لا تباهيًا ولا فخرًا، بأني كنت أحد الذين رفضوا فكرة "القائمة المشتركة"، خاصة وان يتحالف الشيوعيون مع الإسلامية او التجمع. وقد كنت أُفضل ألف مرة انشاء قائمتين، واحدة برئاسة الجبهة ومن يسير الى حد ما مع فكرها ومبادئها، وأخرى للإسلامية والتجمع. بيد انه على الانسان ان يحكّم العقل في موقفه إزاء الظرف والواقع الذي يعيش فيه. وليس سرًّا ان رفع نسبة الحسم لدخول اية قائمة الى الكنيست، جاء بهدف اقصاء العرب، وجعلهم خارج المنظومة السياسية لهذه البلاد. وان من وقف بصلافة وراء هذا الامر كان ليبرمان وامثاله، وبرأيي ليس سرًّا أيضًا ان بعض النواب يتأرجحون في هذا المنصب للغواية والكسب المادي، وللتمتع بثوب الزعامة التقليدية لا أكثر، الا ان هناك من هم جديرون بتحمل هذا العبء للتصدي لسياسة الغطرسة والعنصرية، والقيام بواجب العمل السياسي المشرّف والمعبر عن تطلعات جماهير شعبنا هنا، وفي كل مكان. كما ان وجود ممثلي الحزب والجبهة وما يتحلون به من صدق ومصداقية، يبقى بنظري هو الأمل الذي اعوِّل عليه.
فها هي الأحزاب المندمجة في "القائمة المشتركة" لم تغير أي شيء من برنامجها او مبادئها او فكرها السياسي والاجتماعي. الا ان ما يجمع بينها من أساليب في العمل السياسي للتصدي للسياسة العنصرية في هذه البلاد أكثر بكثير مما يفرقها، ففي معظم مراحل ومواجهات اليمين المتطرف او سياسة التفرقة والتمييز العنصري، كانت دائمًا تتخذ مواقف متشابهة الى حد التطابق. وبما ان المجال يبقى متاحًا للاختلاف بالرأي والاجتهاد كلٍ من موقعه، ومتابعة مسيرته النضالية بالوسائل والطرق التي تناسبه وتتوافق ومبادئه وفكره السياسي والاجتماعي، فان الامر واضح وجلي لمن يريد ان يكون واقعيًا ومتفهمًا لظروف هذه المرحلة.
لا يمكنني ولا بأي شكل من الاشكال ان تتوافق مبادئي مع مبادئ أي فكر طائفي اثني رجعي، او اية طروحات محدودة الآفاق للمفهوم الثوري في احقاق حقوق الشعوب، في أي مكان واي زمان على هذه الأرض. ولا يعني قبولي بالعمل المشترك مع قائمة او حزب ذي صبغة دينية او قومية قبلية انني سأتبع سيرته ومسيرته. واذكر من خلال الممارسة العملية في صفوف الحزب الشيوعي، وعن قناعة تامة، ان قطار الثورة يسير وينتقل من محطة نضالية الى أخرى، يصعد خلال هذه المسيرة العديد العديد من البشر، منهم الانتهازيون والمستغلون والعابثون، منهم من يسافر معك لمسافة ما ومن ثم يترك او يغير طريقه ووجهته، ومنهم من يخون، ومنهم من يتسلق على اكتاف القاعدة الجماهيرية لهذا النضال، ومن ثم يبيع كل شيء من اجل مصلحته الذاتية، الا ان القطار يتابع مسيرته بمن يبقى فيه من المخلصين الثابتين في مسيرته حتى النهاية، ومما جاء في كتب لينين مقولة هي "وتأتي الضربات الأخيرة التي تحمل في احشائها عشرين عامًا من النضال" فمن الغباء ان نعتقد ان خلف كل ضربة معول، ستكمن قدرة حرث الأرض لتنبعث منها الخيرات لجميع البشر. انه العمل الدؤوب المثابر دون كلل، هو الذي سيوصل في يومٍ من الأيام، صراع الإنسانية الى عدالة تسود بني البشر.
ونحن في خضم هذا الصراع السياسي، بوجه قوى مسيطرة طاغية، تسيّر موكب هذه البلاد نحو الهاوية، وبما اننا جزء منها، وجزء حي من شعبنا الفلسطيني المشرد، والذي ذاق وما زال، مرارة التهجير والظلم من جراء الاحتلال، ومؤامرات الثالوث الدنس للامبريالية والصهيونية والرجعية العربية. فانه يتوجب علينا ان نحكِّم العقل بدل العاطفة. وان نحاول الاستفادة من ظرف سياسي كي نحقق هدفا ما، يمكنه ان ينتقل بنا الى مرحلة أفضل.
إن كل الدلائل تشير، ومن خلال استطلاعات للرأي، نشرتها بعض الصحف الإسرائيلية، ان هناك إمكانية جيدة لنجاح "القائمة المشتركة". وبالمقابل هناك توقعات على ان قائمة ليبرمان "إسرائيل بيتينو" آخذة بالهبوط او ربما بالسقوط نهائيًا. ولربما أكون مفرطًا في التمني، في ان تسقط هذه القائمة العنصرية الفاشية "قائمة ليبرمان" ونجاح "القائمة المشتركة". وان نجاح "القائمة المشتركة" وخاصة بتركيبتها العربية اليهودية التي توجها الحزب الشيوعي والجبهة بموقفهما الثابت، هو دعوة أخرى لتفهم ضرورة دعمها والوقوف الى جانبها ولو في هذه المرحلة فقط.
أما بخصوص الالتزام الحزبي، المنبثق من الفكر اللينيني للتنظيم، والقائم على أساس المركزية الديمقراطية، فأن قرار الأكثرية يلزم الأقلية، ويحتم على كل من ينتمي الى هذا الخط السياسي، ان يتحمل المسؤولية في الدفاع عن قرارات هذا التنظيم والعمل على تنفيذ هذه القرارات. ولمن يغالط او يفلسف الأمور بشتى الوسائل والأفكار التي تنتقد هذه الخطوة، في التزام الجبهة والحزب بخوض المعركة الانتخابية مع "أعداء" الامس، دون الاخذ بعين الاعتبار انه كان هناك مؤتمر قررت فيه الأغلبية ان يذهب الحزب والجبهة في هذا الاتجاه. اعتقد ان عدم الالتزام والاعتراض على هذه الخطوة، يعود لدوافع أخرى شخصية، او ان من يعتقد غير ذلك، فهو كالذي لا يستطيع ان يتحرر من التزامه لذاته ولفكره وخصوصيته. ولا اريد ان أقول انه يأتي من باب، خالفْ تعرفْ!
نحن أمام مرحلة جديدة، ربما، وعلينا ان نعمل كي يصل اكبر عدد من النواب العرب واليهود "غير الصهاينة" الى الكنيست، لا لشيء عيني، بل ليكونوا فقط، شوكة في حلق الآخرين، وان يصرخوا في وجه الفاشيين، بل ان يبصقوا في وجوههم ويعملوا على تعرية "الديمقراطية" الاسرائيلية المزعومة. وعلينا ألا ننسى ان هناك العديد من الشخصيات العربية "التمثيلية" التي انخرطت في احزاب صهيونية معتدلة وأخرى فاشية، مما يحتم علينا، في مثل هذه الظروف، ان لا نترك الساحة لهم، حتى لا يظن القاصي والداني انهم يمثلون جزءًا هامًا من جماهير شعبنا، انما هم ادوات في ايدي من اختاروهم لتلميع صورتهم أمام الرأي العام، محليًا ودوليًا!!
هناك مجال للاجتهاد فكريًا وفلسفيًا حول مصداقية تشكل "القائمة المشتركة" وهناك الكثير من المنطق في نقدها، والخوف من ألا تؤدي دورها المناط بها، وان لا تكون بمستوى التطلعات والآمال المعلقة عليها، كل شيء متاح، في خضم الاحداث التي تسيطر على المنطقة بشكل عام، وعلى البلاد بصورة خاصة. وان الدعوة الى المقاطعة هي شرعية أيضًا، إلا انه ما دامت المقاطعة محدودة جدًّا، ولا يمكنها ان تشكل أكثر من جزء يسير، سيترك المجال أمام القوى السياسية الصهيونية لتجول وتصول في احيائنا وبلداتنا، ولا نملك تلك الوسائل الرادعة لها، ذلك لأن نسبة لا بأس بها من ابناء شعبنا يعملون في اروقة وادارات المؤسسات الحكومية، وينصاعون لوجهة مصالحم الذاتية، عدا عمن بهرتهم اضواء "الديمقراطية" اليهودية، وما يعتبرونه العيش الكريم في ظل هذه الدولة، مقارنةً بما يحدث في بلاد العرب، كل ذلك بإمكانه ان يؤدي الى حالة من الضياع والهرولة خلف "مقاولي الاصوات" والوعود الكاذبة، حتى نجد انفسنا "كأننا يا بدر لا رحنا ولا جينا".
هي قائمة مشتركة وليست قائمة موحَّدّة، والفرق بين الحالتين بيّنٌ لا لبس فيه. وبالمفهوم الوجداني للمعنى، فإن الموحَدّة غير المشتركة، وهي ايضًا غير الشراكة والمشاركة. وعليه فان تسمية القائمة بـ "القائمة المشتركة" لم يأتِ عبثًا أو مصادفة، فهو تعبير حقيقي عن تشكيلها ومضمونها. مما يعطيها المصداقية على انها تعبر عن مضمونها، ولا تدعي ما ليس فيها.
ربما دون قناعة تامة، بأن التصويت للقائمة المشتركة، هو الصواب، إلا ان البديل لذلك، هو اللاشيء! وهذا اللاشيء، لا يمكنه ان يشكل حالة تؤثر على ما يمكن أن يكون. من هنا اجد انه يتوجب التصويت الى هذه القائمة. وليصوت كل الى الحرف الذي ينتمي اليه، فأنا كشيوعي سأوصت من خلال الصوت (و.ض.ع..م) الى حرف (و). وليصوت كل الى حرف قائمته، حتى وان كانت هذه الحروف مجتمعة في ورقة واحدة! صوتوا (و.ض.ع..م) وليعتبر كل واحد منكم انه يصوت لقائمته وحزبه! والى ان تنتهي هذه المرحلة نعود ونعيد النظر فيما نحن مقدمون عليه، وعندها على كل ذي قدرة على المبادرة وطرح الافكار ان يقوم بواجبه تجاه مستقبل هذه الجماهير، وعليه ان يناضل بكل ما يملك من قوة ووسائل لتصحيح المسيرة، حتى لا يكون ما نقوم به آتيًا من باب "أضعف الإيمان".
