تقلبات التحالف السياسي لدى حركة الإخوان المسلمين

single

     تتفق حركة الإخوان المسلمين مع تنظيم القاعدة في الصومال وتتحالف معه لمواجهة نظام شيخ شريف شيخ أحمد الأصولي الإسلامي المعتدل، ويعملان معاً على إسقاطه، تحت حجة تفاهمه مع أثيوبيا التي انسحبت من الصومال، بعد تدخل إفريقي ودولي متعدد الجنسيات.
     تحالف حركة الإخوان المسلمين مع تنظيم القاعدة في الصومال، يعتمد على دعم وإسناد نظام أسياس أفورقي في أرتيريا الذي يدعي ويتباهى بأنه غير عربي (مع أن أغلبية سكان أرتيريا من العرب) وأنه غير إسلامي (مع أن أغلبية سكان أرتيريا من المسلمين) ومما يدلل على أن التحالف الثلاثي بين أرتيريا وحركة الإخوان المسلمين وتنظيم القاعدة تحالف مصلحي انتهازي غير مبدئي يستهدف فقط إسقاط نظام المحاكم الشرعية الإسلامية في الصومال المتفاهم مع أثيوبيا.
     وهذا التحالف اللامبدأي يكشف أن الصراع الصومالي بعناوينه البارزة، هو صراع أثيوبي أرتيري تغذيه المصالح الأجنبية الدولية، وأدواته الصومالية تتقاتل لأسباب ودوافع حزبية لا تراعي المبادئ أو المصالح العليا للشعب الصومالي، ولا تتحسس معاناته الدائمة وعذاباته اليومية، رغم أن طرفي هذا الصراع، يخوّنان بعضهما البعض، ويكفر أحدهما الآخر، فالدين لدى الطرفين وظيفة فاقعة يستعمل لخدمة أغراض وأهداف المتصارعين، وهذا يذكرنا بالجهاد الإسلامي الذي كانت تقوده الولايات المتحدة الأميركية بأدوات ومنظمات وحركات إسلامية وفي طليعتها حركة الإخوان المسلمين طوال الحرب الباردة لمواجهة الاتحاد السوفييتي والاشتراكية وحركات التحرر الوطنية، وخاصة في حرب أفغانستان، ولما انتهى الاتحاد السوفييتي وهُزم في الحرب الأفغانية، أصبحت الحركات الإسلامية التي قاتلت تحت الراية الأميركية الجهادية، مجموعات مطاردة وإرهابية وفاقدة للشرعية بعد أن أزيل الغطاء الأميركي عن جهادها، فالدين تم توظيفه لمصلحة أميركا من قبل الحركات والبلدان الإسلامية لمواجهة السوفييت والشيوعية، ولما إنفك التحالف المصلحي طوال الحرب الباردة، تحولت الحركات الأصولية لتستعمل الدين غطاء لحربها ضد أميركا.
     حركة الإخوان المسلمين إذن تتحالف مع تنظيم القاعدة في الصومال، ولكنها تقاتلها في العراق، وذلك بسبب أن خيار ومصلحة الإخوان المسلمين الحزبية في العراق، التحالف مع الولايات المتحدة، والاعتماد على قواتها الأميركية لإسقاط نظام حزب البعث والرئيس الراحل صدام حسين، وهي تعمل اليوم على محاربة تنظيم القاعدة الذي أعلن الدولة الإسلامية من طرف واحد في عهد أبو مصعب الزرقاوي ويواصل طريقه أبو عمر البغدادي، وتقوم حركة الإخوان المسلمين بذلك متحالفة مع القوات الأميركية المحتلة وباعتبارها جزءاً من النظام السياسي الذي ولد في أعقاب الاحتلال الأميركي وسقوط نظام حزب البعث ورحيل الرئيس السابق صدام حسين.
     تنظيم القاعدة في العراق يتحالف مع ولاية الفقيه الإيرانية، ويعتمد على طهران في مواجهته ضد العربية السعودية وضد اليمن، حيث يقود هذا التنظيم معظم العمليات ويخطط لها سيف العدل المقيم في طهران، وهو الرجل الثالث في تنظيم القاعدة بعد أسامة بن لادن وأيمن الظاهري، مثلما أيضاً يقيم إبن أسامة بن لادن في طهران تحت حمايتها ويتصرف خدمة للمصالح السياسية المشتركة مع إيران.
     ولذلك نلحظ أن التنظيمات الأصولية الثلاثة حركة الإخوان المسلمين وولاية الفقيه الإيراني وتنظيم القاعدة، تتحالف فيما بينها في مواقع وتتصادم في مواقع أخرى، وتتقاطع مصالحها في مواقع ثالثة كما هو الحال في قطاع غزة.
     ففي غزة ساعدت حركة حماس تنظيم القاعدة الذي يتخذ اسم جيش الأمة مسمى له، ساعدته لمواجهة السلطة الوطنية الفلسطينية، ونفذا سوية عمليات اغتيال ضد ضباط أمنيين وشخصيات سياسية تابعة للسلطة الوطنية الفلسطينية، وبعد الانقلاب الذي نفذته حماس في حزيران 2007، تغيرت مصالح حركة حماس، فاعتقلت قيادة جيش الأمة وزعيمه أبو حفص، ومنعتهم من تنفيذ عمليات ضد إسرائيل أو إجراء أي قصف صاروخي ضد المواقع الإسرائيلية، وألزمتهم بالتهدئة التي ترغبها وتفرضها حركة حماس من طرف واحد، بما يتعارض مع مواقف ومصالح الفصائل الفلسطينية الأخرى بما فيها تنظيم القاعدة الذي يتعرض للملاحقة السياسية والأمنية في قطاع غزة اليوم من قبل أجهزة حركة حماس الأمنية.
     الحركات الأصولية الثلاثة لا تهتم بتفاصيل المصالح الوطنية الملموسة للشعب الفلسطيني أو العراقي أو الصومالي، بقدر ما يهمها مصالحها الحزبية وكيف تتحقق، آخذة بعين الاعتبار تحالفاتها كتنظيم عابر للحدود لا يتوقف أمام المصالح الوطنية والمعيشية للناس، فإذا اشتد الخطب والعذاب قيل أن هذا اختبار من الله عز وجل، وإن توسع الألم والقهر فهذا يشكل حافزاً للناس كي تتحرك ضد الظلم الواقع عليها، وهكذا نجد هذا الامتداد التصادمي وعدم الاستقرار في أغلبية البلدان العربية والإسلامية بسبب ظلم الأنظمة وتطرف الحركات الأصولية التي لا تساعد على التوصل إلى القواسم المشتركة بين الأنظمة والحركات السياسية، ويؤدي بالتالي إلى انتشار ظاهرة الخيار المتطرف إما هم أو نحن، إما النظام القائم أو الحركات الأصولية.
     الحركات اليسارية والقومية والليبرالية التي أنضجت الظروف والخبرات وعيها وأساليب كفاحها بالاعتماد على التعددية والخيار الديمقراطي والمرحلية، تقع معاناتها بين ظلم الأنظمة وتطرف الحركات الأصولية، وسيبقى الوضع كذلك حتى تتبدل المعطيات الموضوعية، وتتقدم إلى الأمام إمكاناتها الذاتية.

 


h.fararneh@yahoo.com

قد يهمّكم أيضا..
featured

الرباط في الرباط والانتماء الى العالم الجميل

featured

جنوب سوريا جزء من وطنه!

featured

لا حلول بمعزل عن الشعب!

featured

لاستعادة الدور المصري للصدارة

featured

إعدلوا بالحق ولا تكيلوا بمكيالين!

featured

شـيـخَ المرتـّلـيـن... وداعًـا!