من أين أبدأ يا أخي الحبيب.. من قبلة الوداع الأخير أم من قبلة اشراقة الصباح حين كنت تحتضن الحياة... تحتضن الربيع.. تحتضن السهول والجبال.. الزعتر والهلايون.. تحتضن الأرض ومن يدب عليها من بني البشر.. فكلهم عندك سواسية، لم تعرف الأعداء لأنه لم يكن لك أعداء سوى أعداء حرية الشعوب، سوى المرتزِقة والمداهنين، سوى أولئك الذين رخصت نفوسهم وتنازلوا عن كرامتهم.
لقد اختلطتْ عليّ... بل هاجمتني الذكريات.. ذكريات مسيرة كم قضيتها في خدمة شعبك.. معلمًا.. مربّيًا قائدًا بدون نياشين.. سر سحرك لمحبة من تعرّف إليك هو دماثة خلقك.. تواضعك... نكران ذاتك.. صدقك.. تسامحك إلى أقصى الحدود حتى لظلم بعض ذوي القربى.. لم تطلب منصبًا ولم تتبوأ منصبًا دون جدارة واستحقاق ودون ان تملأه بما يمليه عليك ضميرك.
لم تكن تحب المنابر... كنت كالجندي المجهول... كنت تحرث عميقًا في الأرض كي ينبت الزرع بجذور قوية لا تقوى عليها الرياح العاتية.
طحنت بلا جعجعة.. لم ينطبق عليك المثل القائل "اسمعُ جعجعة ولا أرى طحنا".
لم تكن تجيد الصراخ متباهيًا بما صنعت يداك، كنت تطحن بهدوء.. تعجن بهدوء.. تخبز بهدوء على نار خافتة تخرج "العيش" من بين يدك.. لا هو عجينًا ولا هو عويصًا.. ولا هو محروقًا بل مقمّرًا شهيًا.. سهل الهضم بنيت صرحًا من الأجيال جيلا بعد جيل لم يثنك سيف الفصل التعسفي الذي كان مصلتًا على عنقك من ان تتراجع عن مبادئك. لم تكتف بتعليم الطلاب اللغة والعلوم فقط بل اصررْت على تربيتهم بان يكونوا مرفوعي الرأس شامخين بكرامتهم وبعزتهم الوطنية.
كم من جيل وجيل نهلوا على يديك العلم "مضمّخًا" بخبزك الشهي فتخرّجوا بشهادة الكرامة والعزة مع شهادة العلوم والحساب... علّمت في قرية اكسال... في سولم.. في عيلوط.. في يافة الناصرة وفي الناصرة. قطعت أميالا سيرا على الأقدام يوميًا غصت في مياه المطر والأوحال من اجل ان تخرّج الأجيال الشابة من أوحال الجهل والظلم.
لم أكن معك في مسيرتك التعليمية لكن يكفيني ان يعانقني تلاميذك معزين.. تلاميذ الأمس الذين أصبحوا اليوم رجالا كما أردتهم ان يكونوا... عانقوني وقد غصت الدموع في مآقيهم... "لقد كان أستاذي"... "لقد كان أستاذي".
أي عزاء أروع من هذا العزاء.. هذا يدل على عظمة عطائك وتفانيك، يعتزون ويفاخرون بك بتعليمك وبتربيتك.
أما عن سيرتك السياسية الاجتماعية، فهي ملحمة طويلة بدأت تتململ أنت وشلة من أصدقائك بعد ان حلت النكبة بشعبنا وقد كنت في مطلع شبابك، صدمتكم النكبة لكنها لم تقتل الأمل فيكم فأقمتم ناديًا أسميتموه نادي الأمل، وللأسف هاجمتكم زبانية السلطة ومخابراتها.. أرهبت البعض فتفكك النادي لكن الأمل لم يفارقك لقد رأيت النور في آخر النفق.
تطورت مسيرتك إلى صداقة وثيقة مع الحزب الشيوعي... التقت أفكارك مع خطه السياسي والاجتماعي وواصلت طريقك فساهمت في إقامة جبهة الناصرة الديمقراطية.
هذا بالإضافة لمساهمتك في دفع وتطوير عمل مجلس الطائفة العربية الأرثوذكسية في الناصرة.
كذلك مساهمتك في بناء كتلة المعلمين الديمقراطيين التي كسرت شوكة السلطة المسلطة على رقاب المعلمين.
ساهمت في لجنة أصدقاء مستشفى الناصرة التي عملت على مساعدة المستشفى في تطوير وتقدم عمله خدمة لأهالي الناصرة والقضاء.
ساهمت بدعم مؤسسة "البسمة" التي اهتمت وما زالت قائمة على خدمة الفقراء والمعاقين.
ساهمت بل قدت لجنة الإدارة لفرقة الرقص الشعبي والحديث "موال" التي تميزت باختيار الفن الموجه الذي بث روح التحدي والأمل.
وماذا بعد.. بعد ان تقاعدت نهائيًا عن مجال التعليم والتربية عملت متطوعًا في مؤسسة التأمين الوطني كي تساعد "الغلابى" في الحصول على حقوقهم الضائعة في هذه المؤسسة.
لم تكتف بذلك فأنت لا تحب العمل المبتور غير المتكامل فاشتركت في دورة تعليمية تابعة لمؤسسة التأمين الوطني أردت ان تتعلم فيها أنظمته وقوانينه من اجل ان يكون عطاؤك كاملا غير منقوص.
لكن ماذا أقول لك يا أخي الحبيب.. ما لم تحصل عليه في حياتك حصلت عليه بعد فراقك..
أقول فراقك لأني لا أحسبك في عداد الأموات، أنت فقط انفصلت عنا.. فارقتنا ربما إلى أقصى الغرب أو أقاصي الشرق لكنك بقيت في وجداننا.
أراني يوم فراقك حيث كنت اجلس في قاعة العزاء التفت يمنة ويسرة ابحث عنك.. لماذا لست موجودا بيننا، يا الله ما هذه اللوثة التي أصابتني... أنت مسجّى في نعشك ودموع محبيك تنهمر بهدوء... وهم كثر وأنا ابحث عنك وعلى يميني وعلى يساري لأنك هكذا عوّدتنا في كل مناسبة سواء أكانت عزاء أم فرحا لم تكن تخلو من حضورك.
إن ما حصلت عليه بعد فراقك هو حب هذا الجمهور الصادق الذي أتى معزيًا ليس مجاملا... لا.. وليس "رفع عتب أو تتميم واجب" هؤلاء الأحباء أتوا والألم يعتصر أفئدتهم ليردّوا بعضًا من جميل صنعك، لقد اثبت شعبنا للمرة الألف انه يقدر العطاء.. يقدر التواضع.. يقدر التضحية.
فيا أحبائي الذين انتم على نهج أبي فرح.. على طريق أبي فرح.. لا تبخلوا في عطائكم.. في تضحياتكم.. فان لم تحصلوا على كلمة شكر أو تقدير في حياتكم ستحصلون عليها دموعًا ساخنة يوم فراقكم.
أخي الحبيب.. لقد تركت عائلة متماسكة متحابة.. زوجة أولادًا وأحفادًا تمامًا كما أردتهم ان يكونوا.
ربما خالفوا وصيتك بأمر واحد فلقد غافلوك وأنت مسجّى فذرفوا دموعهم غزيرة ساخنة لفراقك.. وأنت أردتهم ان يكونوا فقط باشّين مبتسمين.
لا تقلق يا أخي الحبيب فانهم على مثالك في النشاط والعطاء وفي المحبة، اوليسوا هم أولادك وأحفادك.
نم يا أخي قرير العين فالدنيا ما زالت بخير كما أردتها ان تكون والأمل ما زال يشع في آخر النفق.
