بردٌ قارسٌ "يقصُّ المسمار" ورعودٌ قواصفُ تصمُّ الآذان وبُروقٌ كواشف تعمي الأبصار وتُقسِم السَّماء إلى نصفيْن في الأفق، وكأنِّي اسمع صوت والدتي الحنون يأتي من عليائها، كما عوَّدتنا دائمًا مع كلِّ هزيمٍ، بعد تلاطم السُّحب بعضها ببعض، يقول: اسم الله وذكر الله، تطلب حماية المولى، لأنَّ البرق والرَّعد يحملان الخيرَ في الإحياء من خلال الماء في المطر والشَّرَّ في الصواعق في حالة الإفناء، أضْداد في وحدة واحدة.
لقد مرَّت سبعة أيَّام ماطرة لم تترك للغيوم راحةَ عاملٍ على مدار اسبوع كاملٍ، حيث جادت فيها السُّحُب على الأرض بالمطر والثَّلج والخير..
فقد أدخلتْنا بيوتنا باحثين عن الدفء، لنحتسي الشَّاي السَّاخن، ونأكل الكستناء المشويَّة، ونستمع إلى أغاني فيروز "شتِّي يا دنيا تَيْزيد موسمنا ويحلى..، خلِّيلي عينك ع الدَّار..، وأذكر أيضًا، أنَّنا كنَّا ننشدُ، في طفولتنا، للشِّتاء ونستجديه، استسقاءً، بالمزيد من المطر: شتِّي يا دنيا وزيدي، بيتنا حديدي، عمِّي عبد الله كسر الجرَّة..ضربو سيدو ونيَّمو برَّا.
عندما ننشد "خلِّيلي عينك ع الدَّار"، وفي أخرى "بيتنا حديدي"، نناشد أن تكون بيوتنا قويَّة متراصَّة الصُّفوف في وجه العواتي، وأن تكون دومًا على أهبة الاستعداد من الآتي، لكنَّ هذا التَّحضير بالاستنفار والجهوزيَّة اللذين وعدونا بهما، قبل العاصفة باسبوع أو يزيد أظهرا هشاشة ضماناتهم، التي سقطت في أوَّل امتحان فصليٍّ، حيث تركت عشرات الآلاف بدون كهرباء على مدى يومين أو أكثر، ومنهم مَن سُجن داخل سيَّارته ليلةً كاملةً في هذا الصَّقيع والجليد، وشُلَّت حركة المواصلات العامَّة والخاصَّة، وأُقفِلت المدارس، وتعطَّل العمَّال عن أشغالهم، ومثالا لا حصرًا، كانت عيادتنا على مدى اسبوع أليكسا، بدون هاتف أو عنكبوت الانترنت لنخدم فيها مرضانا، حيث كان يومُ الأحد الفائت ذروةً في هشاشة حيْطتهم واستباقهم الحوادث إذ انقطعت المياه عن الحيِّ وعن عيادتنا!
فيمرُّ أمامي منظر حريق أحراش جبل الكرمل قبل سنين خلت، حيث فُضِحت وسائل انقاذهم الواهنة، من اسعاف وإنقاذ وتأمين السَّلامة، تُرى كيف ستكون جهوزيَّة "بيت العنكبوت" هذا لكارثة أكبر، كهزَّة أرضيَّة مثلا..
إنَّ حكومة الاحتلال تتحمَّل مسؤوليَّة تداعيات عاصفة "أليكسا" التي عصفَت، كذلك، بالجزء الثَّاني من الوطن، في الضِّفَّة والقطاع، حيث إنَّ هذه الكارثة الطَّبيعيَّة كانت مضاعفةً، وما كانت لتحصل لو لم تكن تلك المناطق من الوطن المحتلِّ رهينة وسجينة داخل الجدار العنصريِّ الفاصل والخانق، إذ دأبت هذه السُّلطات على منع إيصال وارداتهم من حاجيات أساسيَّة وغذائيَّة ووقائيَّة ويوميَّة كالماء والكهرباء والبناء..
فكم بالحريِّ وضع أسرانا الأحباء، الذين يعانون أمر الطَّاغي والسَّجَّان والجوع والعذاب والانفراد والوحدة، فإنَّ هذه العاصفة الصَّاقعة والصَّاعقة التي "زادت الطِّين بلَّة" من معاناتهم داخل السُّجون، إذ تدهورت صحَّة الاسرى المرضى، وعانى الأسرى المعافون من البرد، بعد أن تركتهم سلطة السِّجن بدون تدفئة أو غطاء أو فراش أو ثياب بديلة بعد أن غمرتها مياه الأمطار..
قلبي على شعبي تحت الخيام في مخيَّماته التي ازدادت، بين السَّماء و"البيداء" العربيَّة وأنظُرُ الى البعيد فأرى مزيدًا منها، ومن اللاجئين من أشقَّائنا السُّوريِّين فأقول لهم:
لن و"لا يدوم اغترابي" و"صبرًا على النُّوبِ"..