في التراث العربي الانسانيّ أقوال خالدة استحسنها الناس وأعجبوا بها وتناقلوها جيلا بعد جيل، هي عصارة فكر انسانيّ راقِ وعميق وخلاصة تجربة بشريّة غنيّة. وبقيت هذه الأقوال حيّة ساطعة فعّالة على الرغم من مرور قرون عديدة على نطقها أو تدوينها فحينما قال المؤرخ اليونانيّ هيرودوتس (484-425 ق.م): "مصر هبة النيل" أظن أنه لم يدر بخلده أننا سوف نكررها ونعجب بها بعد خمسة وعشرين قرنا، وعندما صرخ ارخميدس "287-212 ق.م" فرحا مدهوشا "يوريكا يوريكا أي وجدتها وجدتها" لم يحلم أن يرددها أحد منّا بعد ثلاثة وعشرين قرنا.
في تراثنا العربي أبيات خالدة لشعراء مثل زهير بن أبي سلمى والمتنبيّ والمعريّ وغيرهم وأقوال لقادة وحكماء معروفين، فما زلنا معجبين بقول الفاروق عمر بن الخطاب (ت 644 م) حينما انتهر واليه على مصر عمرو بن العاص (ت 644 م): "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم احرارا" وبصرخة الصحابيّ الثوريّ أبي ذر الغفاريّ (ت 652 م): "عجبت لمن لا يجد قوت يومه كيف لا يخرج الى الناس شاهرا سيفه" وبالعبارة الطبقيّة التي قالها الامام عليّ (ت 661 م): "لو كان الفقر رجلا لقتلته" ولا أدري اذا كان المفكر الثوريّ كارل ماركس (1818-1883 م) قد قرأ قول عليّ قبل أن يتوصل الى عبارته الخالدة "يا عمال العالم اتحدوا".
هناك أقوال خالدة لسياسيين مثل قول جمال عبد الناصر (1918-1970 م):"ما أخذ بالقوة لا يسترد الا بالقوة" أو قول ياسر عرفات(1929- 2005 م):" سيرفع العلم الفلسطيني شبل فلسطيني على أسوار القدس ومآذنها وكنائسها شاء من شاء وأبى من أبى واللي مش عاجبو يشرب من بحر غزة".
وفي شعرنا الفلسطيني أبيات لشعراء معروفين يرددها أبناء العروبة من المحيط الى الخليج مثل قول محمود درويش (1941-2008 م):"على هذه الأرض، سيدة الأرض ما يستحق الحياة" وقول توفيق زياد (ت1994):"يا شعبي يا عود النّدّ، يا أغلى من روحي عندي، انّا باقون على العهد" وقول راشد حسين (1936-1977م):
سنفهم الصخر ان لم يفهم البشر
أنّ الشعوب اذا هبّت ستنتصر.
وقول سميح القاسم (1939 م- له العمرالطويل):
أبدا على هذا الطريق
شرف السواقي انّها تفنى
فدا النهر العميق.
وكذلك قول عبد الرحيم محمود (ت 1948) الذي خلّده:
سأحمل روحي على راحتي
وألقي بها في مهاوى الردى
فاما حياة تسرّ الصديق
واما ممات يغيظ العدا.
وأظن أن ملايين الثوار العرب قد رددوا طيلة قرن بيتي أبي القاسم الشابّيّ (1906-1934 م) :
اذا الشعب يوما أراد الحياة
فلا بد أن يستجيب القدر
ولا بد لليل أن ينجلي
ولا بد للقيد أن ينكسر.
وأعتقد أن هذين البيتين من الشعر هما أفضل ما قدمته تونس للانسان العربي المعاصر الا أن هذا الشعب التونسي العظيم الذي أنجب الشابّيّ قدّم للأمّة العربية وللتراث الانسانيّ هذا العام قولا رائعا جديدا رددته وتردده الملايين من أبناء شعبنا العربيّ وهو "الشعب يريد اسقاط النظام" ولعل ما يزيد من روعة هذا القول الباتر القاطع ذي الاصرار البطوليّ انّ صاحبه ومنتجه وقائله هو الشعب التونسيّ الثائر وليس فردا بعينه وارادة الشعب من ارادة الله تعالى.
