تمر في حياة الانسان احداث يصعب عليه إيجاد الكلمات التي تعبر عن شعوره وتصف احساسه لهذا الحدث او ذاك، فيلجأ الى الصمت الثقيل العميق وهذه الصورة كانت واضحة على كل واحد منا بسبب رحيل ابي شرف.
لا ابالغ بان كلمات عنوان هذا المقال بعمق وحدود معانيها لا تفي حق هذا الانسان وهذا الامر لا يختلف عليه اثنان ليس في طمرة فقط بل في خارجها وكل من سمع عنه وعرفه. يوم الاحد 11.2.2018 وبعد منتصف الليل كانت الايام الأخيرة في حياة ابي شرف حيث فارقتنا روحه الطاهرة. لقد كتب عنه الكثيرون في شبكات التواصل الاجتماعي والجرائد،وساحاول ان لا اكرر ما كتب عن هذه الشخصية الوطنية الكريمة.
ولد ابو شرف في 1939 في قرية الدامون المهجرة واستقر في طمرة الى جانب عشرات العائلات المهجرة من القرى المجاورة حيث استقبل أهالي هذا البلد الطيب الكُرماء برحابة صدر وتقاسموا معا البيوت ورغيف الخبز وشُربة الماء وعاشوا سوية باحترام متبادل بالرغم من مرارة التهجير وكان المرحوم دائما يشكرهم ويشكر اهل القرى التي استقبلت المهجرين.
كون ابي شرف الابن البكر عمل في مجال البناء في سن مبكرة ليساعد في اعالة عائلته ولتوفير لقمة العيش الكريم. وفي هذه الاثناء انخرط في صفوف الحزب الشيوعي هذا الحزب الذي احبهُ ونشأ وترعرع على مبادئه. وبقى دائما شيوعيا صلبا اصيلا حتى النخاع كان كحد السف في كل مكان وزمان، يدافع بقوة عن هذا الحزب وسياسته الحكيمة التي تؤدي الى السلام العادل والشامل والدائم لكلا الشعبين.
ودائما كان في طليعة المُناضلين وشارك في كل معارك شعبنا طوال حياته.
أبو شرف كان المنارة والفنار للعطاء وعنوانا واضحا للكرم ومحط انظار لعمل الخير والإحسان، لم يبخل في القيام بأي عمل انساني بل كان يفتش ويبحث مع زملائه من خلال "صندوق المرحوم أبو احمد السمور" اين يمكن المساعدة وبتنسيق مع مكتب الرفاه الاجتماعي ومديرته المحترمة السيدة رحاب زيداني. وعرفتُ انه ساعد مئات العائلات المستورة (سنة 2014 300 عائلة) بالمواد التموينية والملابس وغيرها وكذلك في شراء الادوية الغالية غير المشمولة في سلة الدواء لمرضى السرطان لكافة شرائح المجتمع، وكان للأطفال نصيب في القيام بأي كبير علاوة على مساعدة المحتاجين من زرع كلية وكبد.
لم يتردد أبو شرف في رسم الابتسامة على وجوه الأطفال فيقوم بزيارتهم في مستشفى رمبام (حيفا) ويوزع الهدايا عليهم بدون فرقٍ بين يهودي وعربي، وللمدارس أيضا حصة في كرمه فيُساهم في الوجبات الساخنة للطلاب وشراء الكُتب والدفاتر والقرطاسية، وكذلك في تحمل نفقات الرحلات ليدخل الفرحة الى قلوبهم فكان يطبق قول شاعرنا توفيق زياد :" اعطي نصف عمري لمن يجعل طفلا باكيا يضحك".
وقد شملت مساعدة المرحوم بيت النور ومدرسة نعمات ومدرسة ذوي الاحتياجات الخاصة. ولا انسى مساعدته لكثير من البيوت نتيجةً للكوارث الطبيعية وغيرها.
الانتماء الى وطنه وبلده كانت نقطة انطلاق أساسية ومركزية في عمله الى جانب اخلاصه ووفائه لكل خطوة كان يخطوها، الدقة والتنظيم شعار له، الأمانة قلب عمله النابض حتى قال لي احد الأصدقاء بان الأمانة تستمد مبادئها وغذاءها من امانته وقد أصاب هذا الصديق في قوله.
رأى مكتب الرفاه الاجتماعي في طمرة ومديرته رحاب زيداني ترشيح اسم المرحوم الى لجنة اختيار المتطوعين النشيطين قطريا ضمن "مشروع حياة" برئاسة البروفيسور عيديت فايس في جامعة تل ابيب (قسم الرفاه الاجتماعي) وحصل على المكان الأول دون منافسة من بين عشرات المتطوعين وجرى تكريمه في 30.10.2014 حيث حصل على وسام ودرع الوزارة وقال معلقا على هذا الفوز: "ان هذا التكريم ليس لي بل هو لاهالي طمرة جميعا ولولاهم لما وصلتُ الى ما وصلت اليه".
والجدير بالذكر بان رفيقنا أبا شرف حصل على درع وشهادات تقدير على عمله من مؤسسات كثيرة في طمرة وخارجها.
الحاجة ام شرف جناحه الثاني عملت ممرضة عشرات السنين بإخلاص وتفانٍ مما اكسبها محبة الناس حتى خرجت الى التقاعد وتم تكريمها على عملها من مؤسسات كثيرة والى جانب عملها كانت ربة بيت ماهرة وناجحة وضحت من اجلها ذلك بالكثير اطال الله في عمرها.
أبو شرف مدرسة للمبادئ الإنسانية، للعطاء والكرم، للامانة والوفاء والإخلاص، للعمل التطوعي أقول هذا بكل راحة ضمير ولا مبالغة بهذه الكلمات لانني عشت معه عشرات السنين.
أبو شرف فقيد طمرة كما قال عنه الكثيرون وكما اجمع الكثيرون ممن عرفوه وكل الاطياف في طمرة أجمعت على ذلك. لقد ترك ارثا هاما بحياته وعمله. أولاده الثلاثة شرف ،بلال واحمد سيحملون الراية من بعده . لانهم خير خلف لخير سلف، لم ولن ننساك يا ابا شرف فانت معنا وبيننا ، انت حي في قلوبنا وفي عقولنا.
رحمك الله واسكنك فسيح جناته
(طمرة/ الدامون)
