لم أسكن في مدينة الناصرة الجميلة ولكنّ مدينة البشارة، مدينة السيّد المسيح، مدينة الشاعر الذي قال: "أنا من هذي المدينة" عاصمة الجليل، سكنت فيّ منذ عشرات السنين، وتعلّق فؤادي بمعالمها وبناسها وبتاريخها وبرائحة ياسمينها وبأحيائها: عين العذراء، كنيسة البشارة وعبق التاريخ العتيق والجامع الأبيض، مسجد السلام وكنيسة البشارة الجديدة، ساحة أول أيّار وبيت الصداقة، الكازانوفا والسوق البلديّ القديم وبائعو التحف والبهارات، أبو اليتامى وجبل القفزة، الحارة الشرقية وحارة الروم والنمساوي وبير الأمير، الخانوق والسيباط وطلعة مسمار، مركز محمود درويش الثقافيّ ومكتبة أبو سلمى، مدارس الناصرة البلديّة والرسميّة والأهليّة، و.... كنافة الناصرة وهريستها.
كتابيّ الأول ذو الغلاف السماويّ اشتراه لي والدي من مكتبة في الناصرة في العام 1952 وحينما عاد إلى بيتنا في القرية أخرجه من "عُبّ قمبازه" وقال لي: اقرأ! ومنذ ذلك النهار أدمنت على القراءة، وأمّا مجموعتي القصصية الأول فقد صدرت في شهر شباط 1964 عن مطبعة الحكيم في الناصرة وصدر لي بعدها عشرات الكتب ولكنّ ميلاد الكتاب الأول مثل ميلاد الابن البكر لا يُنسى.
كانت المظاهرة الأولى التي شاركتُ فيها في أواخر الخمسينات في شوارع الناصرة، وكان العمل التطوعيّ الأول الذي ساهمتُ فيه في أحياء الناصرة مع مئات الشبان والشابات من الجليل والمثلث والقدس والضفّة الغربيّة، أيام العمل التطوعيّ، العرس الوطنيّ السنويّ الذي ابتدعته جبهة الناصرة. وكان أهل الناصرة أول من هتف "فليسقط الحكم العسكريّ" وكانوا في طليعة الذين نادوا بحق تقرير المصير للشعب العربيّ الفلسطينيّ فتصادموا من السلطة ومع الشرطة وغنّى المغنّي الشعبيّ يومئذ "الناصرة ركن الجليل، فيها البوليس مدحدلي".
عرفتُ العديد من النصراويّين الطيّبين الوطنيّين وصادقتُ العشرات منهم فما لمستُ يوما أو شممتُ انتماءً طائفيّا فالنصراويّون عروبيّون حتى النخاع وفلسطينيّون حضارةً وتراثا وفكرا وممارسةً.
وكان انتصار جبهة الناصرة بقيادة الشاعر الوطنيّ الكبير توفيق زيّاد في 9 كانون الأول 1975 حدثا تاريخيا مفصليا في تاريخ الناصرة وتاريخ هذه الأقليّة الفلسطينيّة الصامدة المنغرسة في وطنها، وساهم هذا النصر في اجتراح يوم الأرض ونجاحه، وفي يوم المساواة وأيام وطنيّة أخرى لا تنسى، وجعلنا نقول بعزّة وفخر في كلّ مكان في الدنيا: أنا من الناصرة أنا من هذي المدينة". و على مدار أربعة عقود حمت قيادة الناصرة المجرّبةُ والحكيمةُ المدينةَ وأهلها من الدسائس والمؤامرات السلطويّة والطائفيّة كما متّنت النسيج الاجتماعيّ بين أحيائها وبين عائلاتها وبين أبنائها وبين بناتها.
ليست الناصرة مدينة للنصراويين وحدهم بل هي مدينتنا. مدينة كل فلسطينيّ أينما كان. مدينة أهل الجليل والمثلث والنقب. مدينة أهل الضفة الغربيّة وقطاع غزة والشتات. مدينة المثقفين والوطنيّين. مدينة الشعر والأدب والمسرح والفنون. مدينة الشبّان والجيل الجديد. مدينة الرجال والنساء. مدينة توفيق ومطلق وعبد الرحيم وإميل ومسمار وغيرهم.
لن ينسى النصراويون وصيّة قائدهم التاريخيّ أبي الأمين "ديروا بالكو على بعض" وستبقى الناصرة على العهد ويبقى كل واحد منا يقول بفخر وعزّة "أنا من هذه المدينة" !!
