس المال في سلوك سياسي للنفوذ والقهر، كقوة ارتزاقية من شأنها ان تغير وجه العالم وتحيله مشهدًا نموذجيًا للفوضى العارمة التي يأكل بعضها بعضها الآخر
الزلزال المالي الذي هز مرتكزات التجارة والأسواق في العامين المنصرمين ليس وليد ظروف طارئة بل يعود إلى تآكل تدريجي في الهندسة الداخلية لظاهرة الرأسمالية منذ أن هيمنت على لعبة الاقتصاد في العالم
المسار الهمجي الذي اتخذته الرأسمالية خصوصًا في أعقاب التصدع الذي ضرب الأسواق المالية منذ عامين أقفل الأبواب في وجه إصلاحات بنيوية في طبيعة النظام لا يبدو أنها قد تبصر النور في كل الأحوال
زمن لصناعة القلق. لم يعد الخوف الزاحف من المجهول أو من المعلوم، أمرًا من شأنه أن يطلق صفارات الغريزة، على نحو استباقي. أصبحت الغريزة الإنسانية أقل فاعلية مما كانت عليه. لعلها باتت إرثًا مستضعفًا، قاصرًا بلا جدوى بعد ان استنفدت طاقتها الاحترازية، فتحولت بدورها عبئًا يضاف الى الأثقال الملقاة على كاهل المجتمعات في القرن الحادي والعشرين. والأرجح أنها لم تعد تشكل بوصلة لخلاص الإنسانية. لماذا؟ لأن الخوف فقد دهشته. لم تعد القشعريرة المفاجئة ملازمة له. توقف عن إثارة المخيلة التي تميل، في داخلها العميق، الى الانحياز الى الرهبة. اصبح الخوف من نسيج آخر مستهجن مقفل على نفسه. على متاهته. منكشف في الوقت عينه على مشاهد لأفق مغرق في الإحباط والتعثر. لم يعد الخوف "فضيلة" يمكن الاسترشاد بها من أجل الاهتداء الى طريق قصيرة أو طويلة قد تؤدي الى الخلاص أو شيء منه. ولا ملاذًا جاهزًا أو احتياطيًا يمكن اللجوء إليه للاحتماء من المخاطر المتدفقة من المجهول. ولا وهمًّا، على الأقل، يوحي من بعيد بأن هناك فرصة للتعلق بالحياة لا تزال متوافرة. أصبح الخوف في العقد الثاني من الألفية الثالثة مرهونًا بشروط أخرى. يصنّع تصنيعًا على مرأى ومسمع من الجميع. في وضح النهار. وليس وراء جدران الصمت في الليل. بات الخوف الصناعة الأكثر رواجًا وانتشارًا في المجتمعات المعاصرة. فائض إنتاج، على الأرجح، للسيناريوهات المتداولة على الصعد السياسية والاقتصادية والتكنولوجية والطبيعية على وجه الخصوص. يتراكم الخوف على الضفاف القريبة من الإنسانية المعاصرة يومًا بعد يوم. نتعايش معه بالقهر. نترعرع في ظلاله. يترعرع في ظلالنا. لا يعود خوفًا حقيقيًا يحفز الغريزة ثم يستنهضها. لا شيء على الأغلب من هذا القبيل. والنتيجة الأقرب الى طبيعة هذه المعادلة ان الخوف لم يعد هاجسًا متوقعًا في اللحظة التي يختارها هو. تحول، بدلاًً من ذلك، كيانًا واقعيًا، بشكل أو بآخر، ماثلاًً بقوة في الفضاء الإنساني الشاسع. إنه الحاضر الغائب في الذاكرة الإنسانية المشوشة على وقع الإحساس بمرارة الهزيمة.
ثلاثة كتب صدرت حدي.ثًا في الولايات المتحدة لثلاثة من كبار المفكرين الأميركيين، تلقي أضواء جديدة على ظاهرة القلق الشامل من خلال ما يمكن اعتباره إفلاسًا عميقًا في بنية النظام الرأسمالي الأحدث في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. المؤلفات هي الآتية: "التجارة كالمعتاد: الأزمة الاقتصادية وفشل الرأسمالية" للمفكر الاقتصادي الكبير بول ماتيك عن "دار رياكشن بوكس"، 2011. "لغز الرأسمال وأزمة الرأسمالية" للمفكر الماركسي الأشهر في الولايات المتحدة ديفيد هارفي، عن "منشورات اكسفورد"، 2010. "الرأسمالية عند مفترق الطرق: استراتيجيات جيل التجارة المقبل لعالم ما بعد الأزمة" للكاتب السياسي ستيوارت هارت، عن "دار بيرسون هول"، 2010. الملاحظ، للوهلة الأولى، ان كلمة "الأزمة" هي القاسم المشترك بين العناوين الثلاثة. وهي ترتبط، في هذا السياق، بالتصدع الخطير الذي يغزو مرتكزات النظام الرأسمالي في الدول التكنولوجية المتقدمة، ويفتت النسيج الاقتصادي والثقافي للبلدان النامية والمتخلفة على نحو مروّع. ولعلّ المفكرين الثلاثة يذرفون الدموع الأخيرة على منظومة رأسمالية هي الوجه المادي الملازم للحداثة الإنسانية في الغربين الأوروبي والأميركي. احداهما سبب ونتيجة للأخرى. يتعذر على أي منهما ان يكتب له البقاء من دون الآخر. إذا ماتت احداهما توفيت الأخرى على الفور في عالم جفت ذاكرته فأصبح عاجزًا عن اجتراح المعجزات. إنها اللحظة المناسبة في هذه الإصدارات الثلاثة للبدء بتلاوة مرثية لخرافة الرأسمالية.
قد تبدو هذه الإصدارات الثلاثة، وهي الأكثر أهمية وعمقًا في الآونة الأخيرة، ذات طبيعة متجذرة في الاقتصاد السياسي للنظام الرأسمالي. غير أن الأمر ليس كذلك في حقيقتها الداخلية. صحيح أن أصحابها لا يدّخرون جهدًا في التقاط العيوب البارزة للتقاليد الرأسمالية، غير أنهم، في الوقت عينه، يستخدمونها ذريعة موضوعية للنفاذ من خلالها الى ما وراءها. الى تلك المشاهد البانورامية من الخراب الكثيف الذي راح يلقي بأثقاله الثقيلة على الحضارة الإنسانية. يستدلون على ذلك بالأزمة المالية التي أطبقت على أنفاس العالم، منذ سنتين، ولا تزال مفاعيلها جاهزة لإحالة الفوضى وحشًا يتربص بالبشر. وهو يتحين الفرص من أجل ان يضرب ضربته القاضية. ثم يستعد ثانية ليضرب ضربة ساحقة ماحقة. ولعلهم يقصدون بذلك، ان للرأسمالية قدرًا اقتصاديًا حضاريًا تصعب السيطرة عليه لترويضه أو تدجينه أو حتى لجعله أقل عدوانية وأكثر إنسانية. توحي هذه المؤلفات من خلف التحليلات الاقتصادية السياسية الصارمة، بأن الرأسمالية قد بلغت فعلاًً مفترقًا هو الأخير، على الأغلب، على دروب المتاهة الطويلة.
والمستغرب في نظر هؤلاء الثلاثة، ان الغريزة المتوحشة للرأسمالية تكاد تحقق انتصارها الحاسم قبل ان تتحول، في نهاية المطاف، نمطًا طاغيًا لنوع من الايديولوجيا التي يصعب قهرها أو استبدالها بفكرة أخرى. يعبّر هؤلاء عن دهشتهم بالقول: ماذا ينفع العالم لو خسر نفسه وربح الرأسمالية. والأغرب أيضًا، ذلك الاستسلام المكشوف تمامًا على الفراغ الذي تُواجه به هذه الظاهرة التي تنطوي في نتائجها البعيدة على بداية مؤكدة لانحسار الثقافة الإنسانية على الصعد كافة.
قد نستشف من هذه التصورات التي ترقى الى منزلة الحقائق، أن الرأسمالية وفقًا لدينامياتها المادية البحتة، تعزز ضربًا من القناعات التي يصعب التملص منها. من بينها، أنها ترجح كفة الحاضر على المستقبل. ولعلها تقلص الى الحدود الدنيا من حاجة الإنسان الى المستقبل. وقد تسعى كذلك الى إلغاء هذا البعد الاستشرافي من مفهوم الإنسان لتعاقب الأزمنة. تستخدم الرأسمالية سطوتها للايحاء بأن المستقبل من جنس الخرافة لا وجود حقيقيًا له وإن زعمت غير ذلك. المهم لدى هذه الظاهرة والقيّمين على ترويجها ان يثبت الفرد أنه قادر على امتلاك اللحظة ومن ثم استثمارها لجعلها تعبيرًا أوحد عن الكسب المادي من دون ضوابط. أما المستقبل فليذهب الى الجحيم.
* فشل الرأسمالية
يرى بول ماتيك في كتابه المذكور آنفًا، أن التجليات الاقتصادية للرأسمالية، وهي التي تلقي الرعب في قلوب المجتمعات الحديثة، تكمن في النسيج العميق لمكونات هذه الظاهرة. وهي، على هذا الأساس، تتخطى كونها انحرافات في الممارسة التطبيقية على الأرض. أو إخلالاًً فاضحًا في قراءة الكيفية التي ينبغي من خلالها ان توظف على الصعيدين السياسي والاجتماعي.
يبدي المفكر ميلاًً أقوى الى اعتبار الانتهاكات الخبيثة الناتجة عن اعتماد النظام الرأسمالي، علة قائمة في بنيتها الداخلية. في طبيعتها الصامتة أو الصاخبة ذات القدرة الفائقة على التلاعب بالظروف الاقتصادية.
والأهم ما تتضمنه من هامش واسع على المناورة والايحاء والنيل أيضًا من مفاهيم اقتصادية وسياسية مغايرة. ولعلها تستطيع كذلك أن تزاحم في الذاكرة الإنسانية ما سبق لهذه الأخيرة ان توارثته من قيم وأفكار وتقاليد، وان تعيد تشكيلها وفقًا لمقاييسها ودينامياتها. يدعو الكاتب، على سبيل المحاولة لإلقاء حجر في المستنقع الاقتصادي الراكد، الى الشروع منذ اليوم للبحث عن بدائل حقيقية تمهد لمرحلة انتقالية يصار بعدها إلى التوافق على نظام اقتصادي آخر. وهو يفعل ذلك على اعتبار ان الأزمات المالية الخانقة التي تعاقبت على الرأسمالية، منذ القرن التاسع عشر، باتت كفيلة الطعن في الاساس النظري والعملي لهذه الظاهرة. ويؤكد في هذا السياق ان الزلزال المالي الذي هز مرتكزات التجارة والأسواق في العامين المنصرمين ليس وليد ظروف طارئة أو مستجدات مفاجئة خرجت على السيطرة، على النقيض من ذلك، فهو يعزو هذا الانهيار إلى تآكل تدريجي في الهندسة الداخلية لظاهرة الرأسمالية منذ ان هيمنت على لعبة الاقتصاد في العالم.
* الرأسمالية عند مفترق الطرق
يكاد المفكر ستيوارت هارت في كتابه "الرأسمالية عند مفترق الطرق"، لا يختلف عن نظيره السابق في تحليل المكونات التي تنطوي عليها الرأسمالية في الاستحواذ المطلق على مصير الانسانية، ولعله يتجاوزه قليلاًً في ما يسميه "الرأسمالية المرتزقة". والمقصود بذلك، على الاغلب، النظام المالي الاقتصادي الاجتماعي الذي لا يتبنى هذه الظاهرة الا لانها تتمتع بقدر واسع من الانصياع الخبيث للقيمين عليها، فتوهمهم، على الفور، بأنها رهن رغباتهم، وانها مستعدة على الدوام، في كل زمان ومكان، لتبيعهم قدراتها في مجال الكسب المادي السريع. غير ان اكثر ما يبعث على التهافت على هذه القدرات، اسوة بالمرتزقة الذين يسوقون في العادة مواهبهم الاحترافية، انها تكافئ من يشتريها أو يستأجرها بمنحه النفوذ السياسي. والارجح ان هذا ما حدا بالمفكر السياسي كارل ماركس على تصنيفه في خانة فائض الانتاج. الهيمنة وهي تنتقل من القوة الى الفعل. من كونها فكرة تخاطب غريزة التملك والاستئثار لدى الفرد، إلى ممارسة حقيقية على أرض الواقع. ان التجليات المترتبة على فائض الانتاج هذا ترجمة "لإعادة تشكل رأس المال في سلوك سياسي للنفوذ والقهر. وهو يحيل هذه الظاهرة احتياطيًا جاهزا لقوة ارتزاقية من شأنها ان تغير وجه العالم. ان تحيله مشهدًا نموذجيًا للفوضى العارمة التي يأكل بعضها بعضها الآخر.
* لغز الرأسمالية
بينما يتطرق الكاتبان السابقان إلى تشريح عيوب الرأسمالية منذ نشوئها حتى اليوم، ينصرف المفكر الماركسي الأشهر، في الولايات المتحدة، ديفيد هارفي إلى مقاربة مساوئها كما تظهر واضحة للعيان في الوقت الراهن. وعلى الرغم من التزام هذا الباحث المرموق المنهج الماركسي في قراءة التطور الاجتماعي السياسي للمجتمعات الحديثة، غير انه ينأى بنفسه عن محاكاة هذا المنهج بأشكاله ودقائقه الحرفية. من هنا أهميته مقارنةً بنظرائه الذين يتشبثون بالتطبيق الأصولي، إذا جاز التعبير، للشروط التي وضعها ماركس في كتابه الفذ "رأس المال". فهو يستخدم من الماركسية الكلاسيكية أدلها على التعبير عن لا عقلانية التاريخ، خصوصًا عندما تدب فيه الفوضى العارمة.
وبالتحديد عندما يتحول القصور عن فهم هذه الفوضى وعقلنتها من جديد، ضربًا من الجنون الهستيري. ودورانًا في الفراغ خارج دائرة التاريخ بالمطلق. يرى، في هذا الاطار، ان الرأسمالية، كما تتجلى في الأزمات الحادة المتعاقبة تكاد تخرج العالم فعلاًً من دائرة التاريخ الى متاهة الرقص على حافة الهاوية، الى الانتحار المجاني، الى افراغ الانسانية من مقومات البقاء، ومن ثم جرها الى حيث تصبح ثرثرة هستيرية من العبث الآيل الى العدم. دليله على ذلك، ان الشركات العملاقة التي تقود الاقتصاد العالمي وتوزيع الثروات على المجتمعات والشعوب هي نفسها التي سرعان ما تنقلب على هذه الشعوب والمجتمعات. إذ تقدم من دون تردد على استعادة الثروات والاموال التي كانت ضختها بطريقة أو بأخرى. تجمع فائض انتاجها التي كانت "تبرعت" به لتسيير عجلة الاسواق العالمية لتشكل منه رأسمالاًً جديدًا. ثم تعمد مرة اخرى الى توزيع فائض الانتاج المتكون من رأس المال الجديد على المجتمعات والاسواق. سلسلة جهنمية يدور فيها رأس المال في حلقة غير مفرغة. يتعقب في هذا الدوران نفسه. لا يرى سوى ذاته المنتفخة. لا يسمع الا صوته. هو الحقيقة المطلقة التي تصنع وحدها ما يسمى التاريخ الانساني. وما عداها لا يتجاوز كونه ظلالاًً باهتة لا تستحق ان يكون لها وجود مشروع. اضحت الرأسمالية، في هذا الاطار، مفهومًا مشرعًا بالكامل على ثقافة انسانية باتت تفتقر الى الانسان، او على انسان جرّدته الرأسمالية المتوحشة من انسانيته. وفي النتيجة، يغيب الطرفان من على مسرح الاحداث والتاريخ: الانسان والانسانية. ويحل مكانهما ما تبقى منهما: صور لأشباح تسير على غير هدى بعد ان اقتلعت منها ذاكرتها. او انها لم يعد بمقدورها ان تسترجع ذاكرتها. ولعل الرأسمالية في هذا التصور الذي يبعث على الغثيان، تستبيح الانسان في ذاكرته قبل أي شيء آخر. فرد من دون ذاكرة لا موضع له في التاريخ. الرأسمالية تصنع تاريخها بكائنات بشرية فقدت ذاكرتها في منتصف الطريق. لا تحتاج، على الأرجح، الى سلالات كهذه. لا تضعهم في الحسبان. ولا تدونهم على قائمة اولوياتها. ولا تدرجهم في اجنداتها المختلفة. ومع ذلك فهي تحشر نفسها ايضًا على الضفاف البعيدة خارج التاريخ، وان خيل اليها انها قادرة على صوغ اجناس من البشر والمجتمعات والبلدان ينسجمون بالمطلق مع دينامياتها المالية والاقتصادية والسياسية. تحكم على نفسها بالخروج من التاريخ في اللحظة عينها التي جردت الانسان من ذاكرته، ثم نفته خارج ذاكرته، ثم عزلته حيث هو في ما يشبه المحميات الشائعة لترقبه عن كثب وترسم مصيره عن كثب ايضًا.
* ما بعد الرأسمالية
القصة لم تنته فصولاًً بعد. لا يعلن المفكرون الثلاثة هزيمة الانسانية أمام الرأسمالية المتوحشة المتواطئة مع الانسان المتوحش. صحيح انهم يتلون مراسم الرثاء على هذه الظاهرة التي راحت تخترع لنفسها تاريخًا فوق التاريخ، غير ان أيًا منهم لايجرؤ على اعلان وفاتها بعد. كما ان كلاًً منهم لم يجرؤ كذلك على اعلان وفاة الثقافة الانسانية، رغم الانهاك العنيف الذي تعرضت له في السنوات العشر الاخيرة. يبادر ثلاثتهم معًا إلى فتح ملف ما بعد الرأسمالية، على نحو احتمالي، ومع ذلك لا يتوجهون في دعوتهم هذه الى الطبقات السياسية، في الدول الصناعية المتقدمة ومثيلتها المتخلفة والنامية. لا يعول هؤلاء المفكرون على النخب الحاكمة في مشروعهم لانقاذ المجتمعات من مصير قاتم يعتبرونه محتومًا في ظل الزحف المنظم لجحافل الرأسمالية والتقهقر المنظم أيضًا لإنسانية تائهة لم تعد تقوى على الصمود.
يعتقد هؤلاء ان المسار الهمجي الذي اتخذته الرأسمالية خصوصًا في اعقاب التصدع الذي ضرب الاسواق المالية منذ عامين، قد أقفل الابواب في وجه اصلاحات بنيوية في طبيعة النظام لا يبدو انها قد تبصر النور في كل الاحوال. لذلك لا يرى هؤلاء بدًا من ان يتوجهوا الى الناس مباشرة، في الولايات المتحدة وخارجها، لحملهم على انقاذ ما يمكن انقاذه من اقدارهم ومصائرهم وهي تقاوم وحيدة في العراء. ولعل في دعوتهم هذه ما يبعث على الاعتقاد بأن الفرد قد اضاع نفسه فعلاًً في المتاهة، وان دعوات كهذه لا يعدو كونها صدى لأصوات خافتة تسقط في القعر قبل ان تتقاذفها الاودية السحيقة. لم يعد ممكنًا، على الأرجح، اعادة صوغ الرأسمالية في اشكالها الاحدث، على مقاس ما ينبغي أن تكون عليه انسانية الانسان. الاقرب الى الواقع ان يعاد تشكيل الانسان على مقاس ما ينبغي أن تكون عليه الرأسمالية. في كلتا الحالتين يتحول التاريخ فضلات تلقى في مزبلة العالم. سبق للمفكر الاميركي المعروف، فرنسيس فوكوياما أن بنى مجده الفلسفي على مقولة ان الرأسمالية هي نهاية التاريخ. لعله محق في ما ذهب إليه، ها هي الرأسمالية تأخذ التاريخ إلى نهايته، لتصبح من دون تاريخ، خرافة مشوقة، على الأغلب، تحتاج إلى مرثية واحدة وأخيرة.
(عن "المستقبل" اللبنانية)
