فيصل الحسيني جرح القدس المفتوح

single

في ذلك الصباح الباكر، وكما في كل صباح، جاءني صوته المرح دائماً يسأل عن مكان وجودي. كانت الساعة السابعة والنصف صباحاً وكنت في البيت. كان في بستان أحد فنادق القدس، بعد دقائق قابلني هناك واستقبلني واقفاً مشيراً باعتزاز إلى وسط جسده، فلقد أنهى ساعة من الرياضة الصباحية التي كانت وراء فقدانه لبعض الكيلوات الزائدة من وزنه. كان هادئاً، مرحاً سعيداً، حمرة وجهه كانت أجمل من صباح القدس الذي غلبه كسل أيار. راجعت معه بعض الملفات وبعد حين ودعته ليرحل إلى الكويت التي لم يزرها أي فلسطيني منذ العام 1990. ذهب ليدمل جرحاً خلفته "حرب الأشقاء" وما رافقها من تداعيات الموقف الفلسطيني الرسمي الذي لم يكن شريكاً له.
في الكويت، وفي إحدى غرف فندق "كراون بلازا"، لم يفق فيصل الحسيني وأفاق العالم ليسمع أن قلبه توقف، وهكذا أعلنت الوفاة وسببها.
تسع سنوات مضت، كان فيصل خلالها حاضراً في كل مشهد وحادث في فلسطين، وفي القدس أكثر. كثيرون رددوا أن فيصل قتل، وكان الفعل دائماً يردد بصيغة المبني للمجهول، إلى أن بدأ الإعلام في هذه الأيام يتناقل خبر وفاته وعزم سلطات دولة الإمارات العربية المتحدة وكذلك الكويت على فتح تحقيق جدي في أسباب الوفاة. الجديد في هذه المسألة هو ما نقل على لسان نجل فيصل، الأخ عبد القادر، الذي لم ينف موقف العائلة بوجوب إجراء تحقيق جدي في حادثة الوفاة.
لا مجال ولا وقت للحديث عن حقبة فيصل الحسيني ودوره في النضال الوطني الفلسطيني بشكل عام وفي القدس خاصة، فهو بلا شك شكل حالةً متميزة، حولته إلى شوكة في حلق الاحتلال وبوصلة بفقدانها ترهلت الحالة المقدسية وتقهقرت لتصل إلى حافة الهاوية. كان إنساناً بامتياز ومناضلاً شرساً عنيداً بامتياز ومحاوراً دمثاً حذقاً بامتياز. كان فيصل قائداً بكل جوارحه وسياسياً فرض احترامه على الأعداء قبل الأصدقاء.
قبل الكويت دعي فيصل للقاء وفد يمثل الوكالة الصهيونية. حضر عشرات ممن مثلوا دولهم في هذه المؤسسة. كان اللقاء في أحد المواقع في القدس الشرقية. قبالتهم تحدث فيصل بثقة آسره وبخطاب واضح لا لبس فيه. حدثهم كأعداء وهو صاحب حق يناضل من أجل حرية شعبه. حدثهم عن حلمه الفلسطيني الكامل الناصع وحدثهم عن واقع يجيز بعضاً من حلم وقال احلموا كما شئتم وعيشوا لكن ليس على جثاميننا ولا على أساطير سلبت منكم الإنسان. كان صلبا كالماس وحاداً كشفرة سيف من ذهب، سلساً كجرعة ماء تروي العطش.
صفق المستمعون لفيصل بحرارة شديدة استفزت من رافقهم من وزارة الخارجية الإسرائيلية وهذا سارع هامساً في أذني أنهم أغبياء لم يفهموا ما قاله الرجل وأصر أن ما حدث مصيبة كبيرة. غادروا بعد أن تعمد كل واحد منهم مصافحة فيصل، أما الغبي المرافق لهم فغادر متمتما أنهم أغبياء وأن ما حصل كان مصيبة!
في الكويت حلَّ فيصل ضيفاً على "المؤتمر الشعبي لمناهضة التطبيع مع الكيان الصهيوني في الخليج". كان الفلسطيني الأول الذي يزور الكويت. ذهب وكان يعلم أنه سيصادف بعض الأصوات الناشزة التي لن ترحب به، لكنه كان أهلاً وجاهزاً لاستيعاب مثل هذه السلوكيات. تاريخه وما كابده عبر عقود من عمل صقله ليكون سياسياً بارعاً.
في بيت الشرق وفي منظمة التحرير وفي جميع المواقع التي عمل من خلالها عايش فيصل يومياً وفي كل لحظة مآسي أبناء شعبه. لم يتخل عن أية قضية، مهما صغر حجمها أو كبر وزرها، وفي وجه كل ذلك صمد قلبه القوي المعافى، كما ظهر في آخر فحص طبي أجراه في مستشفى المطلع المقدسي، حينما استنشق مع رفاقه غازاً مسيلاً للدموع أطلقته عناصر الاحتلال الإسرائيلية عليهم في مظاهرة في بيت حنينا. أصيب فيصل ونقل إلى المستشفى. خضع لعدة فحوصات بينت أنه سليم باستثناء ما عاناه من حالة "أزمة" عادية مزمنة.
في الكويت وفي ذلك اليوم أنجز فيصل جدول أعماله وعاد مساءً إلى الفندق. ودع اثنين من الوفد المشارك وفي طريقه إلى المصعد قابله اثنان يلبسان "الدشداشة" الخليجية. صافحاه وعانقاه بحرارة وتركاه. أخبر فيصل مرافقه أنهما سعوديان طلبا الاجتماع به وأنه سينتظرهما في غرفته في الفندق. انتظر فيصل في غرفته وبعد نصف ساعة اتصل بمرافقه مخبراً أنهما لم يحضرا وأنه سيغير ملابسه وينتظرهما "بدشداشته". مضت نصف ساعة أخرى ولم يأتيا. عاد واتصل بمرافقه ليعلمه أنه متعب وسيأوي إلى فراشه طالباً إفاقته إذا ما عادا. كانت الساعة قريبة من منتصف الليل. لم يعودا ونام فيصل بعد أن أكد على مرافقه إفاقته الساعة السابعة صباحاً ليتسنى له ممارسة رياضته الصباحية.
في الصباح دخل المرافق ووجد فيصلاً نائماً بوضعيته المألوفة العادية. كان جسداً روحه عادت إلى القدس التي لم تبرحها أبدا. حضر من حضر وسألت الكويت المحرجة عن موقف العائلة إزاء هذه المصيبة. احتسبت العائلة أن ما حصل قضاءً وقدراً وعارضت تشريح الجثمان. هكذا كان والبقية تاريخ ويوم، عاد فيه فيصل إلى القدس ليحررها مع الآلاف، فلسطينية خالصة كما أراد واشتهى. 
بمواقفه ونشاطه اليومي ورؤياه السياسية الجامعة الموحدة في القدس، وعلى مستوى الوطن، نجح فيصل بفرض حالة حولت القدس عملياً إلى عاصمة فلسطين وحولت بيت الشرق مركزاً سياسياً اجتماعياً ثقافياً جامعاً وقلباً ينبض لهذه العاصمة. أهم ما فرضته حالة فيصل الحسيني في القدس أنها خلقت نوعاً من المظلة الوطنية لم يجرؤ أحد على اختراقها وهذه شكلت حزام أمان ضمن جاهزية وطنية مستمرة لمجابهة السياسات الإسرائيلية والإبقاء على واقع فلسطيني لا يمحوه التعسف الإسرائيلي سواء على المستوى السياسي/القانوني ولا ما قد يجنيه من تغيير لواقع جغرافي/ديمغرافي كما حصل ويحصل بعد رحيله.
كان فيصل بلا شك أخطر وألد أعداء إسرائيل، تلك التي لا تريد سلاماً ولا تعايشاً مع الفلسطينيين. ولم يكن فيصل عدواً، بهذا المعنى، لأي جهة أخرى حتى وإن تخيل البعض أن أعداءه كانوا كثراً.
ما ورد من أخبار يفيد بأن تحقيقاً رسمياً وجدياً قد يفتح في قضية وفاة فيصل الحسيني في الكويت. أنا، ومثلي آخرون، ننادي بوجوب إتمام هذه العملية. آمنت في حينه وبعد اطلاعي على تفاصيل كثيرة أن هنالك حاجة لإجراء هذا التحقيق، ذلك لأنني أعتقد أن السؤال كان ولم يزل هل قتل فيصل الحسيني أم لا؟! سؤال يتعدى معرفتنا لحقيقة ما جرى فبغياب فيصل شهدنا ونشهد من المآسي ما كان لا يمكن أن يحصل بوجوده.

قد يهمّكم أيضا..
featured

"نتقاتل مَن يحرس بوابة السجن لإسرائيل"؟!

featured

- برشلونة وريال مدريد –

featured

جرائم الاحتلال ومواعظ الاستنكار!

featured

مبروك للاتحاد عودتها إلى مقرها التاريخي: كي تواصل دورها

featured

تشتت الخارطة السياسية الإسرائيلية، عوامل وتأثيرات (2-5)

featured

هل يستقبل براك بالورد في تركيا ؟