أنا أرتعب وأخاف اذًا أنا موجود..!!

single

"الافكار العظيمة ليست بحاجة الى أجنحة فحسب بل الى مدارج للهبوط".. عبارة قالها احد المفكرين ردا على المثل الصيني الذي يؤكد ان الافكار لها أجنحة لا بد ان تطير وتحلق. والأفكار العظيمة في شهر رمضان تهبط في مدارج الفضائيات التي تفتح أبوابها ونوافذها أمام الجماهير العربية من المحيط الى الخليج، حيث تندلق وتتدفق البرامج والمسلسلات على الشاشات لا لكي تغسل العقل والمشاعر بل لتثير الاعصاب بطريقة ركض العيون وراء الابهار.
الصراع الحاد بين الفضائيات وكأنه في حالة حرب، والفضائية المميزة هي التي تجذب ويكون عدد مشاهديها أكثر وإعلاناتها أكثر، ويبقى التساؤل دائما لماذا يحشرون البرامج والمسلسلات بهذه الطريقة الاستفزازية اللاهثة فقط في شهر رمضان. وماذا مع باقي أشهر السنة التي تعاني من الملل ومعانقة المسلسلات التركية والمكسيكية والكورية والهندية؟ ولماذا يجب على المشاهد ان يقع في فخ الحيرة بين المسلسلات العربية والبرامج التي تنتج فقط لشهر رمضان؟ لماذا يجبرون المشاهد أن يتنقل بين الفضائيات كأنه يعيش بماراثون سريع.
قد لا نعرف الاجابة الحقيقية على هذا التسونامي من الافكار التي صيغت بأشكال عديدة أكثرها مسلسلات وبرامج فنية والقليل منها ثقافية. قد يكون الشهر الفضيل هو قاعدة الابداع وإطلاق سراح المواهب من التمثيل الى الطبخ. كل شيء يبث ويتألق في شهر رمضان. فهناك في الروح والنفس حالات تضيء وتشير الى أن الفن والبرامج الهامة لا بد ان تعرض في شهر رمضان، لأن الأجواء تكون رحبة ومتسامحة وقادرة على الاستمتاع بشتى الفنون من الجيد الى الرديء، لا توجد وقفة جدية للنقد الآن، توجد فقط ساعات أيام وليال يجب أن تمتلئ.
لكن الجديد في هذا التسونامي الفضائي في شهر رمضان هو كميات الرعب والخوف والاكتئاب والارتعاش والصراخ. هناك برامج اعدت كي تخرج الناس عن أطوارهم، تعتمد على الاثارة والخوف وردود فعل الضيوف، والتي غالبا ما تكون خارجة عن السيطرة وعن الحرص البشري الذي يلون ويصبغ الشخصية بألوان الهدوء والتعقل والانضباط.
من يتأمل مشاهد الغضب والرعب والصراخ التي يقع فيها الناس في هذه البرامج لا يعرف فقط الوجه الآخر للضيف. ولكن يعرف أيضا حقيقة سلوكه وقت الازمات والضيق، تصرفه يكون خارج التوقع والإطار المرسوم، ويكون الكشف خاصة اذا كان الضيف شخصية معروفة على الصعيد الجماهيري حيث تكون المفاجأة التي تسقط الاقنعة عن وجهه. الذين يقدمون مثل هذه البرامج التي تكشف عن أعماق الشخصية وحقيقة سلوكياتها يقتحمون اسرار الشخصية. ولكن يقعون بالخطيئة الكبرى حين يصبح الغضب والشتائم والحزن والدموع تجارة للربح وتراكم الاعلانات التي يصل مردودها الى التجار. والمشاهد يضحك ويقهقه ويتمتع بوقوع غيره في حفرة الخداع. لكن لو وقع هو لتصرف بشكل قد يكون أسوأ، ولكان غضبه شلالات من الشتائم والصراخ.
أشاهد هذه البرامج التي تتاجر بالمواقف المدهشة والخوف والذعر والارتعاش والذهول، وإذا كانت الكاميرا الخفية فيها بعض الدلع وخفة الدم والمقالب البسيطة البريئة. فهناك من قضى على هذا الدلع وخفة الدم والبراءة، وحوّلهم الى مواقف مزعجة يندهش علماء النفس والاجتماع لبثها وكيف تعرض بدون رقابة. ومن يشاهد برامج مثل "رامز عنخ آمون" و"فلفل شطة" و"مقالب مذيع" و"من غير زعل" و"السيرك"، وغيرها من البرامج، يعتقد ان المواطن العربي يعيش في رفاهية ولا ينقصه إلا مواقف تثير حزنه وغضبه لدرجة الجنون. ماذا يعني انسان يجد نفسه في مقبرة فرعونية مغلقة ومظلمة والخفافيش والمومياء والثعابين حوله كيف يتصرف؟! وماذا يعني أن تصرخ مذيعة بوجه طفلة وتنعتها باتهامات، وتبقى تصرخ بوجه الطفلة حتى تنفجر الطفلة بالبكاء، ويتبين ان المذيعة تمارس لعبة الكاميرا الخفية (الفضائية السعودية اوقفت البرنامج بعد ان اصيبت الطفلة بصدمة)؟! ماذا يعني أن يقوم ساحر في سيرك بأخذ طفل من بين الجمهور ويضعه في صندوق ثم يختفي الطفل، ويبدأ الساحر بالبحث عنه بقلق، فيأتي أهله ويبدأون بالصراخ والبكاء. ثم نكتشف بعد "طلوع الروح" أن الطفل خلف الستارة بصحبة مذيعة مشاركة في خديعة الأهل؟! وضرب وطرد وتكسير في المطبخ لنكتشف انه مقلب في المطبخ والشيف مشارك في المقلب ..الخ؟!
المضحك ان المواطن العربي من المحيط الى الخليج مصاب بداء الخوف والذعر والارتعاش، ويعاني من غياب الأمن والأمان والهدوء والاستقرار. يعيش في ظلمة سياسية، وشوارعه مليئة بحالات الاختطاف والقتل والتحرش، وطرقاته عبارة عن احزمة ناسفة، والحدائق والمقاهي والاندية وحتى المساجد اصبحت مصائد لحياتهم.. كل مكان هو عبارة عن قنابل موقوتة! يخرج المواطن من بيته وهو لا يعرف اذا كان سيرجع ام سيتحول الى أشلاء يلمونها عن الاسفلت بطريقة روتينية..
لذلك نقول للذين يتاجرون ببرامج الخوف والذعر والصراخ: يكفي ما يراه ويشاهده المواطن العربي في الواقع، فهو ليس بحاجة الى برامج تصرف عليها الاموال الطائلة. ثم لماذا لا تخصص هذه الاموال لبرامج ثقافية، او حتى التبرع بها لمؤسسات وجمعيات تعود بالفائدة على الاجيال وعلى عموم الناس في عالمنا العربي الذي يئن تحت نير الفقر والجهل والتكفير..!!

قد يهمّكم أيضا..
featured

القمح لحال والزؤان لحال

featured

الازمة الاقتصادية تنزف مآسي اجتماعية ونتنياهو يرش ملحا على الجرح!!

featured

يدُ الظالم، مهما ثبتت، مرتجفة!

featured

مشروبات الطاقة اخطر من الكحول!

featured

إن كنتَ أنتَ أنا؛ فمَن أنا؟

featured

الإمبراطورية الأمريكية تسير نحو انهيار مفاجئ

featured

لذكرى المربّي منذر فرح غريب: رثاء صغير لرجل كبير

featured

حان الوقت